• Sunday, 14 June 2026
logo

العزف على جميع الأوتار

العزف على جميع الأوتار

محمد ديب احمد

كيف تعلّمت السياسة الكوردستانية العيش بين الصقور والحمام… دون أن تتوقف الموسيقى؟

في الشرق الأوسط ، لا تعيش الحركات السياسية طويلاً لأنها تمتلك الحقيقة ، بل لأنها تتقن فن البقاء . والبقاء هنا لا تصنعه القوة وحدها ، بل القدرة على الحركة وسط شبكة معقدة من التوازنات والتحالفات والمتغيرات .

في هذه الجغرافيا ، لا يكفي أن تكون صقراً كي تنجو ، ولا حمامة كي يُسمح لك بالطيران . ولهذا تعلمت كثير من الحركات أن الحمام يحتاج أحياناً إلى مخالب ، وأن الصقر قد يخفي مخالبه تحت ريش ناعم حتى يعبر العاصفة . فالسياسة ليست خطاً مستقيماً ، بل موسيقى معقدة ، ومن يعزف على وتر واحد فقط قد تنتهي موسيقاه سريعاً .

من هنا يمكن فهم تطور بعض الحركات الكوردستانية من تنظيمات تقليدية إلى منظومات سياسية متعددة الأبعاد، تنتقل بين خطاب الثورة ومنطق البراغماتية ، وبين لغة الجبل ولغة التفاوض ، دون أن تتخلى عن سعيها إلى البقاء .

في لحظة تتحدث بلغة الهوية والتاريخ والذاكرة ، وفي أخرى تدير ملفاتها بلغة المصالح الإقليمية والدولية . تخاطب جمهورها بالعاطفة، لكنها تتعامل مع الوقائع بعقل سياسي يحسب موازين القوى وحدود الممكن .

ولا يبدو ذلك مجرد ازدواجية ، بل استجابة لواقع فرضته جغرافيا شديدة التعقيد . فالكورد عاشوا لعقود بين حدود مغلقة وتحالفات متغيرة وصراعات متكررة ، الأمر الذي أنتج ثقافة سياسية قائمة على المرونة أكثر من الجمود .

ولهذا يصعب قراءة الأحزاب الكوردستانية بمنطق الأحزاب الكلاسيكية . فسواء اختلفت توجهاتها أو أدواتها، فإنها وجدت نفسها مضطرة إلى العزف على أكثر من وتر : وتر الهوية ، ووتر الواقعية السياسية ، ووتر العلاقات الدولية ، وأحياناً وتر الصمت الذي يكون أكثر فاعلية من الضجيج .

وهذه ليست خصوصية كوردستانية خالصة ، بل سمة من سمات الشرق الأوسط كله؛ منطقة يتحدث الجميع فيها عن السلام وهم يعززون أدوات القوة ، ويرفضون التدخل الخارجي وهم يبحثون عن داعمين خارجيين ، وينتقدون البراغماتية ثم يمارسونها حين تتغير موازين القوى .

ومن هنا برز ما يمكن تسميته بفن النجاة السياسية ؛ أن يعرف الصقر متى يخفي مخالبه ، وأن تعرف الحمامة متى تتوقف عن حمل الرسائل وتبدأ بحماية العش .

فالمنظومات الحديثة لم تعد مجرد أحزاب ، بل شبكات سياسية وإعلامية وتنظيمية قادرة على إعادة التموضع كلما تبدلت الظروف . وإذا انقطع خيط ، تكفلت بقية الخيوط بحفظ  تماسك الشبكة .

وفي المقابل ، تتحرك الجماهير غالباً بالعاطفة والرموز والخطابات ، بينما تتحرك القيادات وفق حسابات تتعلق بالمصالح وموازين القوى وحدود التصعيد والتراجع . 

وهنا يكمن الفرق بين حرارة الشارع وبرودة القرار .

ولعل أحد أكبر أخطاء المنطقة هو الخلط بين صدق العاطفة وصواب السياسة ؛ فليست كل الشعارات تصنع مشروعاً ، ولا كل الانفعالات تبني مستقبلاً . 

فالبقاء الطويل لا تصنعه ردود الأفعال ، بل القدرة على تحويلها إلى إدارة واعية للفعل السياسي .

لكن البراغماتية ليست بلا ثمن . فالإفراط في الانتقال بين الأوتار قد يجعل الجمهور يتساءل : هل ما زلنا نستمع إلى الموسيقى نفسها ، أم أن العازف تغير ؟

وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي ؛ فالمنظومات لا تسقط دائماً بفعل خصومها ، بل قد تضعف عندما يفقد جمهورها القدرة على تمييز اللحن الذي تأسست عليه .

 في النهاية ، لا تنتصر السياسة لمن يعزف أعلى الأصوات ، بل لمن ينجح في الحفاظ على الإيقاع وسط العواصف ، ويقنع الآخرين بأن تبدل اللحن كان جزءاً من الموسيقى منذ البداية .

 

 

 

 

Top