كيف يقرأ إقليم كوردستان خارطة المنطقة بعد التهدئة؟
د.سامان سوراني
من منظور العلاقات الدولية والقراءات الاستراتيجية المعمقة، يمثل ترحيب القيادة السياسية الحكيمة في إقليم كوردستان الأخير بالاتفاق الأمريكي-الإيراني خطوة استباقية واعية و قراءة استشرافية دقيقة لمستقبل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة.
تنطلق الرؤية السياسية لإقليم كوردستان، برعاية الرئيس مسعود بارزاني، من فرضيات "النظرية الواقعية" في العلاقات الدولية، واضعة الاستقرار والنمو الاقتصادي كأولويات قصوى.
وتأتي هذه الاستراتيجية نتاج قراءة دقيقة للتحولات الإقليمية، إذ يعي الإقليم تماماً أن أي تفاهمات أو "هدنة" بين واشنطن وطهران ستترتب عليها إعادة تشكيل موازين القوى وبنية الأمن والاستثمار في المحيط الجغرافي.
ويقع الإقليم في صدارة المتأثرين بهذه الديناميكيات نظراً لموقعه التاريخي كحجر زاوية في التوازنات الإقليمية.
وتحمل هذه الهندسة السياسية الجديدة في طياتها ملامح مرحلة واعدة لمكانة الإقليم واستقراره، إذ إن التنفيذ الكامل لهذا الاتفاق من شأنه إنهاء حقبة طويلة من ممارسات "دبلوماسية حافة الهاوية" التي تحول فيها الإقليم أحياناً إلى ساحة لتوجيه الرسائل غير المباشرة وتصفية الحسابات بين القوى الكبرى.
هذا التحول نحو التهدئة يمنح الإقليم فرصة استراتيجية للانتقال من دائرة "إدارة الأزمات الأمنية الطارئة" إلى "التخطيط التنموي المستدام"، حيث يؤدي تراجع الاستقطاب الإقليمي حتماً إلى تحصين البنية التحتية للإقليم، وخفض مستويات التهديد العابر للحدود، مما يمنحه حصانة تؤهله للعب دور المحور المتزن وفق مفهوم "المنطقة العازلة المستقرة" في محيط مضطرب.
وفي هذا السياق الاستراتيجي، تبرز الزيارة الأخيرة لـ "توم باراك"، المبعوث والمقرب من الرئيس ترامب، إلى العراق وإقليم كوردستان، والتي استهدفت باختصار شديد استكشاف آفاق المرحلة المقبلة وبناء جسور تواصل مباشرة مع القيادة السياسية، لطمأنة الحلفاء بشأن السياسات الأمريكية وبحث ملفات الأمن وتأمين الاستثمارات الاقتصادية والطاقة، بما يضمن تعزيز مكانة الإقليم كشريك موثوق في الترتيبات الإقليمية الجديدة.
وعلى صعيد المستقبل السياسي والدبلوماسي، تؤكد الرؤية الاستشرافية أن الاستقرار الإقليمي سيعيد تمحور إقليم كوردستان كفاعل دبلوماسي عقلاني، فطبقاً لـ "نظرية الاعتماد المتبادل" (Interdependence)، يتيح هذا الانفراج للإقليم فرصة التحول من نقطة تجاذب بين محورين إلى "جسر تواصل اقتصادي وسياسي" يربط بين الفواعل الإقليمية والدولية، مما يعزز شرعيته ومكانته الدولية دون الانحياز لسياسة المحاور. كما سينعكس هذا الثقل الدبلوماسي إيجاباً على علاقة الإقليم مع الحكومة الاتحادية في بغداد، إذ إن غياب الضغوط الخارجية سيسهم في خلق بيئة تفاوضية أكثر مرونة وموضوعية لحل الملفات العالقة كشراكة الطاقة والموازنة بعيداً عن التوظيف السياسي الخارجي.
أما في البعد الاقتصادي، وهو المحرك الأساسي للمستقبل، فإن هذه الهدنة تترجم مفاهيم "السلام الاقتصادي" حيث تمثل الضوء الأخضر الذي تنتظره الأسواق العالمية والشركات متعددة الجنسيات للاستثمار طويل الأمد.
يسهم تراجع مخاطر التصعيد العسكري في رفع التصنيف الائتماني لبيئة الأعمال في إقليم كوردستان، مما يمهد الطريق لجذب رؤوس الأموال الأجنبية، وتطوير قطاعي الطاقة والبنية التحتية. هذا التحول من شأنه تحويل الإقليم إلى مركز لوجستي وتجاري يربط منطقة الخليج بأوروبا عبر تركيا.
ختاماً، فإن النظرة الاستشرافية للإقليم نحو هذا التهدئة تستند إلى قراءة واقعية براغماتية ترى في التهدئة الدولية فرصة ذهبية لإعادة صياغة مستقبل المنطقة، وهي فرصة سيتضاعف نجاحها إذا ما عملت الحكومة العراقية كشريك قوي ومساند للإقليم لدفع هذا التوجه الاستراتيجي نحو الأما
