في بعض معايير التقييم الخاطىء في الاختيار
فاضل ميراني
مسؤول الهيئة العاملة للمكتب السياسي
للحزب الديمقراطي الكوردستاني
السياسة و سلوك المجتمع و المعارف التي يتغذى منها المجتمع و السياسة تجمعهما علاقة بين حالتين: الحكم، و العمل لنيل الحكم، و في الحالتين معا، يظهر المعدن السلوكي في اصدق تعبير و تعريف عن الثقافة، وهو تعريف صحيح و يغاير التعريف السائد الذي يرى الثقافة حبرا و ورقا مكتوبا او محفوظات شفاهية تعاكس الجهل، ابدا، هذا الكلام غير صحيح بالمرة، فالثقافة هي السلوك الصادق بعيدا عن الادعاء، فإن ركن فرد لحسم كل خلاف بسلاح، فهذا الفرد مثقف بالعنف مهما ارتدى من ثياب عصرية و مهما ادعى من حيازته مقروءات.
ومن يشهد زورا او يكتم حقا، فهذا ثقافته هي الزور، مهما كان و مهما ادعى، فهو شاهد زور في التجريب المرتبط بالحقوق و نيلها.
العلاقة بين المجتمع و السلطة و بعيدا عن الحشو و بعيدا عن إلباسها ثيابا زاهية، علاقة تفاعلية نادرا ما يختلف فيها الجزء الحاكم كله او قسم منه عن المجتمع في جزء منه، اذا من غير المنطقي ان تكون السلطة السيئة حاكمة للكل المجتمعي الجيد، حتى وان وصل الحكم بالقوة.
كما انه من النادر الاقرب للمستحيل ان تكون السلطة جيدة و المجتمع سيء.
لم تنجح شعوب العراق بسبب ذاتي و موضوعي هي و السلطة في خلق حالة من حالات انماء التوجه المشترك لانتاج حكم مستقر يقوم على الحنكة و العمل المفيد، لسبب قديم متجدد يرى السلطة طموحا شخصيا، و في اغلبية مجتمعية لا تختلف عن طموحات المشتهين للسلطة.
المجتمع مع اغلب قياداته مسؤولان بنسب متفاوتة عن نتيجة الامور سلبا و ايجابا، اذ انه عندما يتم اهمال الحدود بين عمل السلطات، و عدم دراسة قوانين العمل، بل الانشغال بالبحث عن الثغرات القانونية للتحايل، ومثل هذه الممارسات لاتحدث فجأة، بل هي تراكم و استعداد تتم تغذيته من خلال وسائل تتصل بالموجود المجتمعي( عبر افراد و وسائل) و من خلل ضعف الوازعين العقلي و الاخلاقي، و مثل هذه الافعال لا تصدر الا عن فئة معينة يجتمع داخلها كل حملة هذا الاستعداد لأخذ ما لا يجوز لهم، جهلة كانوا ام متعلمين، ولا علاقة لها لا بعرق و لا مذهب و لا نسب، هم حزب بذاته و تجمع مصالحي انتهازي، له القدرة على التسلل لأي مكان.
محزن و مخزٍ ما جرى و يجري، والمحزن اكثر ان افعال السوء يجري تعميمها من قبل المجتمع، اذ نادرا ما يكون الحكم المجتمعي على الجريمة انها شخصية.
لقد آذى صانعو الخراب من المشتغلين في السياسة، اذوا الذين يشتغلون في السياسة ممن لم تتلوث سمعتهم بما تلوث به آخرون، وهذا امر سيجد انعكاسا و يغير في الاداء و تقبله من الناس مستقبلا، اذ سيصعب ان يصدق الجمهور كلام كثيرين سيتحدثون عن الحق و الواجب، ذلك ان الرأي الذي صنعته جرائم التجاوز على المال العام، رأي يمتد بالشك و ربما الادانة لكل العمل السياسي.
ليس هذا الامر جديدا، لكن الجديد فيه هو ان العشرين سنة الماضية خلقت سُنّة عمل عكست عجز كثيرين عن تقديم ممثلين اكفاء للعمل، و راحت تبحث و تقدم من عكس اداؤه ليس فقط سوء اختياره من قادته، بل سريان فكرة اشتراك المختار و من جرى اختياره في تقاسم المال العام، و لزيادة الاساءة للناس، فإن سقف الحساب واطىء و انتقائي، وهذا الامران يصنعان عدوى لجيل صار يرى الموقع غنيمة، في تصور مشوه عن الحكم و امانة العمل.
انا اترقب كيف ستكون لغة و مفردات المدعين بالمعرفة السياسة ان يتمكنوا ليس من الحديث بل من اقناع الناس بصدق توجهاتهم في الحكم سواء خلال شغلهم للمواقع او استعدادا لشغلها مستقبلا.
كما استغرب بقاء انتقاء انفاذ الحساب على من يقع و من يعفى.
للان لم يجرِ الفصل بين الوظيفة الحكومية التي من ابسط صور فهمها انها تتمتع بحق الراتب و الاجازة و الترقية و العقوبة و الحضور و الانصراف و الحساب و المتابعة، و بين الدور الحزبي و السياسي، هذا اذا كان فعلا للحزب و السياسة دور ايجابي، ذلك ان التضخم الحزبي يوازي الهزال الادائي.
ان عضوية المجالس النيابية ليست لعبة اطفال، و ادارة شؤون بلد ليست نزهة و لهو.
بلد عميق التاريخ، لا يستحق ان تهان سمعته تحت اي حجة، و شعوبه لا تستحق ان يخونها من يدعي طلب الحق لها.
المعايير تكشف التوجه، و قد حصل، فهل مِن مراجع للتوجه يعيد كتابة معايير من يختارهم ليمثلوه؟

فاضل ميراني