• Sunday, 08 February 2026
logo

قراءة سياسية ومالية في تقرير حكومة إقليم كوردستان.. الأرقام التي تكشف جوهر الظلم المالي

قراءة سياسية ومالية في تقرير حكومة إقليم كوردستان.. الأرقام التي تكشف جوهر الظلم المالي

سامان رشيد

لا يقدّم تقرير حكومة إقليم كوردستان للفترة (2005–2025) سردًا إنشائيًا للخلافات المالية، بل يضع أمام الرأي العام وقائع رقمية دقيقة تكشف طبيعة العلاقة المالية المختلّة بين الإقليم والمركز، وتُظهر أن المشكلة لم تكن يومًا تقنية أو محاسبية، بل سياسية في جوهرها.

ينطلق التقرير من مسألة حصة إقليم كوردستان من الموازنة الاتحادية، حيث تعتمد نسبة 12.67% بوصفها الحصة المقررة. إلا أن هذه النسبة، كما يوضح التقرير، أقل من الاستحقاق السكاني الحقيقي للإقليم، إذ تُظهر نتائج آخر تعداد سكاني رسمي أن نسبة سكان إقليم كوردستان تبلغ 14.13% من مجموع سكان العراق. وبذلك يكون الإقليم قد قبل منذ البداية بنسبة أدنى من حقه، في محاولة لتخفيف التوتر السياسي، لا تنازلًا عن استحقاق دستوري.

غير أن جوهر الإشكال لا يكمن في النسبة وحدها، بل في عدم الالتزام بها فعليًا. ففي عام 2023، بلغت الإيرادات الاتحادية نحو 198.9 ترليون دينار، وكان من المفترض، وفق نسبة 12.67% فقط، أن يحصل إقليم كوردستان على ما يقارب 25.2 ترليون دينار. لكن ما استلمه فعليًا لم يتجاوز 16.5 ترليون دينار، ما يعني حرمانه من 8.7 ترليون دينار خلال عام واحد.

هذا الفارق لا يمكن تفسيره بإجراءات إدارية أو تأخيرات فنية، بل يعكس اقتطاعًا فعليًا ومنهجيًا من حصة الإقليم، واستخدامًا للموازنة كأداة ضغط سياسي، لا كآلية توزيع عادلة.

ويضيف التقرير بُعدًا أخطر لهذا الخلل من خلال تسليطه الضوء على آلية الإنفاق الفعلي التي اعتمدتها بغداد بدلًا من التخصيصات المعتمدة في قانون الموازنة. ووفق هذه الآلية، لا تُصرف حصة إقليم كوردستان استنادًا إلى الأرقام المثبتة تشريعيًا، بل تُربط بما تنفقه الوزارات الاتحادية فعليًا في المحافظات الأخرى.

وبموجب هذا النهج، تصبح حصة الإقليم مرهونة بقرارات لا علاقة له بها. فإذا قررت الحكومة الاتحادية تقليل الإنفاق، أو خفّضت تمويل وزارة ما، أو تعطّل مشروع خدمي في الأنبار أو البصرة أو أي محافظة أخرى، فإن النتيجة المباشرة تكون تقليل حصة إقليم كوردستان تلقائيًا، بغضّ النظر عن التزاماته أو حاجاته الفعلية.

كلما انخفض الإنفاق الفعلي، انخفضت حصة الإقليم.

ويكشف التقرير أن هذه الآلية لا تمثل إجراءً ماليًا محايدًا، بل أداة سياسية غير معلنة تفرغ التخصيصات الدستورية من مضمونها، وتحول الموازنة من وثيقة إلزام إلى سقف نظري قابل للتقليص في أي وقت، على حساب إقليم كوردستان.

ويزداد المشهد وضوحًا عند النظر إلى ملف الديون الاتحادية. فالتقرير يبيّن أن إقليم كوردستان يُحتسب عليه 12.67% من الديون العراقية الخارجية، ويشارك في سداد التزامات تشمل قروض البنك الدولي ووكالة JICA وبنك TBI وغيرها. وتبلغ مساهمة الإقليم السنوية في سداد هذه الديون نحو 1.6 ترليون دينار تُقتطع مباشرة من حصته.

في المقابل، لا يتجاوز ما يستلمه الإقليم فعليًا من القروض المخصصة له 62.4 مليار دينار، أي أن ما يدفعه يفوق ما يستلمه بأكثر من 26 ضعفًا، ما يجعل الإقليم ممولًا صافيًا للمالية الاتحادية، لا طرفًا مستفيدًا منها.

وفي الوقت الذي يُطالَب فيه الإقليم بالالتزام الكامل، يكشف التقرير عن تضخم النفقات السيادية في بغداد، من رئاسات متعددة، ومؤسسات مستقلة، وامتيازات ومخصصات وحمايات، وإنفاق لا يخضع لإصلاح حقيقي أو تقشف فعلي. ومع ذلك، لا تُمسّ هذه الأبواب، بينما تُربط رواتب موظفي إقليم كوردستان بالخلافات السياسية، وتُستخدم كورقة ضغط جماعي.

إن هذه المقارنة تكشف ازدواجية واضحة في إدارة المال العام:

تشدد على الإقليم، وتراخٍ في المركز.

التزام صارم عند تحميل الديون، ومرونة مفتوحة عند توزيع الحقوق.

ويخلص التقرير، عبر هذه الوقائع والأرقام، إلى أن إقليم كوردستان قبل بنسبة مالية أقل من وزنه السكاني، وساهم في سداد ديون الدولة، وتحمل أعباء الاستقرار، لكنه حُرم من جزء كبير من مستحقاته المالية. وهو ما يقود إلى خلاصة سياسية لا لبس فيها: المشكلة ليست في الحسابات ولا في القوانين، بل في القرار السياسي الذي يدير المال العام بمنطق الانتقائية، لا العدالة.

 

المقال كتب على ضوء التقرير ادناه:

file:///C:/Users/sherin/Downloads/EdwLdyqPxcdpA5DztjV48RA2LO0eR.pdf

 

 

 

كوردستان24

Top