• Wednesday, 11 February 2026
logo

الرئيس بارزاني وثِقَل القيادة الكوردية

الرئيس بارزاني وثِقَل القيادة الكوردية

د. فيصل صادق توفيق

من كركوك إلى عفرين وشنكال… قراءة في إدارة الخسارة وحماية ما تبقّى

عندما أتأمل المحطات الكبرى التي مرت بها القضية الكوردية في العقد الأخير، أجد نفسي أمام سؤال جوهري طالما شغلني وشغل بال الكثير من المحللين السياسيين الا وهو : هل تُقاس القيادة بالانتصار أم بالقدرة على حماية المعنى حين تتراجع القوة؟ من هنا أستحضر ما ذهب إليه ماكس فيبر حين ميّز بين “أخلاق القناعة” و“أخلاق المسؤولية”، معتبرا أن القائد الحقيقي هو من يتحمل تبعات قراره في عالم غير مثالي. ومن هذا المنطلق، أقرأ تجربة الرئيس مسعود بارزاني في كركوك وعفرين وشنكال بوصفها ممارسة قيادية في بيئة تُجبر القائد على الاختيار بين خيارات كلّها مكلفة.

بداية ابدأ بكركوك (بوصفها أم القضايا المحورية بين الكورد والحكومات العراقية المتعاقبة) ففي عام 2017، لا أتعامل مع الاستفتاء باعتباره خطأً أو صوابا تقنيا، بل بوصفه فعلا سياسيا ذا طبيعة رمزية، وهو ما ينسجم مع ما أكّد عليه جان جاك روسو حين ربط الشرعية السياسية بالتعبير الحر عن الإرادة العامة. هذا المعنى عبر عنه الرئيس مسعود بارزاني بوضوح قبل الاستفتاء، حين قال في مقابلة صحفية بتاريخ 22 أيلول 2017: “الاستفتاء حق طبيعي لشعب كوردستان، ولن نفرضه على أحد، لكننا لا نستطيع حرمان شعبنا من حقه في التعبير عن إرادته”.

وإصراره على منح الشعب الكوردي فرصة التعبير عن خياره، رغم معرفته المسبقة بحجم الرفض الإقليمي والدولي، يندرج ضمن هذا الفهم للشرعية، حيث تصبح الإرادة الشعبية قيمة بحد ذاتها، حتى إن لم تُترجم فورا إلى مكاسب ملموسة. وبعد خسارة كركوك، لم يلجأ إلى خطاب الإنكار أو التبرير، بل قال في خطابه المؤرخ 7 تشرين الثاني2017 معلنا عدم ترشحه مجددا: “ لن أندم أبدًا على أنني منحت شعبي فرصة أن يقول كلمته”. هذا الموقف يجسّد ما وصفه ريمون آرون بـ“واقعية المسؤولية”، أي القدرة على تحمل نتائج القرار دون التخلّي عن جوهره. هنا لا أسقط في تمجيد القرار ولا في جلد الذات، بل أرى في كركوك مثالا حيا على أن الحقوق التي لا تحميها وحدة داخلية تتحول إلى أوراق تفاوض بيد الآخرين.

اما في عفرين، فتتجلى أمامي فكرة القيادة في بعدها الأخلاقي أكثر من بعدها الإجرائي. حين اندلعت العمليات، العسكرية مطلع عام 2018، عبر الرئيس مسعود بارزاني في 24 كانون الثاني 2018 عن موقفه بقوله:” نرفض استهداف المدنيين في عفرين، وندعو جميع الأطراف إلى ضبط النفس وتغليب الحلول السلمية”. هذا الموقف يقترب، في جوهره، من التصور الذي قدّمه مايكل وولزر حول “الأخلاق في زمن الحرب”، حيث تصبح حماية المدنيين معيارا لشرعية أي موقف سياسي، حتى في ظل اختلال ميزان القوة. الامتناع عن الخطاب التعبوي لا يعني غياب القيادة، بل يعكس وعيا بما يسميه هنري كيسنجر “حدود القوة الصغيرة في نظام دولي تحكمه المصالح الكبرى”. من هذا المنظور، لا أقرأ موقف البارزاني في عفرين باعتباره موقف المتفرج، بل موقف القائد الذي يدرك أن توسيع المواجهة دون أفق سياسي قد يحول القضية إلى استنزاف دائم.

أما شنكال، فهي المحطة التي أجد فيها المعنى الأخلاقي للقيادة في أوضح صوره. فالإبادة الجماعية التي تعرّض لها الإيزيديون وضعت الجميع أمام اختبار أخلاقي قبل أن يكون سياسيا. ففي الذكرى السنوية للجريمة، قال الرئيس مسعود بارزاني في بيان رسمي بتاريخ 3 آب 2022: “ما جرى في شنكال جريمة إبادة جماعية، وجراحها ما زالت مفتوحة في ضمير الإنسانية”. تحذيره المتكرر من عسكرة شنكال وتعدد القوى المسلحة ينسجم مع ما ذهبت إليه حنّة آرندت حين ربطت العنف بفشل السياسة، واعتبرت أن انتشار السلاح مؤشر على غياب الفضاء السياسي المشترك. كما أكّد عليه البارزاني في أكثر من مناسبة، منها تصريح في 10 تشرين الأول 2020، أن: “إنقاذ شنكال لا يكون بتعدد القوى، بل بعودة الشرعية وحماية أهلها الحقيقيين”. دعمه لإعادة شنكال إلى إطار الشرعية الدستورية لا يمكن قراءته فقط كخيار إداري، بل كقناعة بأن العدالة لا تتحقق في الفراغ، وأن المأساة حين تُفصل عن مشروع الاستقرار تتحول إلى جرح مفتوح قابل للاستغلال.

من خلال هذه النماذج الثلاثة، أصل إلى تصور للقيادة الكوردية يقترب مما سمّاه أنطونيو غرامشي “القيادة التاريخية”، أي القدرة على الجمع بين الوعي بالواقع والحفاظ على الأفق. الرئيس مسعود بارزاني، في هذه المحطات، لا يظهر كقائد انتصارات سهلة، بل كقائد يدير الخسارة بأقل كلفة ممكنة، ويحاول منع تحوّل الإخفاق التكتيكي إلى هزيمة استراتيجية.

اليوم، وإننا اذ نتابع ما يجري في غرب كوردستان، أجد أن دروس كركوك وعفرين وشنكال تعود بقوة. فالنظام الدولي، كما وصفه هانس مورغنثاو، لا تحكمه العدالة بل المصالح، ومن لا يمتلك مشروعا سياسيا موحدا يصبح أول ضحاياه. هنا تتجلى قيمة القيادة الكوردية لا في قدرتها على تحدي الجميع، بل في قدرتها على حماية جوهر القضية وسط عالم لا يقدم ضمانات دائمة.

 خلاصتي أن الرئيس بارزاني، في هذه التجارب، يجسّد نمطا من القيادة الكوردية التي تتحرك بين المبدأ والواقع، بين الحلم القومي وحدود الممكن. وهي قيادة لا تُقاس فقط بما حققته، بل بما حالت دون ضياعه. فالتاريخ، في نهاية المطاف، لا يخلّد القادة الذين ربحوا كل المعارك، بل أولئك الذين حافظوا على المعنى عندما كان مهددا بالانكسار.

 

 

 

 

Top