• Tuesday, 21 July 2026
logo

العوام يطالعون بلا قصدية... والخواص يقرأون بقصدية

العوام يطالعون بلا قصدية... والخواص يقرأون بقصدية

كثيراً ما يتردد في اللقاءات والحوارات الثقافية سؤال القراءة من ناحية العزوف عنها، وهجران الكتاب الورقي. وعادة ما يُلقى باللائمة في الإجابة عن مثل هذا السؤال على وسائل التواصل الافتراضي (السوشيال ميديا)، وذلك بوصف التكنولوجيا غولاً، والناس ضحايا لها. وتستدعي هذه الظاهرة في فهم معنى القراءة أن نتساءل:

 
> هل يمكن لفعل القراءة أن يكون بهذا الشمول بحيث إن أي عملية إمرار للبصر على الكلمات هي عملية قرائية بالتمام والكمال؟

> أليست ثمة مسافة فكرية بين «قصدية (Intentionality)» فعل الإمرار البصري ولا قصديته. ومن ثم يكون الفعل «قرأ» غير الفعل «طالع»؟

إن هذه التساؤلات وغيرها هي ما تثيره مقالة خالد الغنامي الموسومة: «هل لا تزال الناس تقرأ؟: كمية القراءة وطبيعتها»، والمنشورة في «ثقافية» جريدة «الشرق الأوسط» بتاريخ 12 /7 /2026. وهي تدور حول محور رئيسي يضعنا أمام مقاربات تُمثل جوهر ما أراد الغنّامي طرحه فيها. ويتمثل هذا المحور في وجهة النظر الإيجابية لفعل القراءة على أساس «أن الإنسان لم يقرأ في تاريخه كما يقرأ اليوم»، و«أن القراءة تغيّرت أكثر مما تراجعت، وأن الوسائط الرقمية غيّرت مفهوم القراءة».

وعلى الرغم من هذا التفاؤل المفرط، فإن الغنامي يعترف بأنه لا قدرة للناس على المكوث مع فكرة واحدة أو الصبر في زمن متسارع الإيقاع، وأن كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة كثرة الفهم أو عمقه.

ولنعد إلى معجم «لسان العرب» لابن منظور، الجزء الـ12، وفيه نجد أن للفعل قرأ دلالة الجمع والضم «فكل شيء جمعته فقد قرأته»... و«الاقتراء افتعال من القراءة...»، ويعني قولهم: أقرئ فلاناً السلام أن يحمله على أن يقرأ السلام ويرده. بينما نجد في الجزء الـ9 من لسان العرب أن للفعل طالع دلالة الاطلاع على الأخبار، والطلعة الرؤية، يقال: طالعته طلاعة ومطالعة.

من هنا تأتي أهمية تحديد مفهوم القراءة وتمييزه عن مفهوم المطالعة، كي يتأطر البُعد المعرفي لأي فعل من أفعال الإبصار والتلقي والاستجابة. فتكون القراءة ممارسة محددة بسمات معينة تجعلها غير المطالعة؛ فمن يُطالع شاشة إلكترونية أو يتصفح موقعاً هنا أو هناك أو كتاباً إلكترونياً أو ورقياً إنما يتلقى المعلومات بلا قصدية واعية، بعكس ذلك الذي يقرأ كي يتلقّى المعلومات، ويجمعها بقصدية تفكيكها وإعادة إنتاجها. وهذا بالضبط ما يجعل فعل القراءة مرهوناً بالكتابة لا محالة.

وما لا شك فيه أن عوام الناس من مستخدمي الوسائط الرقمية ووسائل التواصل الافتراضية هم مطالعون بالضرورة، بينما خواص الناس من الكُتّاب والنقاد والمفكرين، ومعهم هواة القراءة -على اختلاف مستوياتهم وتنوع مداركهم- هم قرّاء بالضرورة لوجود مقصدية القراءة/الكتابة. وبذلك يكون الفارق بين المطالعة والقراءة جوهرياً؛ فالأولى تكتفي بنفسها في التوصيل، والتفاعل العابر والسطحي، في حين الثانية مندمجة بالكتابة لا محالة. وما من تحسين لفعل القراءة إلا بتوسيع المدارك بالكتابة التي بها يختبر القراء كيفية تطور مفرداتهم، وطبيعة عمل ذاكرتهم في استقبال المعلومات وضم بعضها إلى بعض.

ولا فرق في ذلك بين أن يكون المقروء ورقياً أو إلكترونياً، بل إن الأخير هو الذي سيفرض نفسه لسهولة الحصول عليه. وهذا يعني أن تراجع مبيعات الكتب الورقية في الأسواق والمعارض المحلية والدولية ليس بسبب هجران القراءة، وإنما هي سلطة الكتاب الإلكتروني بوصفه وسيلة متاحة للتواصل الثقافي، وتعميق الوعي.

وبناءً على هذه الصورة المستقبلية ستظل القراءة فعلاً مخصوصاً بقصدية الكتابة ضمن جدلية العلاقة الأنطولوجية والمعرفية بين كون القارئ يتلقى النصوص ويهضمها وكونه كاتباً يُعيد إنتاج ما قرأه. فالكتابة شرط أساسي في تأكيد قصدية الوعي بالمادة المقروءة. والكاتب لا يبتكر النصوص من عندياته، ومن ثم هو ملزم بأن يكون قارئاً ذا مدارك معرفية ونفسية ومرجعيات ثقافية تؤهله لأن يهندس فعل القراءة بصورة تتماشى وطبيعة ما يتمتع به من قدرات وإمكانات. وإذا عددنا القراءة أثراً؛ فإن الكتابة هي اقتفاء الأثر وإعادة إنتاجه عبر شفرات جمالية ولغوية وفكرية تخضع لسلطات عدة، منها العلامة، والكلام، والمعنى، وأفق التوقع.

ولا يفوتني أن أشير في هذا الصدد إلى تنظيرات أومبرتو إيكو حول النص المفتوح الذي يمنح قارئه فرصاً لأن يتعدد فعل الكتابة لديه بوصفه شريكاً في إنتاج المعنى؛ تارة بممارسة فعل الشرح والتفسير، وتارة أخرى بممارسة فعل التأويل. ووفقاً لهذه القصدية في تعالق فعلي القراءة والكتابة تتضح مستويات كل قارئ، وتتحدد درجة المساهمة القرائية الفاعلة في الوعي بالتلقي المبني على قصدية الإنتاج المعرفي الخلّاق.

 

 

 

الشرق الاوسط

Top