• Saturday, 26 September 2026
logo

د. أمير سليم محمد، الأستاذ في جامعة صلاح الدين : بدون اتخاذ خطوات عملية لتوحيد السوق المحلية سيواجه اقليم كوردستان مخاطر حقيقية

د. أمير سليم محمد، الأستاذ في جامعة صلاح الدين : بدون اتخاذ خطوات عملية لتوحيد السوق المحلية سيواجه اقليم كوردستان مخاطر حقيقية

يُعدُّ د. أمير سليم محمد أستاذاً في جامعة صلاح الدين-أربيل، وقد استعرض خلال مشاركته في هذه الحلقة من (حلقة الحوار) التي حَمَلت عنوان: "تأثير الاقتصاد والسوق المشتركة في عملية بناء الأمة"، رؤاه ومقترحاته على النحو الآتي:

أعربُ ابتداءً عن خالص شكرنا وتقديرنا العميق لقسم الثقافة والإعلام في الحزب الديمقراطي الكردستاني الموقر على تنظيم هذا الحوار الفكري الهام، الذي استطاع جمع هذه النخبة المتميزة من الشخصيات السياسية والوجوه الأكاديمية البارزة، بغية التباحث في قضية استراتيجية وحيوية تتمثل في «تأثيرات الاقتصاد والسوق المشتركة ضمن مسار وعملية بناء الأمة». إن مفهوم السوق المشتركة يعبر جوهرياً عن اتفاق اقتصادي مبرم بين مجموعة من الدول يهدف لتقليص أو إزالة العوائق والحدود الاقتصادية تماماً، بغرض تيسير انتقال السلع، والخدمات، ورؤوس الأموال، والقوى العاملة بمرونة. ويتجلى هذا المصطلح بمعنيين متوازيين، سياسي واقتصادي كما هو الحال في الاتحاد الأوروبي، أو مكاني مادي محسوس. ومن أبرز الأمثلة التاريخية في هذا السياق: المجموعة الاقتصادية الأوروبية (1958)، والاتحاد الأوروبي الذي يضم حالياً سبعاً وعشرين دولة، إضافة إلى سوق أمريكا الجنوبية المشتركة، ومجموعة شرق أفريقيا، وكلها كيانات سعت لتعزيز المتانة الاقتصادية وإلغاء الضرائب الجمركية لصالح الحركة العامة للأفراد والرساميل. ويبرهن تاريخ نشوء هذه الأسواق بوضوح كيف يمكن للتكامل الاقتصادي أن يرسخ دعائم السلم والاستقرار السياسي والوئام بين الدول المختلفة.

بيد أن تشكيل سوق اقتصادية مشتركة تجمع بين إقليم كردستان وباقي أجزاء كردستان الكبرى، يظل في الوقت الراهن، ومن منظور واقعي، أمراً في غاية الصعوبة والتعقيد، نظراً لغياب مقومات السيادة السياسية، والتباين الجوهري العميق في الأنظمة النقدية والمالية والسياسات المتبعة في دول المنطقة المحيطة. فإقليم كردستان يجد نفسه ملزماً بالعودة إلى الحكومة الاتحادية في العاصمة بغداد فيما يتعلق بالمسائل الوطنية والسيادية الكبرى، بينما تظل الأجزاء الكردستانية الأخرى محرومة تماماً من استقلالية القرار السياسي. ورغم وجود تبادلات تجارية قائمة، إلا أنها تفتقر للتوازن المنشود، حيث يتوجه مواطنو الأجزاء الأخرى نحو الإقليم للعمل في مجالات التقنية والبحث عن فرص الاستثمار، محققين مكاسب جمة، بينما تقتصر استفادة مواطني الإقليم غالباً على مجالات السياحة وتلقي الخدمات الطبية، وهو ما يصب في نهاية المطاف لصالح تلك الأطراف لا لصالح الإقليم، مما يتسبب في تراجع اقتصادي يجعل الإقليم أقل قدرة على استثمار المقدرات المالية المتاحة.

أما على الصعيد الداخلي، فإن مساعي إيجاد سوق موحدة ومنسجمة في إقليم كردستان تصطدم بعقبات وتحديات جمة. فمن الناحية السياسية والإدارية، يبرز التدخل الحزبي المباشر وانقسام السلطة الحقيقية بين منطقتي النفوذ «الصفراء والخضراء» كحاجز بنيوي. ففي المنطقة الخضراء، تُرى المؤسسات الحكومية وكأنها تعاني من قصور واضح في معالجة الأزمات، في حين يتم تصوير النجاحات كأنها مكاسب حزبية حصرية للقوى المهيمنة هناك. وتتمثل خارطة الطريق نحو الحل في تعميم رقمنة كافة الإجراءات الإدارية والمصرفية، على غرار مشروع «حسابي»، وأتمتة معاملات التراخيص، والجمارك، والمنظومات الصحية. أما تشريعياً ولوجستياً، فإن الافتقار لقانون موحد وشامل للمنافسة، وتدهور البنية التحتية للطرق والخدمات اللوجستية، يمثلان عائقاً كبيراً أمام النمو المنشود.

إن غياب الاقتصاد الموحد في الإقليم يعود بالأساس إلى حالة التشرذم الإداري والصراع السياسي المرير، حيث عرقلت التدخلات الحزبية مسارات الإصلاح البنيوي مثل التحول الرقمي ومشاريع الشمول المالي، مما ولد شعوراً بعدم العدالة وأزمات خدمية متلاحقة. كما تم توظيف المطالبة باللامركزية لتكريس التفاوت في توزيع المشاريع الإنمائية بناءً على معيار الإيرادات المحلية لكل محافظة على حدة. إن هذه النزاعات لم تؤدِ فقط لشلل القطاع العام، بل خربت الركائز الأساسية للتنمية الوطنية الشاملة، وأصابت النظام المالي بضرر بليغ، مما أدى لتآكل ثقة المواطنين بالمؤسسات المالية والقانونية الرسمية للدولة، وفتح الباب أمام صراعات حزبية تعيق توفير الاحتياجات الأساسية.

ولأجل تحقيق إصلاح حقيقي، ينبغي تمكين القطاع الخاص في مجالات السياحة، والصناعة، والزراعة، عبر دعم المشاريع الناشئة وتسويق المنتج الوطني. يجب بناء نموذج اقتصادي تكاملي بين الأقضية والمدن، فمثلاً يصبح رمان حلبجة وتين آكري وسمسم آميدي عناصر مكملة لبعضها صناعياً. إن انعدام العدالة التنموية يضرب في صميم الانتماء الوطني، لذا فإن سيادة القانون هي الضمان لبناء اقتصاد متين يحقق الاستقرار. إن التنمية المتوازنة هي الكفيلة بترسيخ أسس بناء الأمة وحماية الكيان الدستوري لإقليم كردستان أمام تحديات المستقبل البعيد والقريب في هذا الوطن العزيز. إن التشرذم يولد طبقية وظلماً يهدد المصير المشترك ويدفع الشباب للهجرة القسرية بحثاً عن حياة أفضل ومستقبل مستقر وآمن. مما يعيق التقدم المنشود.

يجب أن يغدو سوق كردستان المشترك محركاً جوهرياً يحفز القطاع الخاص وكبار المستثمرين والرأسماليين المحليين على إعادة توجيه رؤوس أموالهم من الأنماط التجارية الاستهلاكية العابرة نحو آفاق الاستثمار الاستراتيجي المستدام في قطاعات حيوية كالطاقة، والصناعة، والزراعة، والنقل واللوجستيات. إن تبني هذه الاستراتيجية الشاملة سيؤدي حتماً إلى تحقيق تنمية جغرافية متوازنة، تسهم في تذويب الفوارق التنموية بين المناطق المختلفة وتعزز المرتكزات الوطنية الراسخة. ومن خلال هذا الانصهار في المصالح المالية بين المحافظات، ستتشكل بنية تحتية اقتصادية صلبة تمهد الطريق لبلورة خطاب سياسي وطني موحد، يحمي الهوية القومية الجامعة من مخاطر الذوبان، ويضمن مستقبلاً يسوده الاستقرار والأمان للشعب، كما يقوض بشكل كلي كافة تداعيات الضغوط الخارجية الكبيرة على الكيان السياسي الحالي لإقليم كردستان.

إن التحول الجذري في الاستراتيجية الاقتصادية للإقليم، الذي يمر حالياً بمنعطف تاريخي بالغ الحساسية، من نموذج ريعي مستهلك يعتمد على العوائد النفطية المتذبذبة، إلى اقتصاد إنتاجي متنوع يشمل الصناعة والزراعة والطاقة، بات يمثل ضرورة مصيرية وملحة. ويتحقق هذا المسار عبر توسيع نطاق السوق المحلية وتقديم تسهيلات إجرائية فعالة للقطاع الخاص، مما يشكل حافزاً قوياً لاستقطاب الرساميل الوطنية نحو الاستثمارات الحقيقية في كافة القطاعات الاستراتيجية التي تضع الأساس الموثوق للازدهار المستقبلي المنشود.

ولعل أهم مكتسبات هذا التحول تكمن في ترسيخ دعائم الأمن الغذائي عبر إيجاد سوق مركزية مضمونة للمزارعين، تمنحهم الثقة التامة في تصريف محاصيلهم الزراعية المتنوعة. إن بناء سلاسل توريد محلية متكاملة، وتشييد الصوامع العصرية في شتى المناطق، وتطوير المشاريع الزراعية الصناعية الكبرى مثل مشروعي زووم وداس والمبادرات المشابهة، سيسهم في نقل هذا القطاع من نشاط بدائي إلى صناعة متقدمة. كما أن تطبيق نظام جمركي رصين وزيادة الضرائب على السلع المستوردة أثناء مواسم الحصاد المحلي، سيحمي تنافسية المنتج الوطني ويؤمن إيرادات بديلة للحكومة، بالموازاة مع توفير التقنيات الحديثة، وتحديث منظومات الري، والتوسع في البيوت البلاستيكية، والمخازن المبردة التي ترتقي بالبنية التحتية لهذا المرفق الحيوي الهام.

أما إذا لم يتم اتخاذ خطوات إجرائية عاجلة لتوحيد السوق الداخلية قريباً، فإن الكيان الدستوري للإقليم سيكون مهدداً بمخاطر حقيقية، إذ إن غياب الوحدة الاقتصادية يقوض شرعية المؤسسات، ويذكي روح المناطقية الضارة، ويجعل الأجيال الصاعدة غريبة عن منظومة القيم الوطنية، مما يؤدي إلى تشرذم المجتمع وتراجع التمسك بالمقدسات الوطنية الجامعة.

إن مفاهيم المواطنة والانتماء القومي تتصل اتصالاً وثيقاً بوجود سوق عادلة توفر فرص العمل اللائقة والنمو المتساوي لكافة الأفراد دون أي تمييز مكاني. لذا، فإن الابتعاد عن التدخلات الحزبية والنزعات الضيقة في عمليات الاستثمار وتوزيع المشاريع، سيسهم في تبديل مشاعر الإقصاء لدى فئة الشباب إلى مشاركة تفاعلية خلاقة في مسيرة إعادة بناء وإعمار الوطن.

ولتشييد هذا البنيان الاقتصادي الموحد، يجب اجتثاث كافة العراقيل والتدخلات غير القانونية، وهذا يتطلب تنفيذ حزمة مشاريع استراتيجية مشتركة في مجالات النقل والنظم المالية والتحول الرقمي. إن اعتماد علامة تجارية وطنية موحدة للمنتجات بصبغة كردية يعد ركيزة للهوية الوطنية. وهنا يتعاظم دور الحكومة في إصدار تشريعات عصرية ورقمنة الخدمات مثل التراخيص والجمارك ونظام حسابي المصرفي. وعلى الجامعات توجيه البحوث العلمية نحو احتياجات السوق الفعلية وتطوير المناهج لإعداد رأس المال البشري المؤهل. أما الغرف التجارية، فعليها تنظيم الشبكات، وإقامة المعارض الوطنية، وحماية آليات السوق الحرة، وضمان جودة الإنتاج وتعزيز قواعد المنافسة العادلة بين كافة الأطراف الفاعلة لتحقيق النهضة المنشودة في ظل سيادة القانون والمؤسسات التي تضمن حقوق الجميع وتدفع بعجلة التنمية نحو الأمام بخطى واثقة ومستدامة في كافة أرجاء إقليم كردستان العزيز ليكون نموذجاً يحتذى به في المنطقة بأسرها بما يخدم المصالح العليا للأمة ويحقق تطلعات المواطنين في حياة حرة كريمة ومزدهرة للغاية.

Top