زيارة نيجيرفان بارزاني إلى بغداد ..لغة الحوار والدبلوماسية الناعمة هي الطريق الوحيد للوصول إلى مستقبل أكثر إشراقاً
دلشاد ميران
سياسي ودبلوماسي - حصرياً لمجلة (گولان)
إن الزيارة الرسمية لسيادة نيجيرفان بارزاني، رئيس إقليم كوردستان، إلى العاصمة بغداد في هذه المرحلة الحساسة ليست مجرد رحلة بروتوكولية عادية، بل هي تحرك استراتيجي عميق وذو أهمية بالغة. تأتي هذه الزيارة في وقت تواجه فيه العلاقات بين أربيل وبغداد مجموعة من التحديات الدستورية والقانونية الكبيرة. المشكلة الأساسية هنا لا تكمن فقط في البنود والقوانين، بل في تلك العقلية المركزية المتشددة التي لا تؤمن إيماناً حقيقياً بالكيان الفيدرالي لإقليم كوردستان، ذلك الكيان الذي تم تثبيته وفق الدستور العراقي الدائم. من هنا، تعتبر هذه الزيارة محاولة جادة لإعادة صياغة العلاقات على أساس "التوافق، الشراكة، والتوازن"؛ وهي الركائز الثلاث التي بني عليها العراق الجديد بعد عام 2003، وكانت الشرط الأساسي للتعايش السلمي والمشاركة الفعالة للكورد في المركز.
من جانب آخر، تعيش منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، والعراق بشكل خاص، حالة من عدم الاستقرار و"الغليان المستمر" نتيجة الحروب والصراعات الشديدة التي اندلعت. هذا الوضع يثير مخاوف من حدوث تغييرات سياسية وعسكرية واقتصادية كبرى. ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر ببساطة إلى زيارة رئيس الإقليم، خاصة وأن شخصية نيجيرفان بارزاني معروفة بامتلاكها دبلوماسية رفيعة ونهجاً معتدلاً وباحثاً عن الحلول. وعلى الرغم من كونه يشغل منصب نائب رئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني، إلا أنه في حواراته مع كبار المسؤولين الشيعة والسنة والمكونات الأخرى، تعامل دائماً من منطلق وطني فوق-حزبي، وكانت رسالته الأساسية للجميع هي أن الكورد عامل أساسي للحل وليسوا المشكلة، وقد سعى لتثبيت الحقوق الدستورية والمستحقات المالية لشعب كوردستان في مركز القرار، والتي تعرضت للتهميش لسنوات بسبب العقلية المركزية والأجندات الخارجية.
إن وضع العراق الحالي في مستوى خطير، ليس فقط لأنه وقع بين مطرقة وسندان صراع القوى العظمى وحروب المنطقة المدمرة، بل أيضاً بسبب ممارسات الميليشيات المسلحة الخارجة عن القانون التي تقود البلاد نحو الهاوية. إن هجمات الطائرات المسيرة المستمرة لهذه الجماعات على إقليم كوردستان والمؤسسات الاقتصادية والعسكرية، لا تشكل تهديداً للإقليم فحسب، بل تنذر بخطر التفكك التام للعراق. لذا، فإن أي نوع من التقارب والتفاهم الذي يعمل عليه رئيس الإقليم في بغداد هو بمثابة كابح لمزيد من تدهور الأوضاع، لأن أي توتر في بغداد أو أربيل يؤثر بشكل مباشر على مجمل العملية السياسية واستقرار البلاد.
في المرحلة المقبلة، من الضروري أن يكون للكورد حضور كجزء فاعل وشريك حقيقي في الدولة العراقية، وليس فقط كطرف معارض ينتظر الإحسان والصدقة من الخصوم في بغداد. لقد سعى فخامة الرئيس مسعود بارزاني، بصفته المرجع الأعلى للشعب الكوردي، دائماً لإيجاد لغة مشتركة تجمع كافة الأطراف السياسية العراقية. ومن هذا المنطلق، وجه فخامته رئيس الإقليم بزيارة بغداد بهدف إنهاء تلك العقلية المركزية التي تعمل على أساس "إلغاء الآخر". هذه الزيارة هي محاولة لإنهاء القراءات المركزية للمواد الدستورية، وتنفيذ الحقوق والمستحقات القانونية لإقليم كوردستان كما هي ودون نقصان، لضمان مستقبل أكثر إشراقاً واستقراراً لجميع العراقيين.
إن فخامة الرئيس مسعود بارزاني، بصفته واضع الفلسفة السياسية لإقليم كوردستان، يؤكد دائماً على ثلاثة مفاهيم أساسية ومصيرية وهي: "التوافق، التوازن، والشراكة". هذه المفاهيم الثلاثة ليست مجرد مصطلحات سياسية، بل هي الركائز الأساسية التي بني عليها العراق الجديد. وبدون الالتزام بهذه المبادئ، ستصبح الدولة العراقية كبيت بلا أساس معرض للانهيار والسقوط في أي لحظة حساسة. والرسالة الواضحة التي يجب أن يفهمها مركز القرار في بغداد هي أن إضعاف إقليم كوردستان لا يعني قوة العراق، بل على العكس، فإن أي نوع من الضعف في مكانة الإقليم سيؤدي مباشرة إلى إضعاف المكانة الوطنية والدولية للعراق أيضاً.
من ناحية أخرى، لا يمكن الحديث عن تطبيع العلاقات بين أربيل وبغداد دون الالتفات الجدي لتلك الهجمات بالمسيرات والصواريخ التي تستهدف إقليم كوردستان باستمرار. نيجيرفان بارزاني، رئيس إقليم كوردستان، كشف في بغداد بكل صراحة وشجاعة عن حقيقة مُرّة، معلناً أن سيادة العراق منقوصة ومشوبة إذا لم تستطع الحكومة الاتحادية السيطرة على الجماعات المسلحة. إن قضية "حصر السلاح بيد الدولة" ليست مجرد مطلب كوردي أو حزبي، بل هي ضرورة وطنية عليا لحماية هيبة الدولة وأرواح جميع المواطنين العراقيين. الإحصائيات مؤلمة؛ فقد تعرض إقليم كوردستان لنحو ألف هجوم بالمسيرات والصواريخ، راح ضحيتها قوات البيشمركة وأطفال ونساء ومدنيون، وألحقت أضراراً كبيرة بالبنية التحتية الاقتصادية للإقليم. هذه الهجمات لا تعرض أمن الإقليم للخطر فحسب، بل تضع سيادة العراق فعلياً تحت تساؤل كبير. لا يمكن الحديث عن دولة دستورية وقانون وكابينة جديدة، في وقت تستهدف فيه الجماعات الخارجة عن القانون أرض الوطن وحياة الناس وفق أهوائها ولتنفيذ أجندات خارجية. هذه الجماعات لم تضر اقتصاد الإقليم فحسب، بل ألحقت أضراراً جسيمة بالإيرادات الوطنية للعراق أيضاً، حيث انخفض مستوى إنتاج الغاز والنفط بسبب هذه الاضطرابات، وكان العراق نفسه المستفيد الأول المباشر من تلك الإيرادات.
هناك مقولة تاريخية للسيد نيجيرفان بارزاني تقول: "بغداد هي العمق الاستراتيجي لإقليم كوردستان". هذا التعبير العميق لا يعني أن الإقليم تابع لبغداد، بل هو تعبير عن الحقيقة المتمثلة في أن مفاتيح وحلول الكثير من المشاكل العالقة موجودة في بغداد، تماماً كما أن مفتاح وأساس استقرار العراق موجود في إقليم كوردستان. ومن هذا المنطلق، يجب على الكورد في المستقبل العمل وفق خارطة الطريق هذه:
1-ترتيب البيت الكوردي: يجب أن يظهر الكورد في بغداد بصوت واحد وموقف واحد. التنازل عن القضايا القومية والوطنية يجب أن يظل خطاً أحمر لجميع الأطراف الكوردية.
2-تشكيل المجلس الاتحادي: هذا مطلب دستوري مهمل يضمن بقاء الديمقراطية في العراق ويمنع فرض القرارات الأحادية و"الأغلبية السياسية" على المكونات.
3-الحفاظ على الحياد: في الصراع الشديد بين أمريكا وإيران، يجب ألا يصبح العراق والإقليم ساحة لحرب مدمرة. يجب منع الميليشيات من جر البلاد نحو دمار يدفع الشعب ثمنه.
4-الدبلوماسية العقلانية: يجب أن يستمر الكورد في المطالبة بحقوقهم عبر الحوار، ولكن دون التراجع خطوة واحدة عن حقوقهم الدستورية. العقلانية والاعتدال يجب أن يكونا سلاحنا الأساسي.
5-الحل الجذري للملف المالي: لا يجوز بعد الآن استخدام الميزانية وقوت ومعيشة الناس كورقة ضغط. وحل هذا لا يكون إلا من خلال تشريع قانون حديث للنفط والغاز يحفظ حقوق جميع الأطراف.
في الختام، كمراقب سياسي، عندما ننظر إلى هذه التحركات الدبلوماسية لرئيس إقليم كوردستان، فإننا متفائلون بأن العقلية المعتدلة والحكيمة ستنتصر في النهاية على التشدد. استقرار العراق ليس مستحيلاً، بل هو فرصة تاريخية تحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية في بغداد. إذا تم استيعاب رسائل نيجيرفان بارزاني كما هي، فسيدخل العراق مرحلة تكون فيها السيادة للدستور، ويكون المواطن هو محور الخدمات، وليس صراع القوى المسلحة. هذا الطريق بالتأكيد محفوف بمئات العوائق ويحتاج إلى صبر وطول نفس، لكن تجاهل مبادئ الفيدرالية وعدم تنفيذ الدستور لن يؤدي إلا لنتيجة واحدة، وهي اقتياد البلاد نحو مستقبل مجهول وأزمات أعمق لن يخرج منها أحد رابحاً.

گولان میدیا