• Wednesday, 23 September 2026
logo

گولن فؤاد چخماخجي، المدير العام في وزارة التجارة والصناعة: إنشاء سوق مشتركة في كوردستان سيُفضي إلى ربط المدن بشبكة اقتصادية رصينة

گولن فؤاد چخماخجي، المدير العام في وزارة التجارة والصناعة: إنشاء سوق مشتركة في كوردستان سيُفضي إلى ربط المدن بشبكة اقتصادية رصينة

 تُعد السيدة گولن فؤاد چخماخجي، المدير العام في وزارة التجارة والصناعة بحكومة إقليم كوردستان، خبيرةً متخصصة في الشؤون الاقتصادية والتجارية. وخلال مشاركتها في هذه النسخة من «حلقة الحوار» التي حملت عنوان (الأثر الاقتصادي والسوق المشتركة في بناء الأمة)، استعرضت رؤاها وطروحاتها على النحو الآتي:

أتوجه ببالغ الشكر والتقدير إلى قسم الثقافة والإعلام في الحزب الديمقراطي الكوردستاني، لتنظيم هذا الحوار الفكري المعمق المكرس لمناقشة قضية استراتيجية بالغة الأهمية تتمثل في «تأثير الاقتصاد والسوق المشتركة في بناء الأمة»، وهو الموضوع الذي يقع في صلب المهام والمسؤوليات الأساسية لوزارة التجارة والصناعة في حكومة إقليم كوردستان.

من هذا المنطلق الرحب، أبدأ بالتأكيد على أن إقليم كوردستان، وبفضل موقعه الجغرافي الاستراتيجي المتميز، وثرواته الطبيعية الكامنة والوفيرة، وتوافر القوى البشرية الوطنية المؤهلة، فضلاً عن امتلاكه لشبكة واسعة من العلاقات التجارية الإقليمية والدولية، فإنه يحوز إمكانات اقتصادية هائلة ومثيرة للاهتمام. لقد شهد الهيكل البنيوي لاقتصاد الإقليم خلال الفترات الماضية تحولات وتطورات تنموية ملحوظة، مما ساهم في تهيئة الأرضية الخصبة والمناسبة لتوسيع آفاق السوق المحلية، وتعزيز وتيرة التبادل التجاري مع دول الجوار وعموم المنطقة المحيطة بنا.

إن الجانب الحيوي الآخر الذي يجب إدراكه هو أن الاقتصاد لا يتقوقع ضمن الأطر الضيقة للأرقام والمعطيات المالية الجافة فحسب، بل هو محرك مجتمعي فاعل يؤثر تأثيراً مباشراً وحاسماً على تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين، من خلال خلق وتوفير فرص العمل المستدامة، وتمتين الروابط الاجتماعية بين المكونات، ورسم الملامح المستقبلية للمنطقة برمتها. ومن هذا المنظور الشامل، فإن السعي الحثيث لتقوية دعائم السوق المشتركة ودفع عجلة التنمية الاقتصادية، يمثل ركيزة بنيوية في صياغة رؤية وطنية موحدة وبناء مجتمع قوي، مستقر، ومتلاحم في إقليم كوردستان. لذا، قمت بتقسيم هذا الطرح إلى محاور مفصلة:

1- الواقع الاقتصادي في إقليم كوردستان:

يرتكز اقتصاد الإقليم على قطاعات استراتيجية متعددة مثل النفط والغاز والتجارة والزراعة والإنشاءات والسياحة والخدمات. بيد أن الأزمة البنيوية تكمن في الارتهان المفرط والمستمر لعائدات الثروة النفطية، مما جعل المنظومة الاقتصادية عرضة لتقلبات الأسعار العالمية الحادة والأزمات المالية المفاجئة. لذا، تبرز ضرورة قصوى لتبني استراتيجية وطنية جادة لتنويع مصادر الدخل القومي، وذلك عبر الدعم المباشر والفعال للقطاعات الإنتاجية الأخرى، لا سيما الزراعة والصناعة والسياحة، مع التركيز المكثف على تطوير الشركات الصغيرة والمتوسطة لضمان إنعاش الحركة التجارية وخلق ديمومة اقتصادية.

2- السوق المشتركة في إقليم كوردستان:

إن تأسيس سوق مشتركة يهدف بالأساس إلى ربط كافة المدن والمناطق بشبكة اقتصادية متكاملة ورصينة. فحينما تجد المحاصيل الزراعية في أربيل والسليمانية ودهوك طريقها للتسويق المتكامل والناجح داخل الأسواق المحلية، وتتكامل جهود الفاعلين الاقتصاديين في أرجاء الوطن، تتعمق الروابط المالية والوجدانية بين المناطق. هذا التفاعل لا يطور البنية التحتية فحسب، بل يرسخ قيم الشراكة والمصير المشترك والولاء بين المحافظات، مما يعزز الاستقرار والوحدة الوطنية الشاملة بصورة واقعية.

3- أثر السوق المشتركة في تعزيز الوحدة المجتمعية:

يمتلك الإقليم تنوعاً جغرافياً واقتصادياً ثرياً، وهنا تبرز السوق المشتركة كجسر ذهبي للتواصل الفعال والدائم. فعندما تنشأ علاقات تبادلية متينة ومستمرة بين المنتجين والمستهلكين والمزارعين في مختلف البقاع، تتقوى الأواصر الاجتماعية وتذوب كافة العوائق. إن هذا النظام الاقتصادي الوطني الموحد يكرس الإيمان بالمستقبل الجماعي، ويحقق نمواً متوازناً يقلص الفوارق التنموية، ويعمق التلاحم الوطني في أرجاء كوردستان كافة بشكل جذري. ختاماً، إن قوتنا تكمن في تكاملنا، واقتصادنا هو الركيزة التي سنبني عليها غدنا المشرق والآمن لجميع أبناء شعبنا الصامد في سبيل الرفاه والتقدم والازدهار الذي نطمح لتحقيقه في المستقبل.

4-الأثر الاقتصادي على حياة الشباب في الإقليم

يمثل الشباب الأغلبية السكانية في إقليم كوردستان، إلا أن ندرة توفر فرص العمل المناسبة لا تزال تشكل معضلة اجتماعية واقتصادية كبرى. إن تنمية القطاعات الخاصة، والصناعة، والتكنولوجيا، والزراعة، والسياحة كفيلة بخلق آفاق توظيف رحبة وواعدة. كما أن الدعم المالي والقانوني للمشاريع الصغيرة والناشئة يعزز قدرات الشباب، ليتحولوا من باحثين دائمين عن الوظائف إلى مبتكرين ورواد أعمال يصنعون الفرص في السوق الحرة، مما يؤدي لنهضة سريعة في البنية التحتية الاقتصادية لبلادنا بشكل عام.

5- تطوير القطاع الزراعي

يعد القطاع الزراعي ركيزة محورية وأساسية في اقتصاد الإقليم، نظراً لإمكاناته العالية والمتنوعة في زيادة الإنتاج. إن التنظيم المحكم للسوق المحلية يسهل وصول المنتجات للمستهلكين، مما يرفع الدخل القومي ويحد من التبعية المطلقة للاستيراد الخارجي. علاوة على ذلك، يساهم النهوض بهذا القطاع في خلق فرص عمل جديدة ومستمرة بالريف، مما يكبح الهجرة المتواصلة نحو المدن الكبرى ويضمن توازناً تنموياً مستداماً وإيجابياً في مختلف مناطق الإقليم كافة، وبشكل يضمن الاستقرار السكاني والمكاني المنشود.

6- تطوير قطاع النفط والغاز

يوفر قطاع النفط والغاز في الإقليم مورداً حيوياً للموازنة العامة، غير أن الاعتماد المفرط عليه يهدد الاستقرار المالي نتيجة تذبذب الأسعار العالمية المستمر. لذا، تبرز ضرورة ملحة لتغيير استراتيجية إدارة هذه الإيرادات المالية، بحيث لا تُستنزف في النفقات الاستهلاكية اليومية، بل تُستثمر في تشييد البنية التحتية، وتعزيز قطاعات الصحة والتعليم والصناعة والمجالات الإنتاجية الأخرى، سعياً لتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة وشاملة تطال كافة مفاصل الحياة في المجتمع الكوردستاني وتؤمن المستقبل الزاهر للجميع بعيداً عن تقلبات السوق النفطية الدولية.

7- تنمية التجارة وتوسيع العلاقات الاقتصادية

منح الموقع الجغرافي للإقليم أهمية استراتيجية لعلاقاته التجارية المتميزة مع دول الجوار. إن تطوير الطرق والمنافذ الحدودية والأنظمة الجمركية وقطاع النقل يسرع وتيرة التبادل التجاري الفعال. وبالتزامن مع ذلك، فإن تقوية الإنتاج المحلي وتعزيز قدرات الشركات الكوردستانية يخلق توازناً أفضل بين الصادرات والواردات، مما يقود البنية التحتية الاقتصادية الوطنية نحو مرحلة متقدمة من التطور والاستقرار والنمو والازدهار في عموم المنطقة وبشكل يواكب التطورات العالمية المتسارعة في الاقتصاد الدولي المعاصر، ويفتح آفاقاً جديدة للتعاون الاقتصادي المثمر والبناء.

8- المعوقات والتحديات الاقتصادية

يواجه الإقليم عقبات في مسيرته التنموية، ومن أبرزها:

 -الارتهان الأساسي لعائدات النفط كمصدر وحيد للدخل.

- محدودية خلق فرص العمل في السوق المحلية.

- التعقيدات المرتبطة بالموازنة العامة وتوزيع الإيرادات.

-نقص في بعض مفاصل البنية التحتية الاقتصادية.

-الحاجة الملحة لتفعيل ودعم دور القطاع الخاص.

-الاستيراد المفرط للسلع والبضائع والمنتجات الأجنبية.

-ضرورة تهيئة بيئة جاذبة للاستثمارات المحلية والأجنبية.

إن معالجة هذه التحديات تتطلب صياغة استراتيجية وطنية شاملة وطويلة الأمد، تستوجب التعاون والتنسيق المستمر والمكثف بين الحكومة والقطاع الخاص والجامعات وكافة مؤسسات المجتمع المدني الفاعل من أجل تحقيق الرفاهية الاقتصادية المنشودة لكافة أفراد هذا المجتمع الصاعد نحو الازدهار.

9-  رؤية استراتيجية لتعزيز الركائز الاقتصادية وتطوير السوق المشتركة في إقليم كوردستان

لترسيخ ركائز الاقتصاد الوطني وتنمية سوق موحدة وشاملة في إقليم كوردستان، تُعد الخطوات والمقترحات التالية مسارات جوهرية وضرورية لتحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة:

أولاً: الحد من التبعية المطلقة للإيرادات النفطية: العمل الجاد على تنويع مصادر الدخل القومي، والابتعاد التدريجي عن هيكلية الاقتصاد أحادي الجانب لضمان الاستدامة المالية.

ثانياً: النهوض بقطاعي الزراعة والصناعة التحويلية: تقوية قواعد الإنتاج المحلي عبر توفير الدعم التقني والمالي لهذين القطاعين كونهما ركيزة السيادة الغذائية والوطنية.

ثالثاً: دعم القطاع الخاص والمشاريع الناشئة: خلق بيئة قانونية وإدارية محفزة لنمو المشاريع الصغيرة والمتوسطة، باعتبارها المحرك الديناميكي الرئيس لتنشيط حركة الأسواق المحلية.

رابعاً: توليد فرص عمل مستدامة للشباب: رسم سياسات تشغيلية تهدف لخفض معدلات البطالة، من خلال مواءمة المخرجات التعليمية مع متطلبات سوق العمل الفعلية بكفاءة.

خامساً: الاستثمار في القطاع السياحي: تطوير المواقع السياحية وتحديث الخدمات الفندقية، بهدف تحويل الإقليم إلى مركز جذب سياحي إقليمي ودولي يساهم في النمو.

سادساً: تحديث البنية التحتية لشبكات النقل: تطوير الطرق السريعة ووسائل النقل الحديثة، لضمان تسهيل العمليات التجارية وانسيابية نقل البضائع والخدمات بين المدن.

سابعاً: تسهيل إجراءات الاستثمار: تبسيط المعاملات الإدارية، وتقليل الروتين، وإجراء إصلاحات تشريعية جاذبة لرؤوس الأموال المحلية والأجنبية لضمان تدفق الاستثمارات النوعية.

ثامناً: حماية وتطوير المنتجات المحلية: رفع معايير الجودة للسلع الوطنية، وتقديم التسهيلات اللازمة لتمكينها من منافسة البضائع المستوردة بقوة داخل الأسواق.

تاسعاً: ترسيخ التكامل في السوق الداخلية: تعزيز التنسيق التجاري والتبادل الحر للسلع بين كافة المحافظات والإدارات المستقلة لضمان توازن اقتصادي واجتماعي شامل.

عاشراً: رقمنة المنظومة المالية والتجارية: توظيف التقنيات الرقمية المعاصرة في إدارة المعاملات المالية والاقتصادية، لضمان الدقة والسرعة والشفافية التامة في العمليات.

في الختام، نؤكد أن الازدهار الاقتصادي وبناء سوق موحدة يتركان أثراً إيجابياً عميقاً في تلاحم المجتمع الكوردستاني. فرغم امتلاك الإقليم إمكانات هائلة، إلا أن استثمارها الأمثل يتطلب تنويعاً فعلياً، ودعماً للإنتاج الوطني، وتوفير فرص العمل. إن ترسيخ سوق يضمن الاستقرار.

Top