• Monday, 27 April 2026
logo

سياسة إدارة القلق

سياسة إدارة القلق

محمد ديب أحمد

في الأدبيات السياسية التقليدية يُنظر إلى توسيع الصراعات الخارجية بوصفه قراراً استراتيجياً تتخذه الدول عندما تمتلك فائض قوة أو تسعى إلى تحقيق مكاسب جيوسياسية واضحة ، غير أن سلوك بعض الأنظمة في الشرق الأوسط يوحي أحياناً بمعادلة مختلفة :

 فالتصعيد الخارجي لا يأتي دائماً نتيجة فائض قوة ، بل قد يكون في كثير من الأحيان انعكاساً لفائض قلق في الداخل .

هذا النمط من السلوك السياسي يظهر عادة عندما تواجه الأنظمة أزمات داخلية معقدة ، اقتصادية كانت أم اجتماعية أم سياسية ؛ ففي مثل هذه اللحظات يصبح البحث عن أدوات لإدارة التوتر الداخلي مسألة ملحّة ، وقد يتحول الصراع الخارجي إلى وسيلة غير مباشرة لإعادة ترتيب الأولويات داخل المجتمع .

والصراع بطبيعته ، يخلق حالة من التعبئة الجماعية .. ومع تصاعد التوتر الخارجي تتجه الأنظار تلقائياً إلى ما يُنظر إليه بوصفه تهديداً أكبر ، بينما تتراجع النقاشات اليومية المرتبطة بالأزمات الداخلية .

 وهكذا يتحول الصراع إلى ما يشبه آلية لإعادة توجيه الانتباه العام .

هذه الظاهرة ليست جديدة في التاريخ السياسي .

 فقد شهد العالم في مراحل مختلفة حالات استخدمت فيها الحكومات التوتر الخارجي كوسيلة لتعزيز التماسك الداخلي أو لتأجيل مواجهة أزمات متراكمة .

وفي بعض تجارب أمريكا اللاتينية خلال العقود الماضية ، لجأت أنظمة سياسية تواجه ضغوطاً داخلية إلى تصعيد الخطاب الخارجي أو الدخول في نزاعات إقليمية محدودة ، أملاً في إعادة توجيه المزاج العام نحو ما يُصوَّر بوصفه تهديداً وطنياً .

غير أن هذه السياسة، رغم فعاليتها المؤقتة، تحمل في داخلها مفارقة واضحة : 

فهي قد تخفف الضغط الداخلي في المدى القصير، لكنها في الوقت نفسه تخلق ضغوطاً جديدة على الدولة في المدى البعيد . 

والصراعات الخارجية ، خصوصاً عندما تتحول إلى حالة شبه دائمة ، تستهلك الموارد الاقتصادية وتعيد تشكيل أولويات الدولة بطريقة قد لا تكون مستدامة . 

كما أنها قد تدفع المجتمعات إلى حالة من التوتر المستمر ، حيث يصبح الاستقرار السياسي رهينة لمعادلات إقليمية متقلبة .

في الشرق الأوسط تبدو هذه المفارقة أكثر وضوحاً .

 فالمنطقة تعيش في بيئة جيوسياسية شديدة التعقيد ، تتداخل فيها النزاعات الإقليمية مع الأزمات الداخلية للدول . وفي مثل هذا السياق يصبح من السهل توظيف الصراعات الخارجية في الخطاب السياسي الداخلي .وغالباً ما يتزامن التصعيد الإقليمي في بعض اللحظات مع فترات ضغط اقتصادي أو سياسي داخل عدد من الدول ، الأمر الذي يجعل الحدود بين السياسة الخارجية وإدارة التوازنات الداخلية أقل وضوحاً .

لكن المشكلة الأساسية في هذه المعادلة تكمن في الخلط بين إدارة الأزمات وإدارة القلق ؛ فإدارة الأزمات تعني البحث عن حلول حقيقية للمشكلات البنيوية داخل الدولة ، حتى وإن كانت هذه الحلول صعبة ومكلفة سياسياً .  أما إدارة القلق فتعني ببساطة تأجيل المشكلة أو نقلها إلى مستوى آخر .

وعندما تتحول السياسة إلى عملية دائمة لإدارة القلق ، يصبح الصراع الخارجي أشبه بأداة لتأجيل الأسئلة الصعبة التي يطرحها الداخ. غير أن هذه الأسئلة لا تختفي ؛  بل تعود في لحظة ما بشكل أكثر إلحاحاً .

والتاريخ السياسي مليء بالأمثلة على دول حاولت الهروب من أزماتها الداخلية عبر توسيع دائرة الصراع الخارجي . وفي كثير من الحالات انتهت هذه السياسات إلى نتائج معاكسة ، حيث وجدت الدول نفسها أمام أعباء إضافية تفوق قدرتها على الاحتمال .

وفي النهاية ، لا يمكن لأي سياسة خارجية ـ مهما كانت نشطة أو صاخبة ـ أن تعوض غياب السياسة في الداخل . فالدول المستقرة لا تحتاج إلى صراعات دائمة كي تحافظ على تماسكها الداخلي ، بل تعتمد على مؤسسات فعّالة واقتصاد قادر على توفير الاستقرار الاجتماعي .أما عندما تصبح الجبهات الخارجية الوسيلة الأساسية لإدارة التوتر الداخلي ، فإن السياسة تتحول تدريجياً من إدارة المصالح إلى إدارة القلق . 

وعند تلك اللحظة يصبح السؤال الحقيقي ليس كيف تُدار الصراعات ، 

 بل لماذا أصبحت ضرورية أصلاً؟

 

 

 

 

Top