• Wednesday, 12 August 2026
logo

بغداد كما يراها الكورد… وكيف ترى بغداد كوردستان؟

بغداد كما يراها الكورد… وكيف ترى بغداد كوردستان؟

اراس جواد

خلال سنوات عملي في بغداد، لم تكن اكثر ما استوقفني الخلافات السياسية، بل المسافة الذهنية التي ما زالت تفصل العراقيين عن بعضهم. ففي لقاءات جمعتني بسياسيين، واكاديميين، وشيوخ عشائر، ونخب ثقافية، وشباب من مختلف انحاء العراق، كنت اكتشف في كل مرة ان الحوار الصادق يهدم في ساعة واحدة ما تبنيه الشائعات والانطباعات المسبقة في سنوات. ومن هنا ترسخت قناعتي بان بناء الثقة بين بغداد وكوردستان ليس مهمة السياسيين وحدهم، بل مسؤولية المجتمع بكل مكوناته.

ورغم مرور اكثر من عقدين على التحول السياسي في العراق، ما زالت العلاقة بين بغداد واقليم كوردستان تختزل، في كثير من الاحيان، في ملفات النفط والموازنة والصلاحيات الدستورية. والحقيقة ان العلاقة بينهما اكبر من اي ملف سياسي، لانها علاقة تاريخ، ومجتمع، ومصالح مشتركة.

الكورد لا ينظرون الى بغداد باعتبارها مجرد عاصمة اتحادية، بل مدينة كان لهم فيها حضور تاريخي في التجارة، والثقافة، والتعليم، ومؤسسات الدولة، واسهموا في بناء الحياة العراقية شانهم شان بقية المكونات. وفي المقابل، تستحق تجربة اقليم كوردستان ان تقرأ في بغداد بعيدا عن الانطباعات المسبقة، وان تفهم بوصفها جزءا من التجربة العراقية، لا تجربة منفصلة عنها.

ولعل اكثر ما لفت انتباهي ان كثيرا من ابناء الوسط والجنوب لا يحملون موقفا سلبيا من الكورد بقدر ما يفتقرون الى المعرفة المباشرة بهم. وفي المقابل، لا يعرف كثير من شباب كوردستان حجم التحولات التي شهدتها بغداد، ولا طبيعة مجتمعها اليوم. وهذه الفجوة المعرفية هي التي تسمح للشائعات ان تسبق الحقائق، وللصور النمطية ان تتغلب على الواقع.

تشير الاحصاءات الى ان اكثر من 60% من سكان العراق هم من فئة الشباب، وهو جيل لا تحكمه ذاكرة الصراعات بقدر ما تحكمه تطلعات المستقبل. وهذا يضع امام القوى السياسية مسؤولية جديدة، ليس فقط ادارة الخلافات، بل الاستثمار في بناء الثقة بين المجتمعات.

ولعل الوقت قد حان للانتقال من الشراكة السياسية الى الشراكة المجتمعية. فالاتفاقات بين الحكومات تبقى ضرورية، لكنها تصبح اكثر رسوخا عندما تستند الى جسور متينة بين الجامعات، والنقابات، ومراكز البحوث، والاعلام، ورجال الاعمال، والشباب.

ولماذا لا نفكر في برامج للتبادل الاكاديمي بين جامعات بغداد وجامعات اقليم كوردستان؟ ولماذا لا تنظم منتديات فكرية وثقافية تجمع النخب الشابة من مختلف المحافظات؟ ولماذا لا تتحول المبادرات الاقتصادية والثقافية الى جزء من مشروع وطني يعزز الثقة، قبل ان يعالج الخلاف؟

لقد اثبتت تجارب دول كثيرة ان الاتفاقات السياسية قد تنهي ازمة، لكنها لا تكفي لبناء استقرار دائم. فالاستقرار الحقيقي يبدأ عندما تتحول الثقة الى ثقافة، وعندما يشعر المواطن في بغداد ان استقرار كوردستان يمثل قوة للعراق، كما يشعر المواطن في كوردستان ان استقرار بغداد يمثل ضمانة لاستقرار الاقليم.

ان العلاقة بين بغداد وكوردستان لا تحتاج الى اعادة تعريف، بقدر ما تحتاج اعادة اكتشاف. فكلما تعارف العراقيون اكثر، تراجعت مساحة سوء الفهم، واصبحت السياسة اكثر قدرة على انتاج الحلول.

 قد تنجح السياسة في توقيع اتفاق، لكن المجتمعات وحدها هي القادرة على حمايته. فالاوطان لا تبنيها الاتفاقات وحدها، بل تبنيها الثقة التي تنمو بين ابنائها، يوما بعد اخر.

 

 

 

 

Top