• Tuesday, 14 April 2026
logo

د. مرشد الخزنوي لـ "گولان": الرئيس بارزاني كقائد قومي استطاع أن يجعل الفكر القومي مظلة جامعة لجميع أجزاء كوردستان

د. مرشد الخزنوي لـ

حصریاً- گولان

في الساحة السياسية والمعرفية الكوردية، ندرت الشخصيات التي تستطيع الجمع بين الأصالة الدينية والرؤية القومية المنفتحة في آن واحد. في هذا الحوار الخاص، نستضيف عالماً ومفكراً ينحدر من أسرة حافلة بالعلم والتضحية؛ الدكتور مرشد الخزنوي، نجل الشهيد الشيخ معشوق الخزنوي.

الدكتور مرشد الخزنوي، الحاصل على شهادة الدكتوراه في العلوم الإسلامية، لم يبرز كشخصية دينية وخبير في الشريعة فحسب، بل عرف كصوت عقلاني ومعتدل، سعى دائماً لتسخير الدين والأيديولوجيا لخدمة القضية العادلة لشعبه. وهو الذي يمتلك تجربة غنية في الخطابة في مدن هامة كالحسكة ودمشق، ويتمتع بمكانة اجتماعية ودينية مرموقة. في هذا اللقاء، يغوص بدقة وبرؤية استراتيجية في عمق القضايا لمصيرية، مجيباً على تساؤلات "كولان" بهذا النحو..

* إلى أي مدى ساهمت التغييرات والحروب في تحويل القضية الكوردية من قضية محلية محدودة إلى قضية دولية؟.

- إن التحولات العميقة التي شهدتها منطقتنا خلال العقود الأخيرة، وما رافقها من حروب وانهيارات للدول المركزية، لم تغيّر فقط خرائط النفوذ، بل أعادت صياغة طريقة تعامل العالم مع الشعوب غير الممثلة تمثيلا عادلا، وفي مقدمتها شعبنا الكوردي المقاوم.

لقد كانت القضية الكوردية تحاصر طويلا داخل حدود الدول التي يتوزع فيها الكورد، وتقدم على أنها شأن داخلي، لكن مسار الأحداث أثبت أن تجاهل حقوق شعب كبير مثل الشعب الكوردي ينعكس مباشرة على أمن المنطقة واستقرارها.

ومن المهم التأكيد هنا على أن هذا التدويل للقضية الكوردية لم يكن وليد الصدفة أو مجرد نتيجة عارضة للحروب، بل كان ثمرة ناضجة لتضحيات جسام قدمها الشعب الكوردي عبر عقود، وبفعل حكمة قياداته في اقتناص اللحظات التاريخية وتحويل الأزمات إلى مكاسب وطنية.

لقد لعب الكورد دورا محوريا في مواجهة أخطر التهديدات التي عرفتها المنطقة، وفي مقدمتها الإرهاب العابر للحدود؛ وهذا الدور لم يكن عسكريا فقط، بل كان سياسيا وأخلاقيا أيضا، إذ قدم الكورد نموذجا في حماية المدنيين، وفي إدارة مناطقهم بقدر كبير من المسؤولية رغم الظروف القاسية، مما جعل القوى الدولية تنظر إليهم باعتبارهم عنصرا فاعلا لا يمكن تجاوزه.

كما أن الحروب التي ضربت المنطقة كشفت هشاشة الحدود المصطنعة، وأظهرت أن القضايا القومية لا يمكن دفنها تحت ركام السياسات القسرية. ومع كل أزمة جديدة، كانت القضية الكوردية تخرج إلى السطح بوصفها جزءا من معادلة الأمن الإقليمي، لا مجرد ملف محلي.

إلا أن هذا التدويل يضع الكورد اليوم أمام مسؤولية أكبر حيث يطلب منهم أن يقدموا خطابا موحدا، ورؤية سياسية ناضجة، وأن يثبتوا للعالم أن قضيتهم ليست مجرد صراع على السلطة، بل هي مطلب مشروع لشعب يريد العيش بسلام وكرامة ضمن إطار يحترم حقوقه وهويته.

إن العالم اليوم يرى في الكورد شريكا في الاستقرار لا طرفا في الفوضى، وهذا مكسب تاريخي صاغته دماء الشهداء وحنكة السياسة، ويجب الحفاظ عليه بالوحدة والترفع عن الانقسامات.

* ما هو دور الرئيس بارزاني في القضية القومية، وإلى أي حد استطاع تقريب أجزاء كوردستان من بعضها.

- رإن الحديث عن دور الرئيس مسعود بارزاني في المسار القومي الكوردي هو حديث عن مرحلة كاملة من تاريخ شعبنا، مرحلة اتسمت بتعقيدات سياسية وأمنية غير مسبوقة.

ويكمن دور الرئيس بارزاني بأنه كان أحد أبرز الشخصيات التي سعت إلى تثبيت الهوية القومية الكوردية في زمن كانت فيه المنطقة تتجه نحو التفكك والصراع.

لقد عمل على ترسيخ فكرة أن الكورد رغم تشتتهم الجغرافي، يشكلون أمة واحدة ذات قضية واحدة، وأن التواصل بين أجزاء كوردستان ليس ترفا سياسيا، بل ضرورة قومية.

ومن خلال مبادراته السياسية والعلاقات التي نسجها، استطاع أن يفتح قنوات للحوار بين القوى الكوردية في أجزاء مختلفة، وأن يخفف من حدة التوترات التي كانت تهدد وحدة الصف.

ومن منظور ديني وأخلاقي وقومي، فإن كل جهد يقرب بين أبناء الأمة هو جهد محمود، وكل خطوة تمنع الاقتتال الداخلي هي خطوة تحفظ الدم والعرض والكرامة.

ولهذا فإن الدور الذي لعبه الرئيس بارزاني في تجنب الصدامات الكوردية‑الكوردية، وفي الدعوة إلى الحوار بدل السلاح، هو دور أساسي في حماية النسيج القومي.

ومع ذلك، فإن تقريب أجزاء كوردستان من بعضها ليس مهمة فرد أو حزب، بل هو مشروع طويل يحتاج إلى إرادة جماعية، وإلى خطاب وحدوي يعلو فوق الحسابات الضيقة. وما قام به الرئيس بارزاني في هذا المجال يعد جزءا من مسار أكبر يجب أن يشارك فيه الجميع العلماء، والمثقفون، والقوى السياسية، والمجتمع المدني.

إن الأمة الكوردية اليوم بحاجة إلى كل جهد صادق يقرب ولا يفرق، يوحد ولا يشتت، ويضع مصلحة الشعب الكوردي فوق كل اعتبار. وهذا هو الطريق الذي نؤمن به وندعو إليه دائما.

* في هذه الحروب، ما أهمية المنطق الذي اتبعه بارزاني بعدم السماح لكوردستان بأن تصبح جزءا من محاور الصراع؟

- إن المنطقة خلال السنوات الماضية تحولت إلى ساحة صراع مفتوح بين قوى إقليمية ودولية، وكل طرف حاول أن يجر الآخرين إلى محوره.

وفي مثل هذه الظروف يصبح القرار السياسي الحكيم هو ذاك الذي يحمي شعبه من أن يتحول إلى وقود في معارك لا ناقة له فيها ولا جمل. ومن هنا تأتي أهمية النهج الذي اتبعه الرئيس مسعود بارزاني في عدم السماح لكوردستان بأن تُستدرج إلى محاور الصراع.

هذا الموقف لم يكن مجرد خيار سياسي، بل كان خيارا استراتيجيا لحماية الاستقرار الداخلي، وللحفاظ على مؤسسات الإقليم من الانهيار، ولتجنيب الشعب الكوردي تبعات صراعات أكبر منه.

فالدخول في محاور متصارعة يعني فقدان القدرة على اتخاذ القرار المستقل، ويعني أن يتحول الإقليم إلى ساحة تصفية حسابات بين الآخرين.

وعليه فإن سياسة "الحياد الإيجابي" كانت الدرع الذي حمى الإقليم من حروب الوكالة، وجعلت من أربيل قبلة للدبلوماسية الدولية بدلا من أن تكون وقوداً لنيران الآخرين.

كما أن هذا النهج حافظ على صورة الكورد أمام المجتمع الدولي، بوصفهم قوة مسؤولة لا تبحث عن التصعيد، بل عن الاستقرار. وهذا مكسب سياسي مهم، لأن العالم اليوم ينظر بعناية إلى القوى التي تستطيع أن تبقى متوازنة في زمن الفوضى.

إن عدم الانجرار إلى المحاور لم يكن موقفا سلبيا أو انسحابا من الساحة، بل كان موقفا واعيا هدف إلى حماية البيت الكوردي من الداخل، وإلى إبقاء القرار الكوردي مستقلا قدر الإمكان، وإلى منع تحويل كوردستان إلى ساحة حرب بالوكالة. وهذا من صميم الحكمة السياسية التي تحتاجها الأمة الكوردية في هذه المرحلة.

* في الدول التي يتوزع فيها الكورد وتشتد فيها الطائفية، ما الذي ينبغي على الكورد فعله؟

- إن تصاعد الطائفية في دول المنطقة ليس مجرد حالة اجتماعية، بل هو تحول سياسي عميق يعيد تشكيل موازين القوى داخل كل دولة. وهو ليس خطرا على مكون بعينه، بل هو تهديد شامل يطال الجميع دون استثناء.

وفي مثل هذه البيئات المتوترة يصبح على الكورد مسؤولية مضاعفة، لأنهم تاريخيا لم يكونوا طرفا في النزاعات المذهبية، بل كانوا عامل توازن واستقرار. ولهذا فإن الحكمة تقتضي أن يحافظ الكورد على هذا الدور، وأن يبتعدوا عن الاصطفافات التي لا تخدم مستقبلهم ولا مستقبل المنطقة.

ودخول الكورد في الاصطفافات الطائفية يعني فقدان القدرة على المناورة، ويضعهم في موقع التابع ضمن صراع لا يملكون أدوات التحكم فيه.

أما الحفاظ على الحياد الإيجابي والتمسك بالهوية القومية والوطنية الجامعة، فهو ما يمنحهم القدرة على حماية مصالحهم وعلى البقاء قوة مستقلة في معادلة معقدة.

كما أن القوى الإقليمية غالبا ما تستخدم الطائفية كأداة نفوذ، وكل طرف يسعى إلى توسيع دائرة تأثيره عبر المكوّنات المحلية وفي مثل هذا السياق، فإن انجرار الكورد إلى هذه المحاور يجعلهم جزءا من لعبة أكبر منهم، ويعرض مناطقهم ومجتمعهم لمخاطر لا يمكن السيطرة عليها. لذلك فإن الخيار الأكثر عقلانية هو أن يحافظ الكورد على مسافة واحدة من الجميع، وأن يقدموا أنفسهم كقوة مدنية معتدلة، لا كطرف في صراع مذهبي.

كما أن المجتمع الكوردي بطبيعته مجتمع متنوع، يضم مذاهب واتجاهات فكرية متعددة، لكنه لم يعرف عبر تاريخه صراعات مذهبية داخلية. الحفاظ على هذا الإرث يتطلب وعيا سياسيا، وتعزيزا للمؤسسات المدنية، وتحصينا للخطاب العام من أي محاولة لزرع الانقسام.

كما أن الطائفية دينيا يعد باب من أبواب الفتنة، والفتنة إذا اشتعلت لا تُبقي على أحد. وقد علمنا الدين أن حفظ المجتمع من الانقسام أولى من الدخول في صراعات لا طائل منها. ولذلك، فإن واجب الكورد في هذه المرحلة هو أن يكونوا عامل تهدئة، وأن يقدّموا خطابا يرفض التحريض، ويعلي من قيمة الإنسان، ويضع مصلحة الأمة فوق كل اعتبار.

إن قوة الكورد في هذه الدول لا تأتي من الانحياز إلى طرف ضد آخر، بل من قدرتهم على أن يكونوا عنصر توازن، وصوتًا عاقلا في زمن تتداخل فيه المصالح وتتشابك فيه الصراعات. وهذا الدور إذا أحسنوا إدارته، سيمنحهم احتراما داخليا وخارجيا، ويعزز موقعهم في أي معادلة سياسية مستقبلية.

* كيف يمكن للكورد الحفاظ على التوازن الإقليمي وحماية كيانهم؟"

- الحفاظ على التوازن الإقليمي في منطقة شديدة التعقيد مثل منطقتنا ليس مهمة سهلة، لكنه ضرورة وجودية للكورد.

فالجغرافيا التي نعيش فيها محاطة بقوى إقليمية كبرى، لكل منها حساباتها ومصالحها، وأي خلل في هذا التوازن ينعكس مباشرة على الشعب الكوردي وعلى مستقبله السياسي والاجتماعي. ولهذا فإن إدارة هذا التوازن تحتاج إلى رؤية سياسية ناضجة، وإلى قراءة دقيقة للمتغيرات.

 وقوة الكورد لا تأتي من الانحياز إلى محور ضد آخر، بل من قدرتهم على بناء علاقات متوازنة مع الجميع، دون تبعية ودون عداء مفتعل. فالدول تتغير سياساتها، والتحالفات تتبدل، لكن مصلحة الشعب الكوردي يجب أن تبقى ثابتة. وهذا يتطلب سياسة خارجية واقعية، تقوم على المصالح المشتركة، وعلى احترام سيادة الآخرين، وعلى تجنب الدخول في صراعات لا تخدم مستقبل الأمة.

كما أن حماية الكيان الكوردي لا يمكن أن تتحقق دون وحدة داخلية. فالبيت المنقسم لا يستطيع أن يفرض احترامه على أحد، بينما البيت المتماسك يملك القدرة على التفاوض، وعلى حماية نفسه من الضغوط. لذلك، فإن تعزيز الوحدة الوطنية، وتقوية المؤسسات، وتخفيف التوترات الداخلية، كلها عناصر أساسية في بناء قوة سياسية مستدامة.

ومن منظور استراتيجي، فإن الاقتصاد القوي هو أحد أهم أدوات الحماية. فالمجتمع الذي يعتمد على نفسه اقتصاديا يكون أقل عرضة للابتزاز السياسي، وأكثر قدرة على اتخاذ قرارات مستقلة. ولهذا فإن الاستثمار في البنية التحتية، والتعليم، والطاقة، والقطاع الخاص، هو جزء من حماية الكيان، وليس مجرد مشروع تنموي.

الكورد اليوم أمام فرصة تاريخية بأن يقدموا أنفسهم للعالم كقوة مسؤولة، قادرة على إدارة شؤونها، وعلى بناء علاقات متوازنة، وعلى حماية شعبها دون الدخول في مغامرات سياسية. وإذا استطاعوا أن يجمعوا بين الحكمة السياسية والوحدة الداخلية والقوة الاقتصادية، فإنهم سيضمنون لأنفسهم مكانا ثابتا في مستقبل المنطقة.

 * كيف تفسّر موقف روجآفا تجاه الهجمات على إقليم كوردستان؟

- عند النظر إلى موقف روجآفا تجاه الهجمات التي استهدفت إقليم كوردستان، فإن القراءة المنصفة تُظهر بوضوح أن روجآفا، قيادة وشعبا، وقفت إلى جانب الإقليم في هذه المحنة.

فقد صدرت بيانات رسمية من مؤسساتها السياسية والعسكرية تُدين الهجمات، وتؤكد أن أمن الإقليم جزء لا يتجزأ من أمن عموم الشعب الكوردي. كما شهدنا تظاهرات شعبية واسعة في مدن روجآفا، عبّر فيها الناس عن تضامنهم الصادق مع إخوتهم في الإقليم، وهذا موقف لا يمكن إلا تقديره.

ومن المهم الإشارة إلى أن روجآفا نفسها تعيش واقعا حساسا ومعقدا، نتيجة الضغوط السياسية والأمنية، ونتيجة مسار التفاهمات الجارية بينها وبين حكومة دمشق. هذا الواقع يفرض عليها هامشا ضيقا في الحركة، ويجعل كل موقف سياسي محسوبا بدقة. ومع ذلك ورغم هذه الظروف، فإنها لم تتردد في إعلان تضامنها مع الإقليم، وهذا يعكس عمق الانتماء القومي الذي يجمع الكورد في مختلف الساحات.

 هذا الموقف الذي صدر من القيادة العسكرية والحركة السياسية في روج آفا والحراك الشعبي يعكس حقيقة ثابتة بأنه رغم اختلاف الساحات والظروف، فإن الوجدان القومي الكوردي واحد، وعندما يتعرض جزء من كوردستان للخطر، يتحرك الجزء الآخر بدافع الانتماء والمسؤولية المشتركة.

كما أن إقليم كوردستان، قيادة وشعبا، وقف في أصعب الظروف إلى جانب روجآفا، وفتح أبوابه للنازحين، وقدّم الدعم السياسي والإنساني. وهذا التبادل في المواقف يؤكد أن العلاقة بين الجانبين ليست علاقة ظرفية، بل علاقة قومية أخوية ومصير مشترك، حتى وإن اختلفت الظروف السياسية لكل ساحة.

إن ما نحتاجه اليوم هو أن نبقي هذا الخط من التضامن مفتوحا، وأن ندير اختلاف الظروف بين الساحتين بروح المسؤولية القومية فالقضية الكوردية أكبر من حدود أي جزء، وأكبر من أي خلاف تكتيكي. وما يجمعنا—اللغة، والثقافة، والدم، والمصير—أقوى بكثير من أي اختلاف في التحالفات أو الأولويات.

إن موقف روجآفا الداعم للإقليم، رغم واقعها المأزوم وضغوطها المعقدة، هو رسالة مهمة: 

أن الأمة الكوردية، مهما اشتدت عليها الظروف، ما زالت قادرة على أن تقف معا عندما يشتد الخطر. 

وهذه الروح هي التي يجب أن نبني عليها مستقبلا أكثر وحدة وتنسيقا، لأن قوتنا الحقيقية تكمن في تضامننا، لا في تباعدنا.

*كيف يمكن تحويل شعار الوحدة والاتحاد من خطاب إلى ممارسة؟

- إن شعار الوحدة والاتحاد هو من أكثر الشعارات حضورا في الخطاب الكوردي، لكنه وللاسف في كثير من الأحيان يبقى حبيس الكلمات لأنه وبكل اسف لم تبن له أسس عملية على الأرض.

فالوحدة ليست أمنية ولا مجرد خطاب تعبوي، بل هي مشروع سياسي واجتماعي يحتاج إلى إرادة، وإلى مؤسسات، وآليات عملية تلزم الجميع بالعمل المشترك. وإلى خطوات ملموسة تترجم  شعار الوحدة إلى واقع.

من منظور سياسي فإن تحويل الوحدة إلى ممارسة يبدأ أولا بالاعتراف بأن الساحات الكوردية ليست متطابقة، وأن لكل جزء ظروفه وتحالفاته وضغوطه.

هذا الاعتراف لا يضعف الوحدة، بل يجعلها أكثر واقعية. فالوحدة الحقيقية لا تقوم على إلغاء الاختلاف، بل على إدارة الاختلاف بما يخدم المصلحة القومية العليا.

ولذلك، فإن الخطوة الأولى هي بناء الثقة بين القوى الكوردية. والثقة لا تبنى بالخطابات، بل عبر مواقف مسؤولة، ووقف الحملات الإعلامية التي تزرع الشك، واعتماد لغة سياسية تحترم الآخر ولا تخونه. فعندما يشعر كل طرف أن الآخر لا يستهدفه، يصبح الحوار ممكنا، والتقارب واقعيا ، ويقف صفا واحد ضد استخدام الخلافات الداخلية كأدوات ضغط سواء من قبل القوى المحلية أو الأطراف الإقليمية. فالأمة التي تسمح للآخرين بأن يوظفوا انقساماتها لن تستطيع أن تبني مشروعا قوميا مستقرا.

الخطوة الثانية هي إنشاء إطار مؤسسي دائم للتنسيق بين أجزاء كوردستان ليس عبر لقاء او مؤتمر عابر ولا تفاهما ظرفيا، بل مؤسسة قومية واضحة المهام، تنسق في الملفات المصيرية: الأمن، الإعلام، العلاقات الخارجية، وحماية المجتمع. بدون مؤسسة مشتركة، ستبقى الوحدة مجرد شعار.

كما لا يطلب من هذه المؤسسة توحيد القرار، بل تعني تبادل المعلومات، وتنسيق المواقف في القضايا المصيرية، وتجنب التناقضات التي تضعف الموقف الكوردي أمام العالم.

والخطوة الثالثة هي تعزيز دور المجتمع المدني والعلماء والمثقفين في صناعة الوحدة. فالقادة السياسيون وحدهم لا يستطيعون حمل هذا المشروع، بل يحتاجون إلى قاعدة اجتماعية واعية تدعم التقارب، وترفض الانقسام، وتدرك أن قوة الأمة في تماسكها، لا في تشتتها.

أما الخطوة الرابعة فهي إعادة ضبط الخطاب السياسي والإعلامي. لا يمكن أن نتحدث عن وحدة بينما تستخدم المنابر الإعلامية للتحريض أو التشكيك أو التخوين. يجب أن يكون هناك ميثاق شرف إعلامي كوردي، يضع خطوطا حمراء تمنع استهداف أي جزء من كوردستان أو أي قوة كوردية، مهما اختلفت الساحات والظروف.

واستراتيجيا فإن الوحدة ليست خيارا تجميليا بل ضرورة وجودية. فالقوى الإقليمية والدولية تتعامل مع الشعوب وفق قدرتها على التماسك. وكلما كان البيت الكوردي أكثر تماسكا، كان أكثر قدرة على حماية مصالحه، وعلى فرض احترامه في أي معادلة سياسية.

إن تحويل شعار الوحدة إلى ممارسة يحتاج إلى شجاعة سياسية، وإلى صدق في النوايا، وإلى استعداد للتنازل من أجل المصلحة العامة. فإذا اجتمعت هذه العناصر، فإن الوحدة لن تبقى شعارا، بل ستصبح واقعا ينعكس على مستقبل الأمة الكوردية، ويمنحها القوة والاحترام في زمن تتغير فيه خرائط المنطقة بسرعة.

 * ما الدور الذي يمكن أن تلعبه الأديان والأيديولوجيات في خدمة الأمة الكوردية؟

- في المجال السياسي والاجتماعي، تستخدم الأديان والأيديولوجيات لبناء الإنسان والمجتمع، لكنها في أصلها رسالات وقناعات أعمق من مجرد أدوات.

وعندما تتحول هذه الأدوات إلى وسائل صراع أو إلى مبررات للهيمنة فإنها تفقد قيمتها، وتتحول من عوامل قوة إلى عوامل تفتيت. ولهذا فإن الدور الذي يمكن أن تلعبه في خدمة الأمة الكوردية مرتبط بقدرتنا على ضبطها ضمن إطار قومي واضح، يمنع استغلالها ويحسن توجيهها.

سياسيا فإن أخطر ما يواجه الأمة الكوردية هو تسييس الدين وتديين السياسة، أو تحويل الأيديولوجيات إلى هويات بديلة تقسم المجتمع. فالأمة التي تتوزع بين انتماءات دينية وحزبية متصارعة تفقد قدرتها على اتخاذ موقف موحد، وتصبح عرضة للتدخلات الخارجية التي تستغل هذه الانقسامات.

لذلك، فإن الدور الصحيح للأديان والأيديولوجيات هو أن تكون رافعة أخلاقية وثقافية، لا أدوات صراع سياسي.

وقوميا فإن الهوية الكوردية يجب أن تبقى الهوية الجامعة . الدين يحمي الأخلاق، والأيديولوجيا تنظم الفكر، لكن القضية القومية هي التي تحمي الوجود. وإذا لم تضبط العلاقة بين هذه العناصر، فإن الشعب الكوردي سيجد نفسه أمام صراعات داخلية يضعفه بدل أن تقويه.

كما لا ننسى أن المجتمع الكوردي بطبيعته مجتمع متنوع: مسلمون، إيزيديون، مسيحيون، زردشتيون، علويون، علمانيون، وطنيون، يساريون، ليبراليون. هذا التنوع ليس تهديدا بل مصدر قوة إذا أُدير بحكمة. فالأمم القوية هي التي تستثمر تنوعها لا التي تخشاه، لكن هذا يتطلب وعيا سياسيا يمنع أي طرف من فرض رؤيته على الآخرين.

ومن منظور ديني، فإن الدين جاء ليهدي الناس، لا ليقسمهم. والرسالة الأخلاقية للدين يجب أن تكون عامل تهدئة، لا عامل تعبئة ضد الآخر.

أما الأيديولوجيات فدورها أن تنظّم العمل السياسي، لا أن تتحول إلى جدران تفصل أبناء الأمة الواحدة.

إن الدور الحقيقي للأديان والأيديولوجيات في خدمة الأمة الكوردية يمكن تلخيصه في ثلاث نقاط أساسية:

- أولا: أن تكون مصدرا للقيم التي تعزز التماسك الاجتماعي، لا سببا للانقسام. 

- ثانيا: أن تستخدم كأدوات لبناء الوعي، لا كوسائل لفرض الهيمنة أو احتكار القرار. 

- ثالثا: أن تضبط ضمن إطار قومي واضح، بحيث تبقى الهوية الكوردية هي السقف الذي يجمع الجميع.

إذا نجحنا في ذلك، فإن الدين سيبقى قوة أخلاقية، والأيديولوجيا ستبقى أداة تنظيم، والأمة الكوردية ستبقى موحدة وقادرة على مواجهة التحديات. أما إذا فشلنا، فإننا سنجد أنفسنا أمام صراعات داخلية تضعف القضية وتفتح الأبواب أمام الآخرين للتدخل في شؤوننا.

Top