• Wednesday, 23 September 2026
logo

أ. د. أرشد طه، المستشار الاقتصادي في برلمان كوردستان: بسبب غياب الخطط الاستراتيجية، لم يتمكن إقليم كوردستان خلال الأعوام الثلاثين الماضية من أن يصبح مركزاً اقتصادياً محلياً قوياً

أ. د. أرشد طه، المستشار الاقتصادي في برلمان كوردستان: بسبب غياب الخطط الاستراتيجية، لم يتمكن إقليم كوردستان خلال الأعوام الثلاثين الماضية من أن يصبح مركزاً اقتصادياً محلياً قوياً

يُعدُّ الأستاذ الدكتور أرشد طه مستشاراً اقتصادياً في برلمان كوردستان، وهو خبير ومتخصص في صياغة السياسات الاقتصادية. وخلال مشاركته في هذه الندوة من "حلقة الحوار" تحت عنوان (التأثير الاقتصادي والسوق المشتركة في عملية بناء الأمة)، استعرض رؤاه وتصوراته ومقترحاته على النحو الآتي:

يتناول هذا الحوار المعمق، والموسوم بـ «الأثر الاقتصادي والسوق المشتركة في عملية بناء الأمة»، محوريين جوهريين متداخلين، الأول يمثل البعد النظري الذي يسبر أغوار التفاعلات الاقتصادية وتأثيراتها البنيوية في تشكيل الهوية القومية، والثاني يمثل البعد الإجرائي العملي الذي يطرح فكرة السوق المشتركة كأداة تنفيذية ووسيلة غائية لتحقيق التكامل المنشود. إن السوق المشتركة، في المفهوم الأكاديمي الرصين، تمثل ذروة سنام العمليات التكاملية، وهي عملية معقدة تتدرج عبر ثلاث مستويات بنيوية: المستوى الأول يتمثل في إيجاد منطقة تجارة حرة على المناطق الحدودية، حيث تحتفظ الأطراف الفاعلة بسيادتها المالية وسياساتها الضريبية المستقلة، مع الاكتفاء بإعفاء السلع المتبادلة من الرسوم الجمركية. أما المستوى الثاني فهو الاتحاد الجمركي، الذي يستلهم تجربة «الزولفيرين» التاريخية في ألمانيا، حيث يتم توحيد السياسات الضريبية والتعرفة الجمركية تجاه الدول الخارجية والكيانات الأجنبية. ويأتي المستوى الثالث، وهو الأشد تعقيداً، متمثلاً في السوق المشتركة، على غرار نموذج الاتحاد الأوروبي، وهو مستوى يتطلب بالضرورة تأسيس مؤسسات تشريعية وقضائية مشتركة، وبنك مركزي موحد، وسياسة نقدية منسجمة، وهو ما يعد أمراً متعذراً من الناحية الموضوعية دون وجود اندماج سياسي كامل وسيادة قانونية مطلقة تظلل جميع الأطراف.

وعند محاولة إسقاط هذا النموذج النظري على واقع أجزاء كردستان الأربعة، نجد أنفسنا أمام انسداد في الأفق الجيوسياسي والقانوني، إذ تفتقر هذه الأجزاء إلى مقومات السيادة السياسية والسلطة القانونية المستقلة المعترف بها دولياً. فحتى إقليم كردستان، الذي يمثل التجربة الأنجح والكيان الأكثر استقراراً، يجد نفسه مقيداً بنصوص الدستور العراقي الدائم لعام 2005، والذي يحظر عليه إنشاء مناطق تجارة حرة أو رسم سياسات تجارية خارجية بمعزل عن السلطة المركزية في بغداد، كون هذه الصلاحيات تندرج ضمن الاختصاصات الحصرية للدولة الاتحادية. وبخلاف اتحاد «الزولفيرين» الألماني الذي قام على أكتاف دويلات تمتلك جيوشاً نظامية، وبنوكاً وطنية، وسلطة كاملة لإبرام المعاهدات الدولية، فإن الأجزاء الكردية في وضعها الراهن تفتقر لهذه الأدوات السيادية والشرعية القانونية الدولية. ومن هنا، يبرز الاستنتاج بأن فكرة التكامل الاقتصادي العابر للحدود أو بناء سوق مشتركة لن تتجاوز كونها طموحاً نظرياً ما لم تتحول هذه الأجزاء إلى كيانات سياسية مستقلة تمتلك حق تقرير المصير الاقتصادي والسياسي.

وكبديل استراتيجي واقعي يتلاءم مع المعطيات الراهنة، يُقترح إعادة صياغة عنوان الحوار وأهدافه ليركز على تحويل إقليم كردستان من مجرد مركز تجاري إقليمي إلى «مركز وطني جامع» يمتلك مقومات القوة الذاتية، إلا أن هذا المسار لا يخلو من عوائق ذاتية وتاريخية، فإقليم كردستان، وعلى مدار العقود الثلاثة المنصرمة، لم يتمكن من بناء قاعدة اقتصادية إنتاجية صلبة نتيجة غياب التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى. لقد مر الاقتصاد في الإقليم بثلاث محطات تاريخية متباينة: المرحلة الأولى (1992-2003) التي اتسمت بسياسة الحصار المزدوج المفروض من النظام السابق ومن المجتمع الدولي، والمرحلة الثانية (2004-2014) التي اتسمت بالانتعاش المالي المعتمد كلياً على الريع النفطي دون استغلال تلك الوفرة في بناء قطاعات إنتاجية بديلة، أما المرحلة الثالثة (منذ 2014 وحتى اليوم) فهي مرحلة «إدارة الأزمات» المستمرة التي استنزفت الموارد وحالت دون تحقيق نمو مستدام. هذا التذبذب البنيوي أدى إلى تراجع القطاع الصناعي المحلي وفشل المشاريع الواعدة، مما يفرض ضرورة العودة إلى الداخل لإصلاح الهياكل الاقتصادية وتقوية الجبهة الإنتاجية قبل الالتفات إلى مشاريع التكامل الكبرى.

وفي سياق القوانين والتشريعات، نجد أن برلمان كردستان قد أقر في عام 2021 قانوناً طموحاً لتنمية ودعم المنتجات الوطنية، ولكن بعد مرور سنتين، ظلت بنوده معطلة تماماً عن التنفيذ. ويعزى هذا الإخفاق الجوهري إلى أن المنظومة الإدارية والحوكمية في الإقليم لا تزال محكومة بعقلية الاقتصاد الموجه ومخلفات البيروقراطية الاشتراكية، في وقت ترفع فيه الشعارات الرسمية لواء اقتصاد السوق الحر والنمط الرأسمالي العالمي. إن محاولة علاج هذه الفجوات عبر التعديلات القانونية الجزئية أو «الترقيع» التشريعي لن تؤدي إلا إلى تعميق الأزمة، لأن النظام الاقتصادي وحدة لا تتجزأ، وتغيير أي نص بمعزل عن الرؤية الكلية يؤدي إلى اضطراب في القطاعات الأخرى. لذا، تبرز الحاجة القصوى لثورة إدارية وقانونية شاملة تعيد بناء الدولة ومؤسساتها وفق فلسفة اقتصادية واضحة المعالم، تنسجم مع التحولات العالمية الكبرى وتستوعب متطلبات الحداثة الاقتصادية.

إن الواقع الإداري الحالي يشير بوضوح إلى أن غياب التنسيق المؤسسي والرؤية الشمولية يجعل من كل قانون جديد عبئاً إضافياً، فعلى سبيل المثال، حين يُسن تشريع لتطوير القطاع الزراعي، فإنه يصطدم فوراً بتداخل الصلاحيات مع الإدارات المحلية في المحافظات ومع وزارة التجارة، كما أن قانون الاستثمار، الذي يمثل حجر الزاوية في التنمية، يواجه في مساراته التنفيذية تقاطعات مع أربع عشرة جهة حكومية مختلفة، مما يعطل تدفق رؤوس الأموال ويخلق بيئة طاردة للاستثمار. هذا التشتت الإجرائي يؤكد استحالة تحقيق نهضة حقيقية دون وجود «عقد اقتصادي» موحد. أما فيما يخص دعوات فتح الأسواق أمام منتجات الأجزاء الكردية الأخرى، فإنها في ظل غياب الكيان السياسي الموحد قد تؤدي إلى نتائج عكسية، فوفقاً لمبدأ «توازن باريتو» في علم الاقتصاد، لا يمكن تحسين كفاءة طرف دون الإضرار بالطرف الآخر في ظل غياب التكامل الهيكلي. إن تشجيع دخول بضائع من الخارج، حتى وإن كانت من أجزاء قومية أخرى، قد يؤدي في المحصلة إلى وأد الصناعات المحلية الناشئة في الإقليم، ما لم تتوفر مظلة سياسية موحدة تضمن عدالة المنافسة وتكافؤ الفرص الضريبية والجمركية.

لذلك، فإن الطريق الوحيد المتاح والفعال هو تعزيز الملاءة المالية والقدرة التنافسية لإقليم كردستان كمركز جذب وطني. ورغم عدم قدرة الإقليم على التدخل المباشر لإصلاح اقتصاديات الأجزاء الأخرى، إلا أنه يمتلك فرصة ذهبية عبر بوابة «الإصلاح القانوني الجريء» لجذب الاستثمارات الكردية من كافة بقاع العالم. إن تحديث قانون الاستثمار وتطهيره من الكوابح البيروقراطية سيوفر ضمانات قانونية وامتيازات مالية تجذب السموأل ورجال الأعمال الكرد للاستثمار في أرضهم الأم، مما يخلق نوعاً من «التكامل الاقتصادي العضوي» الذي يغذي قوة الإقليم الاقتصادية ويمنح المستثمرين بيئة خصبة لنمو رؤوس أموالهم، بعيداً عن تقلبات السياسة الدولية.

يعيش إقليم كردستان اليوم لحظة حرجة في تاريخه السياسي والاقتصادي، ناتجة عن تخلخل التوازنات الدستورية مع الحكومة الاتحادية في بغداد. فمنذ عام 2017، انتهجت السلطات المركزية سياسات واضحة تهدف إلى تقويض الكيان الفيدرالي للإقليم، وهو ما انعكس بشكل صارخ في تعديل قانون الإدارة المالية رقم 6 لسنة 2019، الذي صُمم لسلب الإقليم استقلاله المالي وتحويله إلى وحدة إدارية تابعة مركزياً، بما يتناقض مع روح وجوهر الدستور الاتحادي. إن الادعاءات القانونية التي تسوقها السلطة المركزية، وإن بدت في ظاهرها التزاماً بالنصوص، إلا أنها تستند إلى قوانين صيغت بروح مركزية إقصائية. إن استعادة التوازن تتطلب بالضرورة مراجعة هيكلية لهذه التشريعات المالية، بما يضمن صون الحقوق الدستورية للإقليم وحماية كيانه السياسي من الذوبان في المركزية، ليكون قادراً على لعب دوره التاريخي كمركز ثقل اقتصادي ونموذج حضاري ملهم لبقية الأجزاء في رحلة بوناد الأمة الطويلة والمحفوفة بالتحديات.

من ناحية أخرى، واجهت البنية الاقتصادية لإقليم كردستان، بعد ثلاثة عقود من تجربة الإدارة الذاتية، معضلة هيكلية جسيمة تتمثل في الارتهان المطلق لمدخلات الريع النفطي. إن الاقتصاد الريعي، عوضاً عن أن يغدو بوتقة لصهر التطلعات القومية ومحركاً لتوحيد القوى السياسية والاجتماعية الفاعلة، استحال إلى عامل للتشرذم وتعميق الانقسامات البينية. فعندما ينأى مصدر الدخل القومي عن مجهودات الإنتاج الحقيقي أو الوعاء الضريبي المباشر، يشتد التنافس الوجودي بين الأقطاب السياسية المتصارعة للهيمنة على هذا المورد المتاح، إذ يغدو الاستيلاء عليه الأداة المثلى لتعزيز النفوذ وبسط الهيمنة السياسية المطلقة. إن معالجة هذا العارض الاقتصادي المزمن تندرج ضمن مفهوم "السهل الممتنع"، فهي من الناحية النظرية تبدو واضحة وجلية المعالم، لكنها على صعيد الممارسة الإجرائية تستلزم إرادة سياسية فولاذية، وفلسفة اقتصادية منضبطة، واستراتيجية بعيدة المدى، تكون كفيلة بتحويل النموذج الاقتصادي من الركود الريعي إلى رحاب التنوع والإنتاجية الوطنية الخالصة.

لقد أفضى تراكم تاريخ النظريات الاقتصادية عبر القرون الثلاثة المنصرمة إلى حقيقة راسخة مفادها أن القطاع الخاص، بمنتجيه وتجاره، لا يمكنه الاضطلاع بدور المحرك الأوحد للتنمية المستدامة، ما لم تسنده هيبة القانون الرصينة ومؤسسات الدولة الوطنية القوية. فسياسة الدولة الاقتصادية تمتلك قوة تأطيرية وسيادية نافذة، إذ بوسعها، عبر التشريعات القاصرة أو غياب الدعم الهيكلي، أن تئد طموحات كبار المستثمرين وتدفعهم قسراً نحو الإفلاس، بينما تستطيع، من خلال صياغة سياسات تحفيزية وحمائية ذكية، خلق بيئة استثمارية خصبة تتيح لأرباب العمل والرساميل التحول إلى مستثمرين حقيقيين يخدمون الاقتصاد الكلي. لذا، فإن إخفاق الكثير من الأنشطة الاقتصادية في الإقليم لا يعزى في جوهره إلى قصور في الكفاءات الفردية لرواد الأعمال، بل يعود بالأساس إلى غياب الأطر القانونية والمؤسساتية الضامنة التي تحمي الرساميل وتصونها من تقلبات المزاج السياسي.

في موازاة ذلك، شهدت قواعد اللعبة الاقتصادية العالمية تحولات جذرية وعميقة، إذ لم يعد النموذج الكلاسيكي للتنمية، القائم على التدرج الصناعي من السلع الخفيفة وصولاً إلى الصناعات الثقيلة، فعالاً في ظل هيمنة سياسات "الإغراق التجاري" التي تنتهجها القوى الصناعية الكبرى حالياً. فالدول العظمى، كالصين مثلاً، ولأجل إحكام قبضتها المطلقة على الأسواق العالمية، تقدم دعماً مالياً سخياً ومنظماً لصناعاتها الوطنية، مما يتيح لها طرح السلع والمنتجات بأسعار تقل أحياناً عن تكلفتها الإنتاجية الفعلية في الأسواق الدولية. إن هذه السياسة تشكل عائقاً بنيوياً أمام نمو الصناعات المحلية في الدول الناشئة، نظراً لعدم قدرة الشركات الوطنية الناشئة على الصمود أمام تلك المنتجات المدعومة دولياً، تماماً كما نشاهده اليوم في حدة التنافس القائم بين الصين والمعسكر الغربي في مضمار صناعة السيارات الكهربائية المتطورة.

إن التنمية الاقتصادية في عالمنا المعاصر لم تعد مجرد عمليات تبادل تجاري بسيطة، بل أصبحت مباراة شطرنج استراتيجية بالغة التعقيد، تستميت فيها القوى الإقليمية والدولية لحماية مصالحها السيادية وقطع الطريق أمام أي منافسين جدد قد يهددون نفوذها. بناءً عليه، فإن السبيل الوحيد لخلاص إقليم كردستان من حالة الجمود يكمن في صياغة فلسفة اقتصادية وطنية شفافة واستراتيجية تنموية شاملة، ترتكز في جوهرها على خلق شراكة حقيقية قطاعية ومستدامة.

Top