• Friday, 25 September 2026
logo

فرهاد محمد عضو حلقة الحوار: إرساء دعائم اقتصادية رصينة يمثل الخطوة الجوهرية في تشييد أركان الدولة القومية

فرهاد محمد عضو حلقة الحوار: إرساء دعائم اقتصادية رصينة يمثل الخطوة الجوهرية في تشييد أركان الدولة القومية

فرهاد محمد عضواً في "حلقة الحوار" وفي القسم الثقافي للحزب الديمقراطي الكردستاني، فضلاً عن كونه رئيس تحرير مجلة "كولان". وخلال مشاركته في الندوة الأخيرة التي نظمتها (حلقة الحوار) تحت عنوان: "تأثير الاقتصاد والسوق المشتركة في بناء الأمة"، استعرض رؤيته الفكرية وتصوراته الاستراتيجية على النحو الآتي:

يربطُ جهابذةُ الفلسفةِ السياسيةِ بزوغَ فجرِ القوميةِ المعاصرةِ بإرهاصاتِ الثورةِ الصناعيةِ الكبرى وتبلورِ مفهومِ "الدولة الأمة"، جاعلينَ من الاقتصادِ القوميِّ الموحدِ، واللغةِ المعياريةِ الرسميةِ، وازدهارِ صحافةِ الطباعةِ الواسعةِ، حجرَ الزاويةِ المتينِ في هندسةِ الهويةِ القوميةِ وعبورِها من القارةِ الأوروبيةِ إلى سائرِ أصقاعِ العالمِ الفسيحِ. وإذا ما أسقطنا هذا النموذجَ الحداثيَّ الصارمَ على واقعِ القوميةِ الكرديةِ المعقدِ، بوصفِها أمةً عريقةً تفتقرُ للسيادةِ الوطنيةِ، نجدُ أنَّ الفيلسوفَ المتنورَ "أحمد خاني" قد استشرفَ بعبقريةٍ فذةٍ في نهاياتِ القرنِ السابع عشر مأزقَ غيابِ الكيانِ السياسيِّ المستقلِ، مدركاً بوعيٍّ سابقٍ لعصرِهِ أنَّ العلةَ الجوهريةَ تكمنُ تحديداً في الافتقارِ لصاحبِ شأنٍ وقائدٍ ذي هيبةٍ يقودُ سفينةَ الأمةِ المشتتةِ نحو برِّ الأمانِ والتحررِ.

إنَّ هذا الاستقراءَ التاريخيَّ الرصينَ يكرسُ حقيقةً وجوديةً مفادُها أنَّ القوميةَ الحقيقيةَ لا تستقيمُ شجرتُها ولا تثمرُ إلا في كنفِ كيانٍ سياسيٍّ دستوريٍّ مستقلٍّ، فالدولةُ هي الحاضنةُ الشرعيةُ والبيئةُ الحيويةُ الوحيدةُ التي تجدُ فيها الهويةُ القوميةُ مسارَها الطبيعيَّ نحو النضجِ والازدهارِ، حيث تتجذرُ الروحُ الوطنيةُ، وتسمو، وتبلغُ ذروةَ الكمالِ، السكينةِ والاستقرارِ التاريخيِّ المنشودِ. وبما أنَّ نظرياتِ القوميةِ الحديثةِ ترهنُ بناءَ الدولة الأمة بثلاثةِ شروطٍ ماديةٍ ومعنويةٍ مفصليةٍ هي: اللغةُ المعياريةُ الموحدةُ، والسوقُ والنظامُ الماليُّ الوطنيُّ الشاملُ، إضافةً للمجالِ الإعلاميِّ العامِّ، فإنَّ تجسيدَ هذهِ الأركانِ يظلُّ رهيناً بصورةٍ عضويةٍ بوجودِ كيانٍ سياسيٍّ فاعلٍ يتمتعُ بسيادةٍ قانونيةٍ مطلقةٍ على أرضِهِ.

في هذا الإطارِ الفكريِّ، يبرزُ الاقتصادُ السياسيُّ الكردستانيُّ كعقبةٍ بنيويةٍ كأداءَ، إذ إنَّ التشرذمَ الجيوسياسيَّ القسريَّ لترابِ كردستانَ وتوزعَها بينَ أربعِ دولٍ قوميةٍ مهيمنةٍ، تفرضُ أنظمةً ماليةً وعملاتٍ متباينةً، قد وأدَ تماماً فرصَ نشوءِ سوقٍ وطنيةٍ كرديةٍ موحدةٍ. إنَّ هذا التشتتَ الجغرافيَّ والماليَّ ليسَ محضَ صدفةٍ تاريخيةٍ عابرةٍ، بل هو استراتيجيةٌ قمعيةٌ ممنهجةٌ تنتهجُها تلكَ الأنظمةُ لتقويضِ كافةِ المرتكزاتِ الماديةِ اللازمةِ لبناءِ صرحِ الدولةِ الكرديةِ المستقلةِ.

يُعدُّ ملف محافظة كركوك والمناطق المتنازع عليها النموذجَ الأكثرَ تجلياً لسياسات التعطيل البنيوي الممنهج. فهذه المناطق، وبحكم ثرائها بالموارد الطبيعية الاستراتيجية كالنفط والغاز، خضعت طوال القرن المنصرم لتأثيرات استراتيجيات التغيير الديموغرافي القسري، وعمليات التهجير والتعريب الممنهجة التي مارستها الأنظمة العراقية المتعاقبة. كان الهدف المحوري من تلك الممارسات هو إحكام السيطرة على الثروات السيادية، والحيلولة دون تحول كركوك إلى جيواقتصاد حيوي ومركز ثقل مالي قادر على إسناد وتدعيم ركائز كيان قومي كوردستاني مستقل. وقبل التحول السياسي الجذري الذي شهده العراق عام 2003، وبفعل الركود الذي هيمن على قطاع الطاقة، لم يكن التنازع بين الحكومة المركزية وإقليم كوردستان في هذا المضمار ملموساً بشكل حاد. بيد أن المشهد تبدل جذرياً مع انطلاق عمليات التنقيب والاستكشاف عام 2005، وتوج بصدور قانون النفط والغاز الخاص بالإقليم عام 2007. ومنذ ذلك الحين، تعمدت بغداد عرقلة تمرير قانون اتحادي رصين للنفط والغاز، متشبثة بتشريعات مركزية بائدة تعود لعهود سابقة، لتستخدمها كأدوات ضغط سياسي وقانوني غايتها تقويض قطاع الطاقة الناشئ في كوردستان.

إن هذه الأنماط من الضغوط الاقتصادية لا تنحصر ضمن حدود قطاع الطاقة فحسب، بل تتخذ طابعاً شمولياً يستهدف شل البنية التحتية المالية والتجارية والتنموية للإقليم بوصفه كياناً دستورياً قائماً. وإذا ما اتسع نطاق التحليل ليشمل الأجزاء الأخرى التي تعاني من نكران الهوية، سنلحظ بوضوح نمطاً من التهميش البنيوي والإقصاء المتعدد الأبعاد الذي يطال المناطق الكوردية كافة. ففي هذه الأقاليم، لا يقتصر الأمر على وأد الطموحات الصناعية الكبرى، بل يجري تحويل الموارد الزراعية إلى مجرد مواد أولية منخفضة القيمة تُصدر إلى المراكز دون معالجة صناعية ترفع من قيمتها المضافة. تهدف هذه السياسة الشمولية للقوى المهيمنة إلى إبقاء الاقتصاد الكوردستاني في حالة تبعية بنيوية، مما يشكل عائقاً جوهرياً أمام تبلور هوية قومية منتجة أو صياغة نموذج دولة موحدة وقوية. ومن هذا المنطلق، فإن المساعي الرامية لإضعاف المقدرات المالية لكوردستان تعد جزءاً لا يتجزأ من مشروع جيوسياسي كلي يرمي إلى منع تحول الرافعة الاقتصادية إلى محرك أساسي للسيادة والتحرر. إن استدامة هذا الاقتصاد السياسي التابع يمثل الأداة الاستراتيجية لترسيخ نفوذ الدول المهيمنة وإحباط أي طموح قومي تكاملي.

وعلى الرغم من أن إقليم كوردستان قد ثبت دعائم كيانه السياسي دي فاكتو بمؤسساته التشريعية والتنفيذية منذ عام 1992، وصولاً إلى تثبيت مكانته في الدستور العراقي، إلا أنه ظل هدفاً لمحاولات دؤوبة لتخريب بنيته التحتية. إن هذا الاستهداف المستمر يبرهن على أن بناء قاعدة اقتصادية صلبة ومستقلة هو المنطلق والنهاية في مسار نيل الاستقلال وتشييد الدولة القومية. فالهجوم على الموارد ليس مجرد تقليص للمداخيل، بل هو محاولة لتقويض الإرادة السياسية وإيقاف عجلة التنمية البشرية والمكانية، كون الاقتصاد هو الركيزة الوجودية لحماية الكيان الوطني وضمان صون هذه المكتسبات التاريخية.

 

Top