• Sunday, 10 May 2026
logo

الكورد ولحظة تشكيل الحكومة العراقية: من سياسة الترقب إلى صناعة التوازن

الكورد ولحظة تشكيل الحكومة العراقية: من سياسة الترقب إلى صناعة التوازن

أ.د.كامران الصالحي

في كل مرة يدخل فيها العراق مرحلة تشكيل حكومة جديدة، تعود القضية الكوردية إلى مركز المعادلة السياسية، لا بوصفها ملفاً جانبياً يخص إقليماً بعينه، بل بوصفها أحد مفاتيح الاستقرار العراقي العام. فالعراق، منذ عام 2003، لم يُبنَ على منطق الأغلبية العددية وحدها، وإنما على توازنات دقيقة بين المكونات، وعلى تفاهمات سياسية لا تستطيع أي قوة منفردة تجاوزها من دون أن تدفع الدولة كلها ثمن ذلك.

اليوم، ومع استمرار المشاورات لتشكيل الحكومة الاتحادية الجديدة، تجد الأحزاب الكوردية نفسها أمام امتحان سياسي بالغ الحساسية: هل تدخل بغداد متفرقة، كل حزب يحمل مطالبه ومخاوفه وحساباته، أم تدخلها برؤية كوردستانية واحدة تعكس موقع الإقليم الدستوري ومصالح مواطنيه؟ هذا السؤال ليس نظرياً. إنه سؤال الرواتب، والموازنة، والنفط، والمادة 140، وكركوك، والبيشمركة، والشراكة الحقيقية في القرار العراقي.

لقد أثبتت التجربة أن بغداد تتعامل بجدية أكبر مع الموقف الكوردي عندما يكون موحداً، واضحاً، ومؤسساً على برنامج سياسي لا على ردود أفعال. كما أثبتت أن الانقسام الكوردي، مهما كانت أسبابه داخلية، يتحول في العاصمة الاتحادية إلى نقطة ضعف تفاوضية. لذلك فإن المطلوب اليوم ليس أن تتنازل الأحزاب الكوردية عن تعدديتها، ولا أن تلغي اختلافاتها، بل أن تفصل بين التنافس الداخلي المشروع وبين القضايا العليا التي تمس مكانة إقليم كوردستان في العراق.

في هذا السياق، جاءت زيارة رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني إلى بغداد في توقيت سياسي بالغ الأهمية. فالزيارة لم تكن بروتوكولية، ولم تكن مجرد مشاركة في مجاملات سياسية، بل مثّلت محاولة واضحة لإعادة إدخال الإقليم إلى قلب عملية تشكيل الحكومة، لا كطرف ينتظر ما ستقرره الكتل الأخرى، بل كفاعل يسعى إلى تقريب وجهات النظر، وتثبيت موقع كوردستان في أي تسوية وطنية مقبلة. وقد شملت الزيارة لقاءات مع قوى رئيسية في المشهد العراقي، بينها قادة الإطار التنسيقي، ورئيس الوزراء محمد شياع السوداني، ورئيس الوزراء المكلف علي الزيدي، إلى جانب أطراف سياسية سنية، في إطار بحث تشكيل الحكومة والعلاقة بين أربيل وبغداد والملفات العالقة بين الجانبين. 

تكمن أهمية هذه الزيارة في أنها عبّرت عن نهج سياسي يحتاجه العراق اليوم: نهج الحوار الهادئ، لا التصعيد الإعلامي؛ ونهج بناء الجسور، لا انتظار الانفجار؛ ونهج تحويل المطالب الكوردية من قائمة شكاوى متكررة إلى جزء من الاتفاق السياسي المؤسس للحكومة الجديدة. فالدور الذي قام به رئيس الإقليم لا ينبغي النظر إليه فقط من زاوية تمثيل أربيل، بل من زاوية أوسع: محاولة كوردية للمساهمة في إنتاج توازن عراقي يمنع تشكل حكومة ضعيفة أو انتقامية أو خاضعة لمنطق طرف واحد.

غير أن نجاح هذا الدور يتوقف على شرط أساسي: أن تكون الأحزاب الكوردية نفسها مستعدة لترجمة هذه الحركة السياسية إلى موقف موحد. فليس كافياً أن يذهب رئيس الإقليم إلى بغداد حاملاً خطاب التفاهم، بينما تبقى القوى الكوردية منقسمة في حساباتها ومواقفها. إن قوة أي مبادرة كوردية في بغداد تبدأ من وحدة البيت الكوردي، ومن وجود حد أدنى مشترك لا يخضع للمساومة الحزبية.

ينبغي أن تدرك الأحزاب الكوردية أن المرحلة الراهنة لا تحتمل سياسة المطالب المتفرقة. المطلوب برنامج كوردي مختصر وواضح، يقوم على أولويات محددة: ضمان صرف رواتب موظفي الإقليم بصورة ثابتة وغير خاضعة للخلافات السياسية، تثبيت حصة الإقليم في الموازنة وفق آلية عادلة وشفافة، تشريع قانون النفط والغاز بما يضمن حقوق الإقليم والحكومة الاتحادية معاً، معالجة ملف كركوك والمناطق المتنازع عليها وفق الدستور، واحترام وضع البيشمركة باعتبارها قوة شرعية قاتلت الإرهاب ودافعت عن جزء أساسي من العراق.

العلاقة مع بغداد يجب ألا تُبنى على عقلية الخصومة الدائمة، كما يجب ألا تنزلق إلى التبعية السياسية. فإقليم كوردستان ليس خصماً للدولة العراقية، لكنه أيضاً ليس إدارة محلية يمكن التعامل معها بمنطق الأوامر المركزية. إنه كيان دستوري ضمن عراق اتحادي، وله حقوق وعليه التزامات. ومن هنا فإن العلاقة السليمة بين أربيل وبغداد يجب أن تقوم على قاعدة واضحة: شراكة لا مجاملة، ودستور لا مزاج، وتفاهمات مكتوبة لا وعود عابرة.

لقد تسببت الملفات المالية والنفطية خلال السنوات الماضية في اهتزاز ثقة المواطن الكوردستاني بالدولة الاتحادية. حين يصبح الراتب الشهري مادة تفاوض سياسي، وحين تتحول الموازنة إلى وسيلة ضغط، وحين يبقى النفط ملفاً معلقاً بين قرارات قضائية واتفاقات مؤقتة، فإن النتيجة لا تكون إضعاف حكومة الإقليم وحدها، بل إضعاف فكرة العراق الاتحادي نفسها. لذلك فإن أي حكومة عراقية جديدة تريد الاستقرار لا تستطيع أن تؤجل حل هذه الملفات إلى ما بعد توزيع الوزارات. بل يجب أن تجعلها جزءاً من صلب برنامجها السياسي.

في المقابل، على القوى الكوردية أن تعترف بأن قوة موقفها في بغداد ترتبط أيضاً بنوعية الحكم داخل الإقليم. لا يمكن المطالبة بفيدرالية قوية من دون مؤسسات قوية. ولا يمكن الدفاع عن حقوق كوردستان في بغداد من دون تعزيز الشفافية والمساءلة في أربيل والسليمانية ودهوك وحلبجة. المواطن الكوردستاني لا يريد فقط أن تنصفه بغداد، بل يريد أيضاً أن يرى أحزابه وحكومته وبرلمانه يتعاملون معه بوصفه صاحب حق، لا مجرد جمهور انتخابي.

من هنا، فإن المصالحة الكوردية الداخلية لم تعد ترفاً سياسياً، بل ضرورة استراتيجية. العلاقة بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني وسائر القوى الكوردستانية يجب أن تنتقل من إدارة الخلاف إلى تنظيم الخلاف. فالخلاف السياسي طبيعي، لكنه يصبح خطيراً عندما يتحول إلى ازدواجية في الموقف تجاه بغداد، أو إلى تنافس على المناصب السيادية على حساب الملفات الجوهرية. إن الإقليم بحاجة إلى آلية تنسيق دائمة بين قواه الرئيسية، خصوصاً في القضايا الاتحادية، حتى لا تتكرر تجربة الذهاب إلى بغداد بأكثر من خطاب وأكثر من سقف وأكثر من وعد.

ولعل الدرس الأهم في هذه المرحلة هو أن بغداد لا تمنح الحقوق لمن ينتظر، ولا تحترم الموقف الذي يتغير بتغير المفاوض. لذلك يجب أن يكون للكورد وفد سياسي موحد، وورقة تفاوض موحدة، ورسالة واضحة إلى جميع الأطراف العراقية: المشاركة الكوردية في الحكومة المقبلة ليست مجرد مشاركة في السلطة، بل مشاركة مشروطة بإعادة تصحيح العلاقة الاتحادية، وضمان حقوق المواطنين، وتنفيذ الدستور، وإنهاء سياسة الأزمات المتكررة.

كما ينبغي للأحزاب الكوردية أن تتعامل مع القوى العراقية الأخرى بعقلية الانفتاح لا الاصطفاف الضيق. فالعلاقة مع القوى الشيعية مهمة، والعلاقة مع القوى السنية مهمة، والعلاقة مع القوى المدنية والوطنية مهمة أيضاً. لا يجوز أن يحصر الإقليم نفسه في محور واحد، أو أن يُنظر إليه باعتباره تابعاً لهذا الطرف أو ذاك. مصلحة كوردستان تكمن في أن تكون جسراً للتوازن، لا جزءاً من الاستقطاب؛ وفي أن تبني علاقات مستقرة مع الجميع، من دون أن تتنازل عن ثوابتها الدستورية.

زيارة نيجيرفان بارزاني إلى بغداد يمكن أن تكون بداية لمسار جديد إذا أحسنت الأحزاب الكوردية استثمارها. فقد أظهرت أن للإقليم قدرة على التحرك في لحظات الانسداد، وأن قيادته تستطيع لعب دور الوسيط والشريك في آن واحد. لكنها ستفقد قيمتها إذا لم تتحول إلى مشروع سياسي جماعي، وإذا بقيت محصورة في إطار اللقاءات والمجاملات. المطلوب أن تتبعها خطوات عملية: اجتماع كوردي داخلي شامل، تحديد المطالب الأساسية، تشكيل فريق تفاوضي موحد، والاتفاق على عدم الدخول في الحكومة المقبلة إلا بضمانات واضحة قابلة للتنفيذ.

إن العراق اليوم يحتاج إلى حكومة لا تقوم على توزيع الغنائم، بل على إعادة بناء الثقة. وكوردستان تحتاج إلى علاقة مع بغداد لا تقوم على الأزمات الشهرية، بل على قواعد مستقرة. والأحزاب الكوردية تحتاج إلى أن تدرك أن لحظة تشكيل الحكومة ليست فرصة للحصول على وزارة إضافية، بل فرصة لإعادة تعريف موقع الإقليم في الدولة العراقية.

في النهاية، لا مستقبل آمناً لكوردستان من دون تفاهم عادل مع بغداد، ولا استقرار حقيقياً للعراق من دون شراكة صادقة مع كوردستان. الطريق إلى ذلك لا يمر عبر الخطابات العالية، بل عبر وحدة الموقف، ووضوح المطالب، وشجاعة الإصلاح الداخلي، وحكمة التعامل مع بغداد. وإذا استطاعت الأحزاب الكوردية أن تقدم المصلحة العامة على الحسابات الحزبية، فإنها لن تكون مجرد طرف مشارك في تشكيل الحكومة، بل ستكون عاملاً أساسياً في إنقاذ التوازن العراقي من الانهيار.

هذه هي اللحظة التي يجب أن يتقدم فيها منطق الدولة على منطق الحصة، ومنطق الشراكة على منطق المناورة، ومنطق كوردستان الجامعة على منطق الأحزاب المتفرقة. فالتاريخ لا يسجل عدد الحقائب الوزارية بقدر ما يسجل من استطاع، في اللحظات الصعبة، أن يحمي شعبه ومكانته وحقوقه ومستقبله.

Top