الله خلقني كوردي.. فهل أحتاج إذنًا لأعيش بحرية؟
سامان بريفكاني
الله خلقني كوردي، لا بيدي ولا بقرار من أحد. خلقني كورديًا كما خلق غيري عربيًا أو تركيًا أو فارسيًا، فكيف يتحول هذا الانتماء الطبيعي إلى تهمة؟ أليست الكرامة حقًا يولد مع الإنسان قبل أن تمنحه إياه أي سلطة؟ لماذا يُعامل الكوردي وكأنه كائن فائض في الجغرافيا، لا وطن له إلا في الحلم، ولا هوية له إلا حين يُستدعى وقودًا لحروب الآخرين؟
أن تكون كورديًا يعني أن تحمل هوية ضاربة في عمق التاريخ، من ميديا إلى جبال زاكروس، من صلاح الدين الأيوبي إلى البيشمركة الذين كتبوا بدمائهم سطور الكرامة. ولكنها أيضًا تعني أن تعيش قرونًا من الإنكار، وأن تُقَسَّم أرضك بين أربع دول دون أن يُسأل شعبك عن رأيه، وأن تبقى أمتك الموزعة تحلم بالجمع من جديد تحت راية الحرية.
منذ أن رسمت اتفاقية سايكس–بيكو حدود الشرق الأوسط، وُضع الكورد على هامش الخرائط. لم يكن في الأمر صدفة، بل حسابات سياسية باردة أبعدتهم عن حقّهم في تقرير مصيرهم. ومنذ ذلك الحين، خاض الكورد نضالات طويلة ضد الظلم والإقصاء، لا ليعتدوا على أحد، بل ليؤكدوا ببساطة أنهم موجودون، وأن الوجود ليس جريمة.
ورغم كل محاولات الطمس، بقيت الهوية الكوردية صلبة مثل جبالها. لم تذب في الثقافات المفروضة عليها، ولم تُمحَ من الذاكرة. ظلت اللغة الكوردية تنبض في الأغاني والقصائد والبيوت، وبقيت الأزياء والأعلام رموزًا لعزةٍ لا تموت، لأن الكورد تعلموا أن من يفقد لغته يفقد نفسه، ومن يصمت أمام الظلم يوقّع على موته البطيء.
الكوردي إذا أراد الحرب، فهو قادر عليها. لقد أثبت عبر التاريخ أنه مقاتل شرس حين تُمسّ كرامته أو تُغتصب أرضه. من ثورات الجبال إلى معارك الدفاع عن كوباني وكركوك، أثبتت التجارب أن الكورد لا يهابون الموت عندما يكون الخيار بين العبودية والحرية، لكن المفارقة أن هذه القوة لم تُكسبهم حقوقهم، بل كثيرًا ما كانت سببًا في مزيد من الغبن. كل مرة يرفع الكوردي رأسه مطالبًا بحقّه، يُتهم بالانفصال، وكل مرة يدافع عن نفسه، يُعاقَب وكأنه الجاني. وكأن المطلوب من الكورد أن يظلوا صامتين كي يرضى عنهم العالم.
القضية الكوردية لم تكن يومًا قضية سلاح، بل قضية عدالة. فالشعوب التي تُجبر على القتال ليست من عشاق الحرب، بل من ضحاياها. الكورد يعرفون أن السلام لا يُصنع بالرصاص، لكنه لا يتحقق أيضًا بالسكوت عن الحق. لذلك يبقى خيارهم هو التمسك بالكرامة، سواء في السلم أو في الحرب.
لم يبدأ التاريخ الكوردي بصلاح الدين الأيوبي، بل سبقه قادة وأبطال تركوا بصماتهم على صفحات التاريخ الإنساني. من بينهم مدحت بن نصر الدين الكوردي الذي قاد ثورات ضد السيطرة الفارسية، وجوانرو الذي عرف بشجاعته في الدفاع عن مناطق الجبال الكوردية. كما لا يمكن نسيان الملك كاوه الحداد، الرمز الأسطوري الذي جسّد روح المقاومة ضد الظلم، وظل حتى اليوم رمزًا للحرية في الذاكرة الكوردية. هؤلاء القادة وغيرهم مهدوا الطريق لصلاح الدين الأيوبي، الذي جمع بين البطولة والسياسة، وجعل من راية الكورد راية للكرامة والانتصار.
وفي التاريخ الحديث، كان الزعيم مصطفى البارزاني، قائد الثورة الكوردية، مدرسةً في الشجاعة والصبر والإصرار على الحقوق. حمل على عاتقه حلم أمة، وجعل من جبال كوردستان معقلاً للكرامة والحرية، فكان رمزًا للنضال الوطني ليس للكورد فقط، بل لكل الشعوب الباحثة عن العدالة. وبعده، واصل الرئيس مسعود بارزاني المسيرة بخطى ثابتة وعقلية سياسية متوازنة، استطاع أن يحوّل إرث الثورة إلى مشروع دولة مؤسسات، جامعًا بين الواقعية السياسية والتمسك بالهوية القومية. لقد شكّل البارزانيان، الأب والابن، جسرًا بين التاريخ والمستقبل، بين الكفاح المسلح والدبلوماسية، ليبقى الحلم الكوردي مشتعلاً مهما تبدلت الأزمنة والسياسات.
العالم الذي يتغنى بحقوق الإنسان يقف صامتًا أمام واحدة من أطول القضايا القومية في العصر الحديث. اليست هذه ازدواجية؟
تُقام دول جديدة كل عقد، تُفتح لها السفارات وتُرفع أعلامها، فقط لأن مصالح الكبار اقتضت ذلك. أما حين يطالب الكوردي بحقه، تنهال عليه التهم، "انفصالي" "مثير للفوضى" "خطر على الاستقرار"
أي استقرارٍ هذا الذي يُبنى على إنكار شعبٍ كامل؟ وأي عدالةٍ تلك التي تشرعن الظلم وتدين من يطالب بحريته؟ الكيل بمكيالين في السياسة الدولية جعل الكورد دائمًا وقودًا للمصالح، يُستخدمون وقت الحاجة، ثم يُتركون في مواجهة مصيرهم وحدهم.
الحق لا يُمنح.. بل يُنتزع بالوعي. المسألة ليست عاطفة قومية، بل قضية إنسانية. الكورد لا يطلبون أكثر من أن يكون لهم ما لغيرهم، دولة تحمي لغتهم، وثقافتهم، وتاريخهم، وتمنح أبناءهم شعور الانتماء الحقيقي. هذا الحق ليس منّة من أحد، بل هو من صميم المواثيق الدولية التي تنص على حق الشعوب في تقرير مصيرها.
لكن تحقيق هذا الحق لا يكون بالشعارات وحدها، بل بالوعي، بالوحدة، وبإصرارٍ سياسي يوازن بين الحلم والواقع. لأن العالم لا يحترم إلا من يعرف ماذا يريد ويعمل لأجله بذكاء لا بانفعال.
الكورد باقون رغم كل شيء. قد تتغير الأنظمة، وقد تُعاد رسم الخرائط، لكن الكورد سيبقون، لأنهم لم يكونوا يومًا صدفةً في الجغرافيا، بل جزءًا من روحها وتاريخها.
فكما يحق للعرب والعجم والترك أن يعيشوا تحت راياتهم، يحق للكورد أيضًا أن يحلموا بوطنٍ يجمعهم، يحميهم، ويمنحهم مكانهم الطبيعي بين شعوب الأرض.
الله خلقني كوردي... وهذه ليست جريمة، بل شرف أفتخر به.
ولأنني كوردي، أؤمن أن الكرامة لا تُمنح، بل تُصنع. وأن الحق، مهما تأخر، لا يضيع ما دام وراءه شعب لا يعرف الاستسلام.
هل نسيتم؟ لقد أثبت الكورد للعالم أنهم لا يدافعون عن أنفسهم فقط، بل عن الإنسانية جمعاء. فعندما اجتاحت عصابات داعش الإرهابية المدن، وانهارت جيوش كانت تُعد من الأقوى في المنطقة، كان المقاتل الكوردي " شبابا وشابات " يقف بثبات أمام جبروت التنظيم الذي أرعب العالم. من كوباني إلى سنجار وكركوك، تصدى الكورد لعدو كان يقاتل دون هوادة، وبإيمانهم العميق بالحياة والحرية، فكانوا السد الذي أوقف تمدد الإرهاب حين عجزت دول وجيوش عن الصمود. لقد حمى الكورد العالم من ظلام داعش، لكن العالم لم يحمِهم من ظلم السياسة.
لكن يبقى السؤال الذي يثقل ضمير التاريخ، لماذا يصمت العالم عن أبسط حق يطالب به الكورد؟ أليس من العدل أن تكون لكل أمة دولتها، ولكل شعب رايته التي تعبّر عن هويته وحقه في تقرير مصيره؟ الكورد لم يعتدوا على أحد، ولم يطالبوا إلا بحقهم الطبيعي في أن يعيشوا بسلام فوق أرضهم التي سقوها بدماء الشهداء منذ قرون. ومع ذلك، يقف العالم صامتًا، وكأن العدالة تُقاس بموازين المصالح لا القيم، وبخرائط النفط لا بخارطة الإنسان. إن هذا الصمت ليس حيادًا، بل تواطؤًا ناعمًا ضد أمة لم تعرف إلا الدفاع عن كرامتها.
وفي نهاية المطاف، لا يحتاج الكوردي إلى إذنٍ ليحيا بكرامة، ولا إلى اعترافٍ ليؤمن بوجوده. فهو لم يولد ليكون تابعًا لأحد، بل شريكًا في الإنسانية وصانعًا للتاريخ. لقد وقف أمام الإرهاب حين هربت الجيوش، وحمل راية الحرية حين خذلته السياسات، وظل وفيًّا لأرضه. الكوردي لا يطلب المستحيل، بل يطلب العدالة التي تأخرت، والاعتراف الذي تأجل، والحلم الذي ما زال حيًّا في صدور الملايين.
سيبقى يقول بثقة وهدوء: الله خلقني كوردي... وهذه ليست جريمة، بل قدرٌ أعتز به، وشرفٌ أحمله ما حييت.
