من إمرالي إلى أربيل .. رسالة تبحث عن وساطة
في تقرير نشره موقع "المونيتور" الأميركي، برز تطور لافت في العلاقة المعقدة بين أنقرة و"حزب العمال الكردستاني".
فقد كشف الموقع أن الزعيم المعتقل عبد الله أوجلان وجّه رسالة إلى رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني، دعا فيها إلى المساعدة في إحياء مسار المفاوضات مع الحكومة التركية بهدف إنهاء الحرب المستمرة منذ أربعة عقود.
الكاتب التركي فهيم تاشتَكين، الذي أعدّ التقرير، أشار إلى أن محتوى الرسالة وصل إليه عبر مصدر مقرّب من الحزب، واعتبرها خطوة غير مسبوقة منذ سنوات طويلة من القطيعة السياسية.
ويُعرف تاشتَكين، وهو من أبرز المتابعين لملف العلاقات الكردية – التركية، بقراءته المتأنية لتفاصيل الصراع وبقربه من الدوائر الكردية في أنقرة ودمشق وأربيل، ما يمنح تقريره مصداقية إضافية ويجعل الرسالة موضع اهتمام سياسي واسع.
من لغة السلاح إلى ثقافة الحوار
يرى خضر دوملي، مسؤول دراسات السلام وحل النزاعات في جامعة دهوك، أن الرسالة لا تعبّر فقط عن تحول في فكر أوجلان، بل عن استجابة لمتغيرات دولية دفعت الحزب إلى مراجعة موقعه بعد أن شاهد مصير جماعات مسلّحة خارجة عن سلطة الدولة في المنطقة، مثل «حزب الله» في لبنان و«الحوثيين» في اليمن.
ويضيف دوملي أن الحزب يسعى عبر هذه الرسالة إلى إيصال إشارات للمجتمع الدولي بأنه ماضٍ في دعم عملية السلام، وأن الطريق الأمثل لإثبات ذلك هو فتح صفحة جديدة مع أربيل والحزب الديمقراطي الكردستاني.
ويشير دوملي إلى أن الرسالة ،إذا ما تأكدت، تُبرز أيضاً مكانة أربيل في أي مساومات مقبلة حول الملف الكردي – التركي، موضحاً أن الحزب بدأ يدرك أن الإقليم بات نقطة التقاء بين أطراف إقليمية مؤثرة مثل تركيا والولايات المتحدة، ويمكن عبره تمرير رسائل سياسية أكثر وضوحاً للمجتمع الدولي.
ويتابع:"الرسالة تُترجم رغبة الحزب في الانتقال التدريجي من مرحلة النزاع المسلح إلى مرحلة السلام، وأفضل بداية لذلك هي عبر دور رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني، الذي يمتلك القدرة على فتح قنوات الحوار، وتأكيده الدائم أن لا بديل عن الحوار لحل الخلافات وأن ثقافة الاقتتال الكردي – الكردي انتهت".
نيجيرفان بارزاني .. لغة التوازن والدولة
تضع رسالة أوجلان رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني في موقع الوسيط الطبيعي بين أنقرة والحركة الكردية، ليس بحكم المنصب فحسب، بل استناداً إلى سجل طويل من الدبلوماسية الهادئة.
فمنذ تسلّمه رئاسة الإقليم، حافظ نيجيرفان بارزاني على سياسة توازن دقيقة، يفتح أبواب أربيل أمام أنقرة، لكنه في الوقت نفسه لا يغلقها أمام القوى الكردية المختلفة. يعتمد رئيس الإقليم في مقاربته على منطق الدولة لا الحركة.
فهو يرى أن مصلحة كردستان تكمن في الاستقرار لا في الاصطفاف، وأن الحروب المتكررة على حدود الإقليم تستنزف الاقتصاد والأمن معاً. لذلك، يقرأ مراقبون توجّه أوجلان نحوه، كـ إقرار بقدرة نيجيرفان بارزاني على التواصل مع جميع الأطراف من دون أن يبدو منحازاً لأيٍّ منها.
ويستمد نيجيرفان بارزاني قوته التفاوضية ليس فقط من موقع أربيل الجغرافي والسياسي، بل أيضا من شبكة علاقات دولية وإقليمية نسجها عبر سنوات من الدبلوماسية الهادئة، إضافة إلى ذلك فإن أربيل تًعدّ مركزاً اقتصادياً نشطاً مرتبط بتركيا، وفي الوقت نفسه، نافذة للولايات المتحدة على الداخل العراقي والسوري. هذا التوازن يجعل من الإقليم، بقيادته الحالية، أحد أكثر العناوين قبولاً لبدء حوار فعلي حول الملف الكردي التركي، إذا ما توافرت الإرادة السياسية من الجانبين.
رسائل ما بعد الحرب
توقيت الرسالة لا يقل أهمية عن مضمونها. ففي الوقت الذي تواجه فيه أنقرة ضغوطاً داخلية واقتصادية متزايدة بسبب استمرار العمليات العسكرية في شمال العراق وسوريا، يبدو أن الحزب أيضاً يعاني من تشتت في قراره الداخلي بعد أن تعددت أذرعه الميدانية في أكثر من ساحة.
ويرى محللون أن أوجلان، من داخل سجنه في جزيرة إمرالي، أراد عبر هذه الخطوة إعادة ضبط البوصلة السياسية للحزب، وإرسال إشارة بأن طريق السلاح لم يعد مجدياً، وأن أربيل "بما تمتلكه من توازن سياسي واقتصادي" هي الجهة الأقدر على تحريك أي مسار تفاوضي جديد.
أذرع الحزب وتعقيدات الطريق
لكنّ الطريق إلى سلام فعلي ما زال مليئاً بالعقبات. ففرعا الحزب في سنجار شمال العراق وشمال شرق سوريا لم يبديا أي تجاوب مع مبادرة أوجلان، مؤكدين أن المفاوضات بين أنقرة والقيادة المعتقلة "لا تعنيهما". هذا الرفض يعكس حجم الانقسام داخل البنية التنظيمية لـحزب العمال، ويضعف من فرص أي اتفاق سريع.
كما أن شروط أنقرة الصارمة لعودة عناصر الحزب إلى الداخل التركي تثير مخاوف لدى القواعد الكردية، خصوصاً أن الحكومة التركية تصرّ على تفكيك «قوات سوريا الديمقراطية» ودمجها في المؤسسة العسكرية السورية، وهو ملف متشابك دولياً ويصعب حسمه قريباً
أربيل.. من الهامش إلى مركز الوساطة
ورغم تلك التحديات، يعتقد مراقبون أن إقليم كردستان يمتلك موقعًا مؤهلًا للوساطة الهادئة، بفضل علاقاته المتوازنة مع أنقرة وبغداد ودمشق، واستقراره السياسي مقارنة ببقية المناطق الكردية. فنيجيرفان بارزاني بنهجه العملي الهادئ أعاد تعريف الدور الكردي في الإقليم من كونه طرفاً في النزاع إلى كونه عنصر استقرار يسعى إلى حماية المصالح الكردية والإقليمية في آنٍ واحد.
الرسالة القادمة من إمرالي قد لا تفتح باب السلام فوراً، لكنها تضع أربيل مجدداً في قلب الحدث الكردي – التركي، وتمنحها فرصة لتأكيد دورها كصوت عقلاني يسعى إلى إخماد واحدة من أطول الحروب في المنطقة، لا عبر الخنادق، بل عبر السياسة والدبلوماسية.
روداو
