• Sunday, 27 September 2026
logo

من الدمج إلى الحقوق… أين وصلت القضية؟

من الدمج إلى الحقوق… أين وصلت القضية؟

محمد ديب احمد

في السياسة ، قد يكون العنوان كبيرًا ، بينما تكون التفاصيل أصغر بكثير . 

وقد تحمل البيانات كلمات من نوع السلام ، والاستقرار ، والشراكة ، والوحدة الوطنية ، وفتح صفحة جديدة ، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تخرج الاتفاقات من الورق إلى حياة الناس .

ولعل الحالة الكوردية في سوريا تقدم اليوم مثالًا يستحق التوقف عنده .

فما جرى خلال الأشهر الماضية ليس تفصيلًا عابرًا .

 قوة عسكرية كانت تنتشر في مساحة واسعة من شمال وشرق سوريا ، روج آفا ، وترتبط بها مؤسسات مدنية وأمنية ، انتقلت إلى مسار الدمج داخل مؤسسات الدولة . 

وفي 25 آب/أغسطس أعلن السيد مظلوم عبدي انتهاء مهمة قسد كقوة عسكرية مستقلة ، بعد استكمال دمج قواتها في الجيش السوري .

بعدها بأيام عُيّن عبدي مستشارًا لدى رئاسة الجمهورية للشؤون الكوردية ، كما عُيّن سيبان حمو نائبًا لوزير الدفاع .

هذه نتائج سياسية حقيقية ، ولا يصح تجاهلها .

لكن السياسة لا تُقرأ من النتيجة الأولى فقط ، بل من الاتجاه الذي تقود إليه النتائج .

فالسؤال لم يعد :هل اندمجت قسد في الدولة ؟ السؤال الأهم هو :ماذا حصل الكورد في المقابل ؟

وما الذي أصبح حقًا قانونيًا ومؤسسيًا ؟

 وما الذي ما زال مطلبًا أو موضوعًا للتفاوض ؟

المرسوم رقم 13 لعام 2026 مثّل تحولًا واضحًا في الخطاب الرسمي السوري ؛  فقد نص على أن الكورد جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري ، واعترف بهويتهم الثقافية واللغوية ، وأقرّ اللغة الكوردية لغة وطنية ، وسمح بتدريسها في المناطق ذات الكثافة الكوردية . 

كما ألغى القوانين والإجراءات الاستثنائية الناتجة عن إحصاء عام 1962 ، ونص على منح الجنسية للمشمولين بها ، وجعل نوروز عطلة رسمية .

و هنا تحديدًا تبدأ السياسة الحقيقية .فاللغة الوطنية ليست بالضرورة اللغة الرسمية .والاعتراف باللغة ليس هو نفسه جعلها لغة للدولة ومؤسساتها ، والسماح بتدريسها ليس هو نفسه ضمان التعليم الكامل بها .

لذلك ، عندما يقول مظلوم عبدي ، إن النقاش ما زال مستمرًا حول وضع اللغة الكوردية ، وإن المطلوب أن تصبح لغة للتعليم وأن تحصل على صفة اللغة الرسمية ، فإن كلامه يستحق التوقف عنده . 

فهو لا يتحدث اليوم من موقع قائد قوة عسكرية مستقلة ، بل من موقع رسمي داخل الدولة الجديدة .ومع ذلك ، علينا أن نكون دقيقين : تصريح عبدي ليس قرارًا دستوريًا ، والحديث عن اللغة الرسمية الثانية لا يعني أنها أصبحت كذلك .وهنا يظهر الفرق بين السياسة وقراءة الأخبار .

نحن أمام مطلب واضح ، وحوار قائم ، وموقف سياسي معلن ، لكن النتيجة النهائية لم تُحسم بعد .هل اللغة الملف الوحيد ؟ هناك اللامركزية ، وشكل الدولة ، وموقع الحقوق الكوردية في الدستور المقبل ، وحدود الصلاحيات المحلية ، وكيفية تحويل ما تحقق في الاتفاقات والمرسوم إلى قوانين ثابتة لا تتغير بتغير الحكومات والظروف السياسية .وهذه ربما تكون أهم نقطة في المرحلة الجديدة كلها .فالكورد ينتقلون من مرحلة كانت فيها القوة العسكرية إحدى أدوات حماية المكتسبات إلى مرحلة تصبح فيها القوانين والدستور والمؤسسات والسياسة أدوات حماية الحقوق .وهذا انتقال بالغ الأهمية .

لكن الانتقال من البندقية إلى الدستور لا يعني أن المعركة السياسية انتهت ؛ بل يعني أن أدواتها تغيرت .فإذا كان السلاح قد أصبح جزءًا من مؤسسة الدولة ، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو :هل ستدخل الحقوق الكوردية أيضًا إلى مؤسسات الدولة بالقدر نفسه ؟هنا لا يكفي أن يكون هناك كورد في مواقع حكومية .

وجود مظلوم عبدي مستشارًا لدى الرئاسة ، وسيبان حمو في وزارة الدفاع ، وغيرهما من الكوادر الكوردية في مؤسسات الدولة ، يمكن أن يكون مؤشرًا على شراكة سياسية جديدة ، لكنه لا يصبح وحده ضمانًا للحقوق .المناصب أشخاص ، أما الحقوق فهي مؤسسات وقوانين .هذه نقطة يجب ألا نخلط بينها .فالمطلوب ليس أن يكون للكورد مسؤول كوردي هنا أو هناك ، بل أن يشعر المواطن الكوردي أن الدولة التي أصبح جزءًا منها تحمي لغته وهويته وحقوقه السياسية والثقافية والإدارية بقوة القانون .الملف التعليمي يقدم لنا مثالًا واضحًا على المسافة بين العنوان والنتيجة .

فوزارة التربية أقرت تدريس اللغة الكوردية في المناطق ذات الكثافة الكوردية ، ثم استقرت التعليمات التطبيقية على ثلاث حصص أسبوعية ، بينما بقيت المواد الأساسية باللغة العربية ، الأمر الذي أثار احتجاجات ومطالبات بتوسيع التعليم باللغة الأم في كل المناطق الكوردية .

فهل هذا تراجع ؟

أم خطوة أولى ؟

ربما يكون الجواب الأدق :إنه خطوة إلى الأمام في الاعتراف، لكنه لم يصل بعد إلى مستوى المطالبة الكوردية .وهذه القراءة أكثر فائدة من إطلاق الأحكام السريعة .فالكورد اليوم أمام مسار جديد فيه مكاسب ، وفيه تنازلات ، وفيه ملفات مفتوحة ، وكذلك فيه تفاوض مستمر .ولا أعتقد أن المطلوب هو أن يصفق الكورد لكل خطوة باعتبارها انتصارًا ، ولا أن يرفضوا كل خطوة لأنها لا تحقق كل مطالبهم دفعة واحدة. المطلوب هو شيء أكثر صعوبة :المداومة على المطالبة .فإذا كان الحوار مستمرًا ، يجب أن تستمر المطالب الكوردية . وإذا كانت كتابة الدستور لم تُحسم ، فعليهم أن يكونوا حاضرين فيها .وإذا أصبحت اللغة الكوردية لغة وطنية ، فعليهم أن يسألوا عن الخطوة التالية :متى تصبح لغة رسمية ؟ وكيف ؟ وما موقعها في التعليم والإدارة والقضاء والمؤسسات ؟

وإذا كانت اللامركزية لم تُحسم ، فالسؤال ليس فقط لماذا لم تتحقق اليوم ، بل كيف يمكن تحويلها من شعار سياسي إلى صيغة دستورية وإدارية قابلة للتطبيق داخل دولة سورية موحدة .وهنا ربما تكون السياسة الحقيقية قد بدأت .

أما ما جرى ويجري في غرف التفاوض ، وما قيل خلف الأبواب المغلقة ، وما الذي اتُّفق عليه بالتفصيل وما الذي ترك لتفسير كل طرف ، فسيبقى سؤالًا مشروعًا ما لم تظهر وثائق أو وقائع أكثر وضوحًا .

لكن علينا ألا نبني تحليلنا على ما لا نعرفه .نقرأ ما ظهر ، ونراقب ما يُنفذ ، ونقارن بين النص والتطبيق ، وننتظر النتائج .والاتفاقات لا تُقاس فقط بما توقعه السياسيون ، بل بما تنتجه بعد أشهر وسنوات .والتصريحات لا تصبح سياسة لمجرد صدورها ، لكنها تصبح ذات دلالة عندما تتحول إلى قوانين وقرارات ومؤسسات .وهنا تحديدًا يصبح السؤال الكوردي جزءًا من السؤال السوري الأكبر :هل تستطيع الدولة الجديدة أن تتحول من دولة تعترف بالتنوع في النصوص إلى دولة تدير هذا التنوع في المؤسسات ؟إذا حدث ذلك ، فإن الدمج سيكون انتقالًا وليس مجرد تغيير في الزي العسكري .أما إذا بقي الاعتراف في حدود البيانات والمراسيم ، وظلت القضايا الأساسية مؤجلة من جولة إلى أخرى ، فستبقى المسافة واسعة بين العنوان والنتيجة .

لذلك لا أريد أن أقرأ المشهد الكوردي اليوم بعين المنتصر أو بعين المهزوم .

 أريد أن أقرأه بعين السياسي الذي يسأل :ماذا قيل ؟ ماذا تحقق ؟ ماذا لم يتحقق ؟ ما الذي يجري التفاوض عليه ؟ وإلى أين تتجه السفينة ؟ لأن السياسة لا تُقرأ من عناوينها …بل من نتائجها .

 

 

 

 

Top