زانا سيزن، الخبير الاقتصادي: المستقبل لمجتمعات تحوّل الموارد لقيم صناعية، وتتخذ التنمية الاقتصادية محركاً لصون هويتها
يُعد زانا سيزن خبيراً اقتصادياً يركز في دراساته وبحوثه على اقتصاد شمال كوردستان. وخلال مشاركته في ندوة «حلقة الحوار» التي انعقدت تحت عنوان (تأثير الاقتصاد والسوق المشتركة في بناء الأمة)، استعرض رؤاه وتصوراته المعمقة حول اقتصاد شمال كوردستان على النحو الآتي:
بدايةً، أتوجه ببالغ الشكر والتقدير لقسم الثقافة والإعلام في الحزب الديمقراطي الكوردستاني لإتاحة هذه المنصة المعرفية لمناقشة قضايا الاقتصاد، السوق المشتركة، وعملية بناء الأمة. سأركز في هذا الحوار المعمق على تحليل المشهد الراهن في شمال كوردستان، من منظور القوة الجيوسياسية والقدرات الاقتصادية الكامنة في قطاعات الموارد الطبيعية، الزراعة، الثروة الحيوانية، والقطاع الصناعي. إن الغاية الأسمى تكمن في توظيف الاقتصاد كأداة استراتيجية للقوة الناعمة، كفيلة بتخفيف حدة الضغوط السياسية الممارسة، وصياغة علاقات إقليمية متوازنة تضمن رعاية المصالح العليا لشمال كوردستان وبقية الأجزاء الكوردستانية الأخرى بفاعلية وانسجام.
إن قراءة القضية الكوردية من زاوية اقتصادية بحتة تفتح آفاقاً رحبة لفهم أعقد المعادلات السياسية والاجتماعية المعاصرة. لذا، يتحتم علينا في تشخيص واقع شمال كوردستان التحرر من القيود الكلاسيكية التي تختزل المنطقة في مثلث الفقر، البطالة، والنزوح. فبرغم مأساوية هذه الظواهر، إلا أن الأولوية تقتضي تسليط الضوء على المقومات المادية الفعلية لهذه الجغرافيا الثرية. إذ يتمتع شمال كوردستان بمكانة جيوسياسية فريدة، ويمتلك ثروات طبيعية هائلة، بدءاً من الأحواض المائية الكبرى لنهري دجلة والفرات، مروراً بالمساحات الزراعية الشاسعة، والطاقة الكهرومائية، وصولاً إلى ينابيع النفط، الغاز، والمعادن النفيسة، يعززها جميعاً رأسمال بشري فتي وطموح.
هذه المقومات لا تكتسب أهميتها محلياً فحسب، بل تمنح المنطقة ثقلاً استراتيجياً في مسارات التجارة والنقل الدولية، مما يجعلها بوابة حيوية نحو أسواق الشرق الأوسط برمتها. وعليه، فإن الإشكالية الكبرى لا تتعلق بمدى توافر هذه الموارد، بل في استراتيجيات تحويل هذا الكمون الخام إلى رأسمال وطني منتج وصناعات محلية مستدامة تؤمن فرص العمل المنتجة. إن النهوض بالاقتصاد الذاتي سيؤدي حتماً إلى بلورة وعي قومي رصين، وتنظيم اجتماعي متماسك، وتقوية البنى السياسية الأساسية. ختاماً، يظل حشد هذه القدرات وتوجيهها نحو تنمية شاملة هو المحرك الجوهري لمسيرة بناء الأمة الكوردية المستقبلي، وضمان ديمومة تفوقها وازدهارها المنشود، تعزيزاً لمكانتها المرموقة في ظل التحديات الجيوسياسية الراهنة التي تحيط بكوردستان الكبرى من شتى الجهات والتحولات العالمية.
القدرات الاقتصادية الاستراتيجية لشمال كوردستان:
من الثروات الطبيعية إلى رأس المال البشري والشتات
إن عملية تقييم الإمكانات الاقتصادية الكامنة في أي إقليم جغرافي لا يمكن اختزالها في مجرد إحصاء عدد المصانع القائمة أو قياس مستويات الإنتاج المحلي الإجمالي الراهنة فحسب، بل إن هذا التقييم يتطلب بالضرورة صياغة رؤية استراتيجية شاملة وعميقة، تتسم بكونها متعددة الأبعاد، بحيث تعمل على الربط الوثيق والمنهجي بين الموارد الطبيعية الخام، والقدرات البشرية الإبداعية، والمنظومات اللوجستية المتطورة، ورؤوس الأموال الخارجية المتدفقة. يتميز إقليم شمال كوردستان، بحكم موقعه الجيوسياسي الحساس، وتنوع موارده الطبيعية الهائلة، وزخم طاقاته البشرية في الداخل والمنافي، بخصوصية استراتيجية فريدة. وفي هذا السياق التحليلي، يتم تقدير القدرة الاقتصادية لهذا الإقليم عبر خمسة مستويات بنيوية أساسية، مع تبيان كيفية تحويل هذه الأصول إلى قيم مضافة مستدامة.
أولاً: المستويات الخمسة الجوهرية للقدرة الاقتصادية
من أجل رسم خارطة دقيقة للاقتصاد الإقليمي، يجب تصنيف المحركات الأساسية وفق الترتيب الآتي:
1. رأس المال الطبيعي: ويشكل حجر الزاوية للاقتصاد، متمثلاً في الموارد المائية الوفيرة (لاسيما أحواض نهري دجلة والفرات)، والتربة الزراعية الخصبة، والثروات المعدنية، والغابات الكثيفة، والمراعي الشاسعة، فضلاً عن مكامن الطاقة التقليدية من نفط وغاز والطاقات المتجددة كالشمس والرياح.
2. رأس المال الإنتاجي: ويقصد به القدرة التقنية على تحويل المواد الخام إلى سلع نهائية عبر تطوير قطاعات الزراعة الحديثة، وتربية الماشية، والصناعات التحويلية الغذائية، والتعدين المتقدم، وتوليد الطاقة الكهربائية.
3. رأس المال التجاري: بفضل الموقع الجغرافي الذي يمثل جسراً برياً استراتيجياً يربط بين تركيا وإيران والعراق وسوريا، تبرز فرص كبرى لتنشيط التجارة البينية، والخدمات اللوجستية، وعمليات التصدير والاستيراد، والتوغل في أسواق الشرق الأوسط الحيوية.
4. رأس المال البشري: يمتلك الإقليم بنية سكانية شابة وطموحة، تضم كوادر متعلمة من مهندسين، وأطباء، وأكاديميين، ورجال أعمال، وخبراء في التكنولوجيا الرقمية، يمثلون معاً المحرك الفعلي للابتكار والتحول التقني المنشود.
5. رأس مال الشتات (الدياسبورا): يبرز هذا الجانب كقوة اقتصادية ضاربة، ممثلة في النخب الاقتصادية والأكاديمية الكردية المقيمة في الحواضر الكبرى بغرب تركيا مثل إسطنبول وإزمير، وكذلك في دول الاتحاد الأوروبي. إن تكامل هذه الخبرات ورؤوس الأموال مع الموارد الداخلية يمنح الاقتصاد بعداً عالمياً متجدداً.
ثانياً: المياه كقوة استراتيجية وجيوسياسية
في التوازنات الاقتصادية المعاصرة، تتبوأ المياه صدارة الموارد السيادية، حيث لا تقل أهميتها الاستراتيجية عن النفط والغاز. تنبع الأصول المائية الكبرى لنهري دجلة والفرات من المرتفعات الجغرافية لشمال كوردستان. واستناداً إلى البيانات الرسمية لمشروع جنوب شرق الأناضول (GAP)، فقد تم إنجاز ثمانية عشر سداً ضخماً حتى نهاية عام 2024، وتشغيل أربع عشرة محطة لتوليد الطاقة الكهرومائية. بلغت الطاقة الإنتاجية لهذه المحطات حوالي 20.6 مليار كيلوواط/ساعة، وهو ما يمثل نسبة 27.6% من إجمالي الطاقة المائية المنتجة في تركيا. وبالتوازي مع ذلك، تم توفير مياه الري لقرابة 675,250 هكتاراً من الأراضي الزراعية، مما يثبت أن المياه هي الشريان النابض للأمن الغذائي والنمو الحضري.
ثالثاً: تحويل الموارد الخام إلى قيمة مضافة
تتمحور الاستراتيجية التنموية الناجحة حول التخلي عن منطق بيع المواد الخام بصورتها الأولية، والتركيز على خلق القيمة المضافة. فعلى سبيل المثال، بيع القمح الخام يولد عوائد محدودة، بينما معالجته وتحويله إلى دقيق أو معكرونة يرفع قيمته السوقية أضعافاً. وكذلك الحال في قطاع القطن الذي يكتسب قيمته الحقيقية عند تحويله إلى منسوجات وملابس جاهزة، وقطاع الثروة الحيوانية الذي يتطلب بناء صناعات متكاملة للحوم والألبان والجلود لتعظيم الفائدة الاقتصادية.
رابعاً: البنية التحتية كأصل غير مرئي
تعتبر البنية التحتية (الطرق، السكك الحديدية، المطارات، شبكات الطاقة، والإنترنت السريع) المحرك الصامت للاقتصاد. فرغم عدم تحقيقها أرباحاً نقدية مباشرة وسريعة، إلا أنها تمثل الأساس الذي لا يمكن بدونه لأي قطاع إنتاجي أن ينمو أو يصمد في وجه كافة التحديات والتقلبات المعاصرة.
من البنية التحتية إلى البنية الفوقية:
خارطة طريق لاقتصاد القيمة المضافة في شمال كوردستان
عندما تكتملُ الأركانُ الجوهرية للبنية التحتية، من شبكات طرقٍ وموارد مائيةٍ وكهرباءٍ ووسائل اتصالٍ حديثة، تبدأُ عندئذٍ المرحلةُ الثانية الأكثر حيوية في مسيرة التنمية، وهي ما يُصطلحُ على تسميته بـ "البنية الفوقية الاقتصادية". ترتكز هذه المرحلة المفصلية على ترسيخ مفاهيم "القيمة المضافة"، حيث تنبثقُ القفزةُ الاقتصادية الحقيقية من هذا المنطلق تحديداً، ذلك أن الثروة الوجودية للمجتمعات لا تُقاس بمجرد حيازة المواد الخام الدفينة أو الظاهرة، بل تُحددُ قيمتُها بمدى قدرة المجتمع وكفاءته في عمليات المعالجة، والتصنيع، وابتكار العلامات التجارية المرموقة لتلك الموارد الإستراتيجية.
1- المفارقة الاقتصادية المعاصرة
يتجلى في واقع شمال كوردستان اليوم تناقضٌ يثير التأمل، فبينما تنفردُ المنطقة بامتلاك موارد طبيعية ومائية هائلة، يراوحُ نصيبُ الفرد من الدخل السنوي مستوياتٍ متدنية. وبحسب الإحصاءات الرسمية الصادرة عن هيئة الإحصاء التركية (TÜİK) لعام 2024، ففي الوقت الذي بلغ فيه متوسط الدخل السنوي للفرد على مستوى تركيا 503,076 ليرة، سجلت المحافظات في شمال كوردستان أرقاماً متواضعة: «وان: 203,049 ليرة، أغري: 194,660 ليرة، ديار بكر: 188,000 ليرة، وشانلي أورفا: 144,188 ليرة». تبرزُ هذه البيانات حقيقةً جوهرية: وهي أن الموارد الطبيعية بمفردها لا تحقق الرفاه الاجتماعي المنشود. فإذا لم يمتلك المجتمعُ ناصية التكنولوجيا، والقدرات المالية، والمهارات الإدارية، وقوة الإنتاج المرتبطة بالقيمة المضافة، فإن ثرواته ستظلُ مجرد مواد أولية تُصدر للخارج، لتصبَّ منافعها في خزائن مراكز القوى الأخرى. لذا، يجب أن يتركز الهدف الأسمى في ضرورة "تراكم رأس المال المحلي" كركيزة للنهوض.
2- نموذج غازي عنتاب والإستراتيجية المتعددة الأبعاد
تُعد مدينة غازي عنتاب نموذجاً رائعاً في تجسيد فلسفة العمل على القيمة المضافة، فخلال عام 2024، تبوأت هذه الحاضرة مكانةً ضمن المدن الإحدى والثلاثين التي تجاوزت صادراتها حاجز المليار دولار. يبرهن هذا النجاح الباهر أن التحول الجذري من نمط الزراعة التقليدية إلى الصناعة التصديرية المتقدمة هو المحرك الفعلي لتحقيق قفزة نوعية في تجميع الثروات المحلية. وبناءً عليه، يتعين بناء الإستراتيجية الاقتصادية لشمال كوردستان على هيكلية خماسية الأبعاد تشمل: الزراعة، الصناعة، الطاقة، اللوجستيات، والتصدير المباشر.
3- سلاسل القيمة في قطاع الزراعة والثروة الحيوانية
يجب ألا يُنظر للنشاط الزراعي والحيواني كأداة لتأمين العيش الكفافي، بل كحلقات أساسية في سلاسل صناعية كبرى لتعظيم الجدوى المالية:
• سلسلة القمح: تبدأ من الحقل، مروراً بصناعة الدقيق، ثم المعكرونة والأغذية المتطورة، وصولاً لعمليات التغليف والتصدير.
• سلسلة القطن: تتدرج من الجني إلى الغزل والنسيج، ثم إنتاج الملابس الراقية وابتكار العلامات التجارية المرموقة.
• سلسلة الثروة الحيوانية: تشمل التربية، وصناعات اللحوم والألبان، وصولاً إلى دباغة الجلود وصناعة الأعلاف والأغذية المبتكرة.
إن الغاية المحورية لهذه المنهجية ليست مجرد زيادة الكميات المنتجة، بل استخلاص أقصى قيمة اقتصادية ممكنة من المخرجات.
4- اقتصاد الطاقة: من مرحلة الإنتاج إلى السيادة
تزخر المنطقة بمصادر الطاقة الكهرومائية، النفط، الغاز، والطاقات المتجددة. وثمة مساران اقتصاديان:
الأول: الاكتفاء بإنتاج الطاقة وتصديرها خاماً، وهو ما يحرم الإقليم من عوائد التنمية.
الثاني: توظيف الطاقة الرخيصة والمستقرة لخدمة القطاع الصناعي المحلي بهدف خفض تكاليف الإنتاج واستقطاب رؤوس الأموال.
إن الإستراتيجية الحكيمة للمستقبل تقتضي حتماً انتهاج المسار الثاني، حيث تتحول الطاقة إلى محرك لتنشيط المصانع، وخلق فرص العمل، وتعزيز السوق المحلية، وبناء اقتصاد يتسم بالديمومة.
إستراتيجية التنمية الاقتصادية
وبناء الأركان الوطنية الراسخة في أقاليم شمال كوردستان العريقة
تُعدُّ إستراتيجياتُ التنميةِ الاقتصاديةِ الشاملةِ وتعزيزِ البنى التحتيةِ الإنتاجيةِ الركيزةَ الجوهريةَ لصونِ الهويةِ الاجتماعيةِ وامتلاكِ زمامِ السيادةِ في اتخاذِ سائرِ القراراتِ الإستراتيجيةِ الكبرى. وفي هذا السياقِ التاريخيِّ، لُوحِظَ أن منطقةَ شمالِ كوردستان عُومِلَت طويلاً كمخزنٍ وافرٍ للموادِ الخامِ، دون الالتفاتِ الجادِّ إلى استثمارِ مكامنِ القوةِ الكامنةِ في هذهِ الثرواتِ الطبيعيةِ لتشييدِ قاعدةٍ صناعيةٍ وطنيةٍ مستدامةٍ وقويةٍ. ومن أجلِ قلبِ موازينِ هذهِ المعادلةِ، بات لزاماً توجيهُ الرؤى من مَنْظورِ الاستخراجِ نحو آفاقِ التصنيعِ الحديثِ الممنهجِ والمتكاملِ لخدمةِ التطلعاتِ الوطنيةِ والصناعةِ التحويليةِ الفعالةِ.
إن الثرواتِ المعدنيةَ الوفيرةَ القابعةَ في باطنِ أرضِ شمالِ كوردستان، بدءاً من النحاسِ والكرومِ وصولاً إلى الحديدِ والزنكِ والرخامِ، يجبُ ألا تُصدَّرَ كبضائعَ خامٍ بأسعارٍ بخسةٍ، بل يتعيَّنُ إخضاعُها لعملياتِ معالجةٍ وتحويلٍ داخليةٍ تقنيةٍ شاملةٍ. فالنهضةُ الحقيقيةُ لا تتبلورُ في مجردِ استخراجِ الكنوزِ الدفينةِ، بل في صياغةِ "سلاسلِ القيمةِ المضافةِ"، كتحويلِ النحاسِ إلى أجهزةٍ إلكترونيةٍ متطورةٍ، أو صقلِ الرخامِ وتطويعِهِ ليكونَ مادةً في العمارةِ الراقيةِ باعتبارها القلبَ النابضَ للهويةِ. إن هذا النهجَ كفيلٌ بخلقِ آلافِ فرصِ العملِ، والحيلولةِ دون استنزافِ رؤوسِ الأموالِ الوطنيةِ، مع ضمانِ عودةِ القيمةِ الفائضةِ للمنطقةِ، تجسيداً لفلسفةِ الصناعةِ التكامليةِ لتحقيقِ الاكتفاءِ الذاتيِّ التامِّ والمستدامِ والسعيِ نحو التحررِ الاقتصاديِّ التامِّ.
وإلى جانبِ الثرواتِ، يبرزُ الموقعُ الجيوسياسيُّ كعاملٍ حاسمٍ في صعودِ المنطقةِ كمركزٍ إستراتيجيجيٍّ حيويٍّ، حيثُ تشكلُ الجغرافيا جسراً لوجستياً يربطُ القوقازِ والأناضولِ ببلادِ الرافدينِ والهضبةِ الإيرانيةِ. إن وجودَ معابرَ حدوديةٍ مثل "خابور" و"گۆربوڵاغ" يحوّلُ الجغرافيا إلى ممرٍّ تجاريٍّ دوليٍّ يربطُ آسيا الوسطى بالبحرِ المتوسطِ وأسواقِ العراقِ وجنوبِ كوردستان. وعبر تطويرِ المناطقِ وشبكاتِ النقلِ السريعةِ، يمكنُ تحويلُ هذا الرواقِ إلى مركزٍ لوجستيٍّ إقليميٍّ يعززُ الثقلَ السياسيَّ برمتهِ بما يخدمُ التنميةَ الإقليميةَ الشاملةَ وزيادةِ مكانتِهِ الجغرافيةِ والتاريخيةِ.
إن الوشيجةَ بين الاقتصادِ وعمليةِ بناءِ الأمةِ علاقةٌ عضويةٌ متينةٌ، إذ يُثبتُ التاريخُ أن غيابَ السوقِ المشتركةِ يعيقُ تشكيلَ قوةٍ وطنيةٍ صلبةٍ لتعزيزِ مكانةِ الأمةِ بين الشعوبِ. إن تفعيلَ المحركاتِ يحققُ ثلاثةَ مكاسبَ: أولاً، تأميمُ رأسِ المالِ، بحيثُ يتجذرُ المستثمرونَ في أرضِهم بدلاً من تهجيرِ الأموالِ، مما يدعمُ المؤسساتِ والجامعاتِ والإعلامِ الحرِّ. ثانياً، تحفيزُ الهجرةِ العكسيةِ والحدُّ من نزيفِ العقولِ والطاقاتِ الشبابيةِ المبدعةِ نحو المهجرِ. ثالثاً، إنضاجُ الطبقاتِ الحديثةِ والتحولُ نحو مجتمعٍ تقنيٍّ يضعُ الركائزَ الحداثيةَ للهويةِ القوميةِ المعاصرةِ والناضجةِ سياسياً للأجيالِ وتحقيقِ الرفاهيةِ والعدالةِ الاجتماعيةِ للجميعِ.
ختاماً، إن نهضةَ شمالِ كوردستان ترهنُ بتبني عقليةٍ جمعيةٍ متطورةٍ تُصهرُ فيها الخبراتُ ورأسُ المالِ البشريُّ وطاقاتُ الاغترابِ المبدعةِ مع المواردِ في بوتقةٍ تنمويةٍ واحدةٍ تخدمُ الجميعَ. إن المستقبلَ محجوزٌ للمجتمعاتِ التي تتقنُ تحويلَ الموادِ الخامِ إلى قيمٍ صناعيةٍ مضافةٍ، متخذةً من الازدهارِ المتسارعِ محركاً سيادياً لحمايةِ كينونتِها وضمانِ مستقبلِ أجيالِها نحو غدٍ أفضلَ ومشرقٍ ومستقرٍّ للأبدِ البعيدِ والجميلِ والمزدهرِ بكلِ فخرٍ واعتزازٍ وثقةٍ بالمستقبلِ.
