• Saturday, 31 January 2026
logo

متلازمة العشق والموت

متلازمة العشق والموت

تهيمن أجواء الشجن والفقدان والحنين على أحدث مجموعة وليد خيري القصصية، المعنونة «المنزل» -دار «العين» بالقاهرة- حيث فضاءات الذاكرة التي يستعيد فيها الراوي مشاهد من الطفولة والمراهقة وسنوات الشباب الأولى في أجواء عائلية حميمة تعكس جوهر الحياة ببساطتها ونقائها حين كانت الأمور محملة بالرقة بالمعاني خالية من الصراعات الزائفة واللهاث.

 
تطل ثنائية العشق والموت متلازمةً تحاصر أبطال المجموعة؛ فالموت يلاحق الجميع من أم وأب وجدة، كل من نسجوا علاقات حميمة مع الراوي/الطفل، مصيرهم الرحيل في فضاءات قد تأتي موجعة، أو شفافة تطبع قبلة حانية على الروح لتخفف من ألم الفراق، أما العشق فهو الوجه الآخر الذي يثبت عملياً أن مصير البشر معلق بين الشقاء والسعادة، وما الحياة سوى ركض لاهث نحو أي منهما.

على هذه الخلفية، لا نندهش إذا لاحظ الراوي أنه «في اليوم الذي ماتت فيه جدته، لم يتغير في الغرفة شيء سوى أنها غادرت فراشها للأبد»، أو أن يتم استدعاء الأب الراحل عبر طقوس صغيرة مثلما في قوله: «كلما جمّرت الخبز على نار البوتاجاز، ظهر أبي وأعدّ لنا الإفطار»، وبالتالي من الطبيعي أن يعيد اكتشاف غرفته بعد رحيله قائلاً: «الغرفة الضيقة كانت صغيرة، لكنها حملت موت أبي وبداية روايتي».

جاء البناء الفني لقصص المجموعة معتمداً على التكثيف الشديد، ضربات فرشاة سريعة ترسم ملامح الألم وتحدد بؤرته القصوى في أقل عدد من الكلمات عبر لغة رشيقة، سلسلة ومتدفقة رغم طابعها المقتصد، ثم سرعان ما تأتي النهاية محمَّلة بالمفارقة التي قد ترسم ابتسامة ساخرة على الشفاه بقدر ما توجع الروح وتشعل لهب الحنين.

ومن أجواء المجموعة نقرأ من قصة «هل يمكنك أن تأخذني إلى حلمي»:

«أشرتُ إلى سيارة أجرة، وقلت لقائدها حينما توقف: هل يمكن أن تأخذني إلى حلمي؟»، هزَّ رأسه بالموافقة دون أن يتكلم، وضغط زر تشغيل العداد. أفقت بعد قليل على صوت صراخ مكابح التاكسي، فقد كاد يدهس امرأة غاضبة اعترضت طريق حلمي. أمعنت النظر في العابرة التي أعادت لملمة روحها، قبل أن تحدق فيّ ساخطة، كانت معلمة الدراسات الاجتماعية التي سحبت مني فنجان التفوق الذي سلمتني إياه معلمة اللغة العربية.

قالت لي في بساطة مُذلة ذبحتني: «لا تستحقه»، ثم منحته بكل أريحية لصباح محيي الدين زميلة الصف الرابع الابتدائي بمدرسة الفيروز الابتدائية المشتركة... طلبتُ من السائق أن يستكمل طريقه حتى ناصية مراهقتي، فتطلع في المرآة، وأومأ. طوال الطريق تحاشيتُ أن أختلس النظر إلى لوحة العداد مخافة أن يظنني بخيلاً يحسبها، مجرد عدم النظر يمنحه شعوراً أني سأجزل له العطاء، ويكمل رحلة الأحلام دون تأفف».

 

 

 

الشرق الاوسط

Top