حين يختنق الظلام من نور أربيل
محمد خضر شنكالي
في زمنٍ تتكاثرُ فيه المنابرُ وتتناسلُ فيه الشاشات، ينهض إعلامٌ سيّئ النيّة كظلٍّ باردٍ يطاردُ دفءَ الحقيقة، لا لشيءٍ إلا لأنه أدمن الاعوجاج، وتربّى على أن يرى في إقليم كوردستان خصماً لا كياناً، وغنيمة لا تجربة، وهدفاً لا شريكاً في الوطن. إعلامٌ لا يوفّر جهداً في النفخ على أي شرارة تُقدَّر أن تكون مادّة للنيل من الإقليم، ولا يفوّت فرصةً حتى لو خيطَت من الوهم ليعلّق عليها قصائد الاتهام.
هذا الإعلام، الذي يتزيّن بعباءة الموضوعية، يقتاتُ على التشويه، وينقل معلوماتٍ مغلوطة تُقطّع صلتَها بالواقع كما تُقطع الرياحُ خيوط العنكبوت. وحين تتعلّق الأمور بكوردستان، تراه يتحوّل فجأة إلى قاضٍ متجهّم الوجه، لا يسمع إلا ما يريد، ولا يرى إلا ما يُغذّي رغبته في الطعن والتثريب.
يرفعون لواء النقد وكأنهم حماةُ ما تبقّى من ضمير هذا الوطن، بينما ضمائرهم مغطاة بالرماد.
ويُظهرون أنفسهم حُماةَ الضحايا، بينما ضحايا الأمس القريب لا مكان لذكراهم في نشرات أخبارهم.
واليوم، حين تشتعل الأضواء على ما يحدث في قرية لاجان، ترى هذا الإعلام يغتسل فجأة بماء “الشفقة” ويمتلئ بـ“الإنسانية” المعلّبة التي تُباع مع البثّ المباشر.
يتباكون، يتأوهون، يمدّون أصواتهم كخيوطٍ من ورق، ثم يضعون على رؤوسهم هالاتٍ مصنوعة من ضوءٍ مزيف.
لكنّ السؤال الذي يشقّ صدر الصمت:
أين كانت هذه الهالات حين انهمر الموتُ على حلبجة؟
أين كانت هذه الأصوات حين غُيّب أهل الأنفال في غبار الصحراء؟
أين كانت كاميراتهم حين كان السلاح الكيماوي يأكل لون الربيع من وجه كوردستان؟
لم تكن في أي مكان.
كانت مشغولة بتجميل صمتها، أو بتلميع عتمتها، أو بتبرير موتٍ لم يكن يمكن تبريره.
أما اليوم، فإذا حدثت مشكلة في قرية، أو خلاف في ناحية، أو شرارة في هامش الخبر، تحوّلت فجأة إلى صاعقةٍ إعلامية، ومادةٍ محتشدة بالتحريض والنوايا السوداء.
لماذا؟
لأن الهدف الحقيقي ليس الضحية… بل الإقليم.
ولأن المطلوب ليس العدالة… بل تشويه المسار.
ولأن الرغبة ليست في الإنصاف… بل في إطفاء نورٍ يحاول أن يشقّ طريقه رغم العتمة.
إن هذا الإعلام لا يرى كوردستان كما هي، بل كما يريدها أن تكون:
ساحة مشكلات، لا ساحة بناء.
فضاء صراعات، لا فضاء تنمية.
وطن ناقص، لا وطن يحاول أن يكتمل.
لكن الحقيقة، مهما حاولوا، أقوى من كل هذا التشويه.
الحقيقة أن نور أربيل يُزعج عيوناً تعوّدت على الظلام.
مدينةٌ صارت عنواناً للاستقرار في عالمٍ يتداعى، وجسراً بين البشر في وقتٍ تتكاثر فيه الجدران، ونافذةً مشرعةً على الغد في زمنٍ أُغلقت فيه الأبواب.
إنهم لا يكرهون الإقليم لأنه مخطئ؛ بل يكرهونه لأنه ينجح.
لا يحاربون تجربته لأنها ضعيفة؛ بل لأنها حيّة.
لا يطاردون صوته لأنه مرتفع؛ بل لأنه واضح.
كوردستان ليست بحاجة إلى شهادة أحد، ولا تنتظر من إعلام مأجور أن يمنحها صكّ براءة.
فالأرض التي حملت جراحَ حلبجة ، ودفنت أبناء الأنفال، ووقفت من جديد على قدميها، لا تهزّها نعقُ الغربان، ولا تُطفئ نورَها رياحُ المغرضين.
فليكتبوا ما يشاؤون،
وليُحرّفوا كما يشاؤون،
وليُسخّروا كل أدواتهم،
فالنور لا يعتذر للظلام،
وأربيل لا تخاف من الذين يخافون منها.
