• Monday, 28 September 2026
logo

د. جيهانكير گولبي الأستاذ في جامعة أربيل التقنية: يتعذر الحديث عن اقتصاد داخلي موحد في ظل وجود نقاط تفتيش تفصل بين الأقضية والمحافظات

د. جيهانكير گولبي الأستاذ في جامعة أربيل التقنية: يتعذر الحديث عن اقتصاد داخلي موحد في ظل وجود نقاط تفتيش تفصل بين الأقضية والمحافظات

يُعد الدكتور جيهانكير گولبي، الأستاذ في جامعة أربيل التقنية، خبيراً متخصصاً في قضايا القومية وبناء الأمة من منظور الاقتصاد السياسي. وخلال مشاركته في ندوة "حلقة الحوار" التي انعقدت تحت عنوان (تأثير الاقتصاد والسوق المشتركة في عملية بناء الأمة)، طرح رؤاه ومقترحاته على النحو الآتي:

بدايةً، يطيب لي أن أعبّر عن بالغ سعادتي وعميق امتناني للمشاركة في هذا الحوار الفكري الرفيع المستوى، ضمن هذه النخبة السياسية والأكاديمية المتميزة، لنتناول سوياً قضية بناء الأمة، التي تمثل بلا شك واحدة من أهم القضايا الجوهرية التي تتقاطع فيها الفلسفة بالسياسة، نظراً لتعدد أبعادها وتباين المقاربات النظرية الكفيلة بفهم ميكانيزماتها. إن مقاربة مسألة الأمة وسيرورة القومنة من منظور الاقتصاد السياسي تضعنا بصورة مباشرة أمام إرث نظري وتطبيقي ثري للغاية، تضرب جذوره في أعماق بنية الفكر الإنساني والسياسي المعاصر. ولكي نستوعب ماهية الأدوات والوسائل الاقتصادية التي تؤدي دوراً محورياً في سيرورات بناء الأمم، يتوجب علينا ابتداءً إجراء فرز نظري ومنهجي دقيق بين رؤيتين كليتين هيمنتا على تاريخ الفكر السياسي والاجتماعي، رؤية تنظر إلى الأمة بوصفها معطى تاريخياً وجدانياً وطبيعياً، ورؤية ثانية بديلة تراها منتجاً اصطناعياً حداثياً ومبتكراً فرضته حتميات التطور التاريخي.

الرؤية الأولى، التي تستمد دعائمها الفلسفية من إرث المدرسة الرومانسية الألمانية، ويمثلها مفكرون بارزون من طينة يوهان غوتفريد هيردر ويوهان غوتليب فيشته، الذي قدم رؤية متكاملة عن الروح القومية، تنظر إلى الأمة ككيان عضوي حي وتجلٍ مادي وروحاني مسبق الوجود. وفقاً لهذا المنظور التقليدي، تتمثل العناصر الجوهرية المكونة للهوية القومية في اللغة، والأصل العرقي، والدم، والفنون الشعبية، والتراث الملحمي، والتاريخ المشترك. تُعامل هذه العناصر كحقائق صلبة ومطلقة سابقة على وجود الدولة، بل ويذهب أنصار هذا التوجه إلى اعتبار أن هذه المكونات الأصيلة هي التي تفرض منطقها وبصمتها على العوامل التي يصفونها بأنها عوارض أو أدوات، مثل الاقتصاد والتعليم والأنظمة المؤسساتية. فكل الأنماط الاقتصادية والسياسية ليست في جوهرها سوى انعكاس لـ روح الأمة، تلك الروح المرتبطة بالخصائص الجينية والوجدانية للجماعة البشرية. وكما أكد غوستاف لوبون، فإن لكل أمة بنية ذهنية وراثية ثابتة تجعلها تعيد صياغة أي وافد خارجي، سواء كان ديناً أو فناً، ليتوافق مع قوالبها الفكرية الخاصة. هنا، يتراجع الاقتصاد كقوة محركة، ويتحول لمجرد مرآة تعكس الهوية الكامنة.

في المقابل، تبرز الرؤية الثانية التي تفكك مفهوم الأمة وتفصله عن التصورات الغيبية أو البيولوجية، لتؤكد أنها نتاج لصيرورات مادية وتاريخية حديثة. يرى هذا التيار أن الأمة هي بناء هندسي متكامل تلعب فيه المؤسسات، والمنظومات التعليمية الشمولية، والنمط الاقتصادي الصناعي، والقرار السياسي الواعي، الأدوار الحاسمة والنهائية. تاريخياً، تعود جذور هذا الطرح إلى الأدبيات الماركسية التي قرأت الظاهرة القومية كنتاج حتمي لمرحلة صعود الرأسمالية وتطور علاقات الإنتاج، وصولاً إلى رواد مدرسة الاقتصاد القومي الكبار مثل فريدريش ليست، الذي يُعتبر الأب الروحي لهذا التوجه. لقد آمن ليست يقيناً بأن بناء القومية يمر حتماً عبر بوابة الاقتصاد المتين، فحمایة الصناعات الوطنية وتحقيق التكامل التجاري الداخلي هما الركيزتان الأساسيتان للوحدة السياسية وصون الاستقلال السيادي. بالنسبة له، كان توحيد ألمانيا المشتتة في القرن التاسع عشر يتوقف جوهرياً على إنشاء الاتحاد الجمركي وتطوير شبكات المواصلات، مما جعل الاقتصاد هو الإسمنت الذي يربط أطراف الأمة ويحمي استقلالها القومي.

هذا التوجه الحداثي تبلور بشكل منهجي أعمق في النصف الثاني من القرن العشرين بفضل إسهامات ثلاثة مفكرين استثنائيين حللوا بعمق العلاقة بين الاقتصاد وبناء الأمة. الأول هو إرنست غيلنر، الذي جزم بأن الأمة هي وليدة الثورة الصناعية بامتياز، إذ يتطلب الاقتصاد الحديث مجتمعاً متجانساً ثقافياً، وقوة عاملة مؤهلة تمتلك لغة معيارية وقدرة عالية على الحراك المهني، وهو ما لا يتحقق إلا عبر نظام تعليمي ترعاه الدولة المركزية. هكذا تصبح القومية ضرورة وظيفية للبقاء الاقتصادي والاجتماعي. الثاني هو بينيديكت أندرسون صاحب مفهوم المجتمعات المتخيلة، الذي ركز على دور رأسمالية الطباعة في صياغة الوعي القومي عبر اللغة المكتوبة التي يسّرت خلق تصور جماعي للهوية بين الأفراد. أما الثالث، فهو إيريك هوبسباوم الذي فكك آليات اختراع التقاليد واستخدام الرموز المبتكرة لتعزيز الولاء القومي بالتزامن مع التحولات الرأسمالية والاجتماعية الكبرى التي شهدها العالم آنذاك، حيث أكد أن الدولة تستخدم التاريخ لتثبيت أركان شرعيتها. إن تضافر هذه الرؤى يؤكد أن الاقتصاد السياسي هو العصب الحيوي في صناعة الهوية القومية وتماسكها واستدامتها في العصر الحديث، مما يحيلنا إلى حقيقة أن الأمم ليست مجرد أساطير غابرة بل هي كيانات حية تُبنى وتُعاد صياغتها وفق متطلبات العيش المشترك والتنمية الشاملة والمصالح المتبادلة بين أفرادها الذين يطمحون لمستقبل واعد ومستقر. ختاماً، إن دراسة هذه الصيرورات تمنحنا بلا شك فهماً أعمق لتحولات القوة والهوية في عالمنا المعاصر الذي لا يتوقف عن التغير، مما يجعل من الضروري إعادة قراءة تلك الأدوات التي شكلت وجداننا القومي برؤية أكاديمية رصينة وموضوعية للغاية.

يرى المفكرون الحداثيون أن العلاقة القائمة بين البنية الاقتصادية والهوية القومية هي علاقة جدلية تبادلية وتكاملية في آن واحد، فمن منظورهم، يتطلب الاقتصاد الصناعي المتقدم والنمو التكنولوجي المتسارع وجود أمة موحدة تتسم بالتجانس الثقافي، وتمتلك لغة مشتركة ونظاماً تعليمياً موحداً وجهازاً إدارياً مركزياً، وذلك لضمان انسيابية العمليات الإنتاجية وتوسيع رقعة السوق وتفعيل آليات العرض والطلب. وفي المقابل، نجد أن الاقتصاد الصناعي بحد ذاته هو الذي يولد الأدوات المادية واللوجستية، مثل شبكات المواصلات الحديثة، ووسائل الاتصال المتقدمة، والمشاريع الإنتاجية الكبرى، والنظام المالي المتكامل، وهي أدوات تعمل في نهاية المطاف على صهر المصالح الفردية والفئوية في بوتقة المصلحة الوطنية الشاملة، مما يؤدي إلى ترسيخ وتعميق الشعور بالانتماء القومي عبر ربط مصير الأفراد بسلامة الاقتصاد القومي.

وعلى الصعيد التاريخي التجريبي، بدأت عمليات تشكيل الكيانات السياسية والاقتصادية الموحدة حتى قبل التبلور النهائي للدولة القومية بملامحها المعاصرة. وهنا برز دور المدرسة "المركانتيلية" (التجارية) التي سعى أتباعها بشكل عملي دؤوب نحو تحطيم القيود الإقطاعية (الفيودالية) المشتتة والمجزئة للولاءات والموارد. فقد آمن أصحاب هذا الفكر بأن تعزيز المنعة السياسية والاقتصادية للدولة يمر حتماً عبر خلق سوق داخلية رحبة ومستقلة، واعتماد سياسة تصنيعية وتجارية "حمائية" صارمة، ترتكز على إزالة العوائق الجمركية البينية، وتطوير قنوات التواصل اللوجستي لربط الأسواق المحلية المتباعدة بمركز قرار اقتصادي واحد.

إن القراءة المتأنية لتاريخ فرنسا في حقبة "كولبير" والملك "لويس الرابع عشر"، وإيطاليا في عهد "غاريبالدي" و"كافور"، وألمانيا تحت زعامة "بسمارك"، وصولاً إلى الولايات المتحدة في عهد "هاميلتون" و"هينري كلاي"، تكشف بوضوح كيف وظفت تلك القوى الأدوات الاقتصادية كركائز أساسية لتقوية بنيان الاقتصاد الوطني، ودمج الثقافات المحلية والفرعية في هوية قومية جامعة، وانصهار المجموعات والأقاليم في نظام قيمي ومصلحي واحد. ويمكن حصر هذه الأدوات الجوهرية في خمسة محاور رئيسية:

أولاً، تطوير البنية التحتية الشاملة لوسائل النقل والمواصلات والاتصالات، بما يضمن الترابط المادي والاجتماعي الوثيق بين مختلف المناطق الجغرافية.

 ثانياً، إقرار الوحدة الجمركية الكاملة التي تلغي كافة القيود أمام الحركة الحرة للسلع والخدمات ورؤوس الأموال والعمالة محلياً، مع صياغة سياسة تجارية خارجية تحمي المصالح القومية.

ثالثاً، النهوض بالصناعة الوطنية التي تتميز بقدرتها الفائقة على خلق "ارتباطات أمامية وخلفية" تشد أطراف المجتمع وقطاعاته الإنتاجية إلى بعضها البعض بآواصر مصلحية متينة، بخلاف الاقتصاد الريعي أو الزراعي التقليدي اللذين يفتقران لهذه الديناميكية في الربط العضوي والدمج الثقافي.

رابعاً، تأسيس وحدة مالية متكاملة ونظام نقدي وسياسي مستقل، يسخر السياسة المالية لخدمة التنمية الصناعية والمواطنة.

خامساً، الحرص على تحقيق التوازن التنموي والعدالة في توزيع المكتسبات بين الأقاليم، إذ إن النمو المتوازن هو الضامن الحقيقي للاستقرار والولاء الوطني، بينما يظل التفاوت التنموي الصارخ سبباً في تصدع الوحدة الوطنية، كما أثبتت تجارب دولية مريرة في التاريخ الحديث.

واقع اقتصاد إقليم كوردستان

التحديات البنيوية ومسارات التكامل الوطني

حين نُسقط المبادئ التاريخية والعلمية الرصينة على المشهد الاقتصادي الراهن في إقليم كوردستان، يتضح لنا جلياً أن إنجاز أي نهضة اقتصادية حقيقية يستوجب وجود سلطة وحكومة موحدة ومركزية في قرارها الاقتصادي، وهو ما أكدت عليه نظريات كبار المنظرين في هذا المجال. إن غياب هذا التوحيد الهيكلي يمثل، بلا شك، العائق الأول والتحدي الأبرز في مسيرة البناء. ورغم أن الإقليم لا يتمتع بصفة الدولة المستقلة ذات السيادة الكاملة، إلا أنه، وبحكم موقعه ككيان "دي فاكتو" وضمن إطار النظام الفيدرالي العراقي، يمتلك نوعاً من الاستقلال المالي والإداري. وهنا يجب أن نتذكر أن الفيدرالية تقوم أصلاً على ركيزتين متلازمتين: الاستقلال الذاتي من جهة، والاتحاد والوحدة من جهة أخرى، وهو ما يمكن استثماره كفرصة ذهبية لبناء اقتصاد وطني متكامل وموحد.

ومع ذلك، تبرز أمامنا معضلة كبرى تتمثل في العوائق التي تحول دون الانسياب الحر للسلع والخدمات ورؤوس الأموال بين مدن ومحافظات الإقليم المختلفة. فلا يمكن الحديث عن اقتصاد محلي متماسك في ظل وجود قيود غير رسمية وعقبات إدارية أو أمنية تعيق حركة المنتجات الوطنية داخل جغرافية الإقليم الواحد. إن هذه الحواجز لا تؤدي إلا إلى تفتيت السوق المحلية، وإلحاق أضرار جسيمة بفرص النمو المتوازن، مما يعمق الفوارق التنموية بين المناطق ويضعف القدرة التنافسية الشاملة للإقليم أمام الاقتصادات الخارجية.

وفي هذا السياق، لابد من التوقف عند تحدٍّ مفصلي آخر يتعلق بالاتحاد الجمركي. فمن أجل بناء وحدة جمركية داخلية ناجحة، يتطلب الأمر رسم حدود واضحة وحاسمة (حد فاصل) مع العالم الخارجي. وهنا يطرح التساؤل الجوهري نفسه: هل يمتلك إقليم كوردستان القدرة الفعلية على حماية حدوده الجمركية أمام تدفق السلع من بقية مناطق العراق؟ إن انفتاح سوق الإقليم بلا ضوابط أمام المنتجات القادمة عبر العراق قد يشكل تهديداً مباشراً للصناعات الناشئة. وهنا نستحضر رؤية الاقتصادي الشهير "فريدريش ليست"، الذي شدد على ضرورة حماية القطاعات الاقتصادية الفتية من خلال سياسات "الحماية الجمركية" (Protectionism) في مواجهة المنافسة الخارجية الشرسة، حتى تصل تلك الصناعات إلى مرحلة النضج والقدرة على الصمود. وبدون وجود خطوط فاصلة ورقابة صارمة، سيبقى طموح تقوية الاقتصاد الداخلي مجرد أمنيات تصطدم بصخرة الواقع.

علاوة على ذلك، تبرز مشاكل البنية التحتية، وخاصة شبكات الطرق والنقل والاتصالات، كعائق لوجستي يعيق تكامل الأسواق، وهي ملفات تتطلب حلولاً استراتيجية عاجلة ومستدامة. إن الاقتصاد لا يتحرك بفعالية ما لم تكن هناك شرايين نقل حديثة تربط المنتج بالمستهلك بأقل التكاليف وأسرع الأوقات.

من جانب آخر، يخبرنا التاريخ أن تطوير الصناعة الوطنية كان دائماً في قلب أولويات بناء الدولة. ففي فرنسا مثلاً، وخلال الحقبة الميركانتيلية (التجارية)، كانت هناك رقابة صارمة على جودة السلع الوطنية، لضمان أن تكون العلامة التجارية الفرنسية في الأسواق العالمية رمزاً يعكس قوة الدولة السياسية والعسكرية ومكانتها الثقافية. وهو المسار نفسه الذي سلكته ألمانيا والولايات المتحدة وإيطاليا خلال مراحل توحيدها وبناء هويتها الاقتصادية. بالنسبة لإقليم كوردستان، فإن تطوير "براند" أو علامة تجارية وطنية ليس مجرد ترف اقتصادي، بل هو ضرورة ملحة لبناء الثقة في السوق المحلية. وحين تُصدر هذه المنتجات إلى أجزاء كوردستان الأخرى، فإنها تتحول من مجرد سلع تجارية إلى أدوات لتعزيز الشعور بالانتماء القومي والفخر بالهوية، تماماً كما فعلت فرنسا في بدايات تشكل الدولة القومية حين جعلت من جودة منتجاتها انعكاساً لتمسكها بالتفوق الثقافي والسياسي.

ورغم أن فرض سياسات تجارية حمائية في عصر العولمة والأسواق المفتوحة ليس بالأمر اليسير، إلا أن معظم دول العالم لا تزال تمارسها بنسب متفاوتة كأداة فعالة لحماية أمنها الاقتصادي. إن سلطة حكومة الإقليم في هذا المجال قد تبدو محدودة، ولكن يمكنها في المستقبل، من خلال المشاركة الفاعلة في صياغة التعريفات الجمركية العراقية والروزنامة الزراعية الاتحادية، أن تضمن مساحة تحمي مصالح قطاعاتها الصناعية والزراعية بما يخدم أهداف التنمية المستدامة في كوردستان.

أما بخصوص التبادل التجاري مع أجزاء كوردستان الأخرى، فيجب النظر إليه بواقعية نقدية. فمن جهة، ترتبط اقتصادات تلك الأجزاء ارتباطاً عضوياً باقتصادات الدول التي تتبع لها (تركيا وإيران)، حيث لا توجد حدود اقتصادية تفصلها عن تلك المراكز. ومن جهة أخرى، نجد أن ميزاننا التجاري مع تلك الأجزاء يعاني من خلل واضح، فنحن مستوردون بامتياز لسلع تلك الدول. إننا نفتقر إلى منتجات وطنية تحمل هويتنا الخاصة وتكون قادرة على غزو تلك الأسواق لتعزيز الروابط القومية عبر الاقتصاد. بل إن المفارقة تكمن في أن السلع التركية والإيرانية هي التي تهيمن على مخيلة المستهلك لدينا، حيث يُنظر إليها كعلامات جودة (أصلي)، بينما يغيب مصطلح "صنع في كوردستان" (الشمالية أو الشرقية) عن التداول التجاري. لذا، فإن التبادل التجاري في وضعه الحالي يظل محكوماً بالمنطق المادي الصرف، بعيداً عن كونه رافعة لمشروع بناء الأمة، مع تقديرنا للروابط الاجتماعية التي تنشأ بين التجار والأفراد عبر تلك المبادلات.

وفيما يخص الدور المالي، لا بد من الإشارة بمرارة إلى أن الوضع المالي الحالي للإقليم لا يخدم مشروع "بناء الدولة" أو "بناء الأمة". فعندما يرى جيل كامل، وعلى مدار أكثر من عقد، أن لقمة عيشه ومرتبه الشهري، بل وحتى مستحقات المزارعين وتوفير الوقود، رهينة بانتظار موافقات وقرارات تأتي من بغداد، فإن ذلك يولد شعوراً بالتبعية وفقدان الثقة بالذات الوطنية. هذا التأثير النفسي والسياسي يمتد ليشمل التجار والحرفيين، ويشكل نقطة ضعف قاتلة في مسار الاستقلال الاقتصادي.

ختاماً، إن الانتقال من "الاقتصاد الريعي" الذي يعتمد كلياً على عائدات النفط المتذبذبة هو أحد أصعب التحديات التي تواجه دول المنطقة، وبالأخص العراق والإقليم اللذين غرقا في هذا النمط لعقود طويلة. إن الخروج من هذا النفق يتطلب تفعيل القطاع الخاص بكل قوة. إن خلق سوق داخلية مشتركة وموحدة، تقابلها بيئة استثمارية قائمة على سيادة القانون، وشفافية مطلقة، وتقليل الروتين الإداري، وتطوير الأنظمة المصرفية، هو السبيل الوحيد لتحويل الشركات المحلية إلى كيانات قادرة على تلبية الاحتياجات الوطنية والمنافسة في الأسواق الإقليمية لتصبح مصدراً للعملة الصعبة. إنها رحلة طويلة وشاقة، لكنها ضرورة حتمية للبقاء والازدهار في عالم لا يحترم إلا الأقوياء اقتصادياً

Top