باريس تعزز حضورها العسكري في الخليج والمتوسط وتنشط اتصالاتها الدبلوماسية
لا تريد باريس أن تبقى على الهامش في الحرب الدائرة منذ السبت الماضي بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ثانية، والسبب أن لديها مصالح وصداقات واتفاقيات دفاعية في منطقة الخليج وفي المتوسط الشرقي.
ولأن باريس حريصة، كما قال الرئيس إيمانويل ماكرون في الكلمة المتلفزة التي ألقاها، مساء الاثنين، «على مصداقيتها، فإنها بادرت باتخاذ مجموعة من الخطوات التي تبرز جديتها. إلا أنها بالمقابل، تريد أن يعرف الجميع أنها لم تشارك في الهجمات الأميركية – الإسرائيلية، وأنها لم تكن على علم بها، وأنها خصوصاً لا تؤيدها ولا تدعمها. وحرص ماكرون على التأكيد مجدداً أن العمليات العسكرية الأميركية - الإسرائيلية «نفذت خارج إطار القانون الدولي، وهو أمر لا يمكننا الموافقة عليه».
«مضبطة اتهام» بحق إيران
بيد أن ذلك لا يكفي على ما يبدو لأن تذهب فرنسا إلى حد التنديد بما قام به «الحليف» الأميركي و«الصديق» الإسرائيلي، وهو الموقف العام الذي التزمت به دول الاتحاد الأوروبي التي لم يصدر عن مفوضيتها أي بيان بهذا الشأن باستثناء ما صدر عن إسبانيا على لسان رئيسها أو على لسان وزير خارجيتها. والسبب أن باريس تحمل إيران مسؤولية الدفع إلى اللجوء إلى القوة العسكرية.
فإيران، كما قال ماكرون، «طوّرت برنامجاً نووياً خطيراً وقدراتٍ باليستية غير مسبوقة، وهي التي سلّحت ومَوّلت جماعات إرهابية في البلدان المجاورة، مثل (حزب الله) في لبنان، والحوثيين في اليمن، والميليشيات الشيعية في العراق، كما دعمت حركة (حماس)، وأعلنت دائماً هدفها المتمثّل في تدمير دولة إسرائيل. كذلك، فإن مفاوضاتها مع الجانب الأميركي لم تعد تُحرز أيّ تقدّم، فضلاً عن أنها أصدرت، مرة أخرى، في يناير (كانون الثاني) الماضي، الأمر بإطلاق النار على شعبها».
وبكلام آخر، فإن «مضبطة الاتهام» الثقيلة بحق طهران تبرر بمعنى ما، ألا تذهب باريس وغيرها من العواصم الأوروبية إلى إدانة ما تقوم به واشنطن وتل أبيب. وخلاصة ماكرون أن «التاريخ لا يذرف الدموع على جلادي شعوبهم، ولن يأسف على أيٍّ منهم»، في إشارة إلى مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وغيره من كبار المسؤولين الإيرانيين.
في الأيام الأربعة الأخيرة، قام ماكرون ووزير خارجيته جان نويل بارو بحملة اتصالات واسعة شملت العواصم المعنية الرئيسية، بدءاً بواشنطن وتل أبيب والعواصم الخليجية والأوروبية. ورغم أن مصادر فرنسية رفيعة المستوى ترى أن الشريكين الأميركي والإسرائيلي منخرطان في عمليات عسكرية واسعة، وليستا في وارد الاستماع لمن يدعو إلى تغليب الحل الدبلوماسي التفاوضي، فإن ماكرون، بالتشارك مع رئيس الوزراء البريطاني والمستشار الألماني «أوضحوا بجلاء أن وقف الضربات في أسرع وقت ممكن أمرٌ مرغوب فيه، وأن السلام الدائم في المنطقة لن يتحقق إلا من خلال استئناف المفاوضات الدبلوماسية». بيد أن المصادر الفرنسية تؤكد سلفاً أن دعوة كهذه لن تلقى آذاناً مصغية نسبة للخطط العسكرية وللأهداف غير الواضحة أميركياً وإسرائيلياً.
حراك باريس دبلوماسياً وعسكرياً
إزاء هذه المعطيات، كان على باريس أن تتحرك «ميدانياً». وقد تم ذلك من خلال ما أعلنه ماكرون من تعزيز القدرات العسكرية لبلاده في منطقتي الخليج والمتوسط الشرقي نظراً لارتباطها باتفاقيات دفاعية مع الكويت والإمارات وقطر ومع قبرص منذ العام الماضي. يضاف إلى ما سبق، الأردن والعراق (كردستان) اللذين تربطهما علاقات دفاعية خاصة مع باريس.
وأفادت مصادر فرنسية بأن دولاً خليجية طلبت المساعدة من فرنسا التي شاركت طائراتها في التصدي للمسيرات الإيرانية. وفي هذا السياق، عجلت قيادة الأركان الفرنسية بطلب من ماكرون، بتعزيز الحضور العسكري من خلال إرسال طائرات رافال إضافية إلى منطقة الخليج (الإمارات)، حيث أصيبت قاعدتان تشغلهما فرنسا منذ سنوات إضافة إلى أنظمة دفاع جوي ورادات متنقلة.
ولأن فرنسا تعتبر أن إحدى الأولويات، محلياً، تكمن في ضمان حرية الملاحة البحرية، فإنها تعمل على «بناء تحالف» يتولى توفير الوسائل «بما فيها تلك العسكرية»؛ لضمان أمن «الممرات البحرية الحيوية للاقتصاد العالمي»، كمضيق هرمز وقناة السويس وباب المندب والبحر الأحمر. وامتنعت المصادر الفرنسية عن كشف هوية الدول التي يمكن أن تنضم لهذا التحالف.
الشرق الاوسط
