• Friday, 17 April 2026
logo

لن يخضع اقليم كوردستان

لن يخضع اقليم كوردستان

خالد الدبوني

في خضم الأحداث الساخنة التي تمر بها المنطقة اليوم وفي ظل تصاعد الصراع الايراني الأميركي يتعّرض إقليم كوردستان الى أكبر موجة هجمات صاروخية وجوية عصفت بالإستقرار السياسي والأمني والذي طالما كان الميزة الأهم الذي يتمتع به الاقليم دون سواه في باقي المناطق العراقية الاخرى.

وهذا الإستهداف ليس وليد اليوم إنما بدأ من السنوات السابقة، نعم كانت هجمات منفردة أستهدفت حقول نفط وقواعد أميركية أما اليوم فمن الواضح أن كوردستان تقع تحت ضغط مزدوج: ضغط أمني يتمثل في الهجمات المتكررة بالطائرات المسيّرة والصواريخ، وضغط إقتصادي نتيجة الخلافات المالية مع الحكومة الاتحادية في بغداد. فقد تعرّضت موازنة إقليم كوردستان إلى قطع أو تأخير مرات عديدة خلال السنوات الماضية، مما أدى إلى أزمات مالية أثرت بشكل مباشر على المواطنين والخدمات العامة. ومع ذلك، أستمر الإقليم في الاستثمار والبناء ومحاولة الحفاظ على الاستقرار الداخلي.

السؤال الذي يطرحه كثير من المراقبين اليوم هو: لماذا يُراد لإقليم كوردستان أن يكون طرف في صراع لا ناقة له فيه ولا جمل؟.

جزء من الإجابة يتعلق بالجغرافية السياسية، فالإقليم يقع عند تقاطع مصالح عدة قوى إقليمية ودولية، ويستضيف أيضاً وجوداً عسكرياً لقوات التحالف الدولي قرب مطار أربيل. وقد أشارت تقارير إلى أن جزءاً من القوات الأميركية في العراق يتركز في الإقليم ضمن مهام التحالف ضد تنظيم داعش. هذا الوجود يجعل الإقليم، في نظر بعض الفصائل المسلحة المرتبطة بمحاور إقليمية، هدفاً للضغط غير المباشر على الولايات المتحدة.

لكن هناك بعداً آخر لا يقل أهمية. فاستقرار إقليم كوردستان ونموه الإقتصادي يشكلان، في نظر بعض أحزاب السلطة، نموذجاً سياسياً مختلفاً عن بغداد ولطالما يتساءل أهل بغداد لماذا لا نحصل على نفس البنى التحتية الموجودة في كوردستان؟ ولماذا لا نحصل على تنمية وتطور مماثل لما يحدث هناك؟.

هذه التساؤلات وغيرها تتكرر من وقت الى آخر. وقد تعّرض الإقليم خلال السنوات الماضية لعشرات الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بعضها أستهدف قواعد عسكرية للتحالف الدولي، بينما طال بعضها الآخر منشآت مدنية أو اقتصادية.

مع ذلك، بقيت قيادة الإقليم قائمة على محاولة تجنب الانخراط في صراعات المحاور بالاعتماد على الموروث السياسي والخبرة السياسية والعسكرية المتراكمة لأكثر من نصف قرن من الزمان.

فقد حاولت القيادة السياسية في أربيل مراراً التأكيد على أن الإقليم ليس طرفاً في أي مواجهة إقليمية، وأن أراضيه لا ينبغي أن تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات.

ويبقى السؤال المشروع: هل يُعاقَب إقليم كوردستان لأنه يحاول أن يكون مساحة للإستقرار في منطقة تعيش على إيقاع الحروب؟.

رغم كل الضغوط، يواصل إقليم كوردستان محاولة الحفاظ على ما بناه خلال العقود الماضية: تجربة سياسية تسعى إلى قدر من الاستقرار داخل عراقٍ لايزال يبحث عن توازنه. وقد لا يكون هذا المسار سهلاً في منطقة تعيش على وقع الصراعات المستمرة، لكنه يعكس إرادة سياسية واجتماعية ترى في الاستقرار خياراً استراتيجياً لا مجرد ظرف مؤقت.

التأريخ الكوردي، الممتد عبر أكثر من نصف قرن من المآسي والتحولات، يثبت أن هذه الأرض دفعت أثماناً باهظة من الدم والدموع، وصولاً إلى آلاف الشهداء الذين سقطوا في مواجهة تنظيم داعش دفاعاً عن العراق والمنطقة. ومع ذلك، لم تتحول هذه التجربة إلى دعوة للحرب، بل إلى محاولة لبناء مساحة من التعايش السلمي.

ومازال العراقيون يتذكرون كرم الضيافة ومروءة الأخلاق في إستقبال النازحين واللاجئين والهاربين من ارهاب داعش في 2014 وقدّمت كوردستان كل ما تستطيع فعله كملاذ آمن لكل العراقيين، بل وحتى الجيران السوريين.

كوردستان لن تخضع للضغوط، ولن تتوّرط في حرب لا تعنيها أبداً، وسينأى قادتها بالشعب من ويلات الحرب وكوارثها الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.

 

 

 

روداو

Top