سيادة معلقة.. العراق بين الضغط الأميركي والنفوذ الإيراني
سامان بريفكاني
لم تعد التحذيرات الأميركية بشأن الوضع في العراق مجرد رسائل دبلوماسية عابرة، بل تحولت إلى مؤشرات واضحة على قلق عميق من مسار الدولة العراقية، التي تبدو اليوم عالقة بين ضعف القرار الوطني وتصاعد نفوذ قوى مسلحة تعمل خارج إطار الدولة. ما يجري ليس خلافاً سياسياً تقليدياً، بل اختبار حقيقي لسيادة العراق وقدرته على البقاء دولة فاعلة لا ساحة صراع مفتوحة.
الولايات المتحدة، التي لطالما تعاملت مع العراق باعتباره شريكاً استراتيجياً هشاً، باتت أكثر صراحة في تشخيص المشكلة: سلاح منفلت، تدخل إيراني متزايد، وهجمات متكررة تطال البنية التحتية الحيوية، من الطاقة إلى الاستثمار. وهذه ليست قضايا ثانوية، بل ركائز قيام الدولة الحديثة. حين تعجز الحكومة عن حماية منشآتها الحيوية، فإنها عملياً تفقد أحد أهم مقومات السيادة.
تحذير مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مارك سافايا، من تفكك الدولة العراقية وعزلتها الدولية، لا يمكن التعامل معه بوصفه مبالغة سياسية أو ضغطاً ظرفياً. الرجل وضع إصبعه على الجرح حين تحدث عن "قرارات خاطئة" تتخذها قوى سياسية لا تزال تفضل منطق المحاور على منطق الدولة. فالعراق اليوم أمام فرصة نادرة لإعادة بناء مؤسساته، لكن هذه الفرصة مهددة ما دام السلاح خارج سلطة الدولة، وما دامت الحكومة عاجزة أو مترددة في مواجهته.
الأخطر في المشهد، أن العراق يدفع ثمن صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل. الهجمات على البنية التحتية، خصوصاً في إقليم كوردستان، وآخرها استهداف حقل غاز كورمور، لم تضر بالإقليم وحده، بل ضربت منظومة الطاقة الوطنية، وأرسلت رسالة سلبية لكل مستثمر يفكر بالدخول إلى السوق العراقية. من سيضخ أمواله في بلد لا يستطيع حماية منشآته الحيوية أو محاسبة من يستهدفها؟
لقاءات المسؤولين الأميركيين مع نظرائهم العراقيين، وعلى رأسهم القائم بأعمال السفارة الأميركية جوشوا هاريس ومستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي، تعكس إدراكاً دولياً بأن استمرار هذا الوضع لم يعد مقبولاً. الحديث عن حماية السيادة والبنية التحتية وتعزيز الشراكة ليس ترفاً سياسياً، بل محاولة أخيرة لإبقاء العراق ضمن خارطة الدول القابلة للاستقرار.
المشكلة، من وجهة نظري، لا تكمن في نقص الدعم الدولي، بل في غياب الإرادة السياسية الحاسمة داخلياً. الحكومة الاتحادية ما زالت تتحرك بحسابات توازنات داخلية ضيقة، تخشى الصدام مع الفصائل المسلحة أكثر مما تخشى انهيار ثقة الشارع والمجتمع الدولي. هذا التردد يكلّف العراق كثيراً، ليس فقط اقتصادياً، بل على مستوى سمعته ومكانته الإقليمية.
العراق لا يحتاج إلى مزيد من البيانات ولا إلى طمأنة الخارج بالكلام، بل إلى قرار وطني شجاع يعيد الاعتبار لهيبة الدولة، ويضع السلاح بيد المؤسسات الرسمية وحدها، ويؤسس لعلاقة متوازنة مع الجوار بعيداً عن منطق التبعية. دون ذلك، ستبقى التحذيرات الأميركية تتكرر، وسيبقى العراق يدور في حلقة مفرغة من الأزمات المؤجلة.
في المحصلة، يمكن للعراق أن يكون دولة ذات سيادة حقيقية أو ساحة نفوذ مفتوحة للآخرين. الخيار ليس بيد واشنطن ولا طهران، بل بيد صانع القرار العراقي. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تملك الحكومة الشجاعة لاتخاذ هذا الخيار قبل فوات الأوان؟
