• Monday, 09 February 2026
logo

السنوية الـ 11 لمأساة كوباني.. التغريبة مستمرة والعودة محفوفة بالتحديات

السنوية الـ 11 لمأساة كوباني.. التغريبة مستمرة والعودة محفوفة بالتحديات

بعد الهجوم الدموي لتنظيم داعش على شنگال (سنجار) وارتكاب المجازر بحق الكورد الإيزيديين في أغسطس/ آب عام 2014، شن التنظيم الإرهابي هجومًا آخر على كوباني في غربي كوردستان (كوردستان سوريا)، ما دفع بمئات الآلاف من الأهالي إلى الهجرة القسرية نحو تركيا وإقليم كوردستان وأوروبا وأماكن أخرى بحثًا عن الأمان.

ويصادف الأيام (18 و19و20 و21 من شهر سبتمبر/ أيلول) الذكرى الحادية عشرة لتلك الهجرة الجماعية من كوباني وكذلك من كرى سبي (تل أبيض) عقب هجوم داعش على المنطقة، وهو يوم تستعيد فيه الذاكرة الجماعية مشاهد النزوح المؤلمة وما رافقها من معاناة إنسانية عميقة.

فقد اضطر الآلاف من سكان كوباني إلى ترك منازلهم وأرضهم حفاظًا على حياتهم وحياة أطفالهم، بعدما أصبحت المدينة ساحة حرب شرسة. ولم تتوقف المأساة عند النزوح، بل حصدت الحرب أرواح أعداد كبيرة من المدنيين، تاركة جروحًا مفتوحة في قلوب الناجين وذاكرة لا تمحى من الألم والفقدان.

في الصدد، يقول عدنان بوزان، عضو اللجنة المركزية في حزب يكيتي الكوردستاني - سوريا، من كوباني :«في أيلول من عام 2014، تعرضت مدينة كوباني وريفها لهجوم بربري شنّه تنظيم داعش الإرهابي، في واحدة من أعنف الحملات التي استهدفت المدنيين في تلك المرحلة من الحرب حيث بدأ الهجوم من ثلاثة محاور: محور جرابلس، محور صرين، ومحور كرى سبي، ما أدّى إلى نزوح جماعي للسكّان، هاربين من بطش التنظيم، خاصة بعد المجازر التي ارتكبها داعش بحق المدنيين في شنگال، والتي لا تزال ماثلة في الذاكرة الجماعية».

ويتابع بالقول: «توجه آلاف الأهالي نحو الحدود التركية؛ بعضهم استقر هناك، فيما قرر آخرون مواصلة رحلتهم نحو الدول الأوروبية عبر البحار، بينما اختار كثيرون اللجوء إلى إقليم كوردستان، بحثًا عن الأمان المؤقت».

ويوضح بوزان قائلاً: «في خضم هذا المشهد الإنساني القاتم، شهد العالم حالة تضامن واسعة مع مدينة كوباني. وفي تلك الفترة المفصلية، تم التوصل إلى اتفاق دهوك بين المجلس الوطني الكوردي وحزب الاتحاد الديمقراطي PYD، برعاية الرئيس مسعود بارزاني، والذي مثّل غطاءً سياسيًا مهمًا للتعاون الكوردي المشترك».

ويردف بوزان بالقول: «بدعوة من الرئيس بارزاني، عقد برلمان كوردستان جلسة استثنائية في الثامن من تشرين الأول 2014، وقرر إرسال قوة من البيشمركة إلى كوباني لمساندة وحدات حماية الشعب YPG ووحدات حماية المرأة YPJ في الدفاع عن المدينة».

ويقول بوزان: «مع وصول قوات البيشمركة، بدأ تشكيل التحالف الدولي لمحاربة داعش بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وبمشاركة عشرات الدول العربية والأجنبية. استمرت المعارك داخل كوباني عدة أشهر، ودُمّرت أجزاء كبيرة من المدينة نتيجة الاشتباكات العنيفة والغارات الجوية ضد مواقع التنظيم الإرهابي».

ويذكر أن «ثمرة هذه التضحيات والتحالفات كانت هي تحرير كوباني من براثن داعش، في انتصار اعتُبر رمزًا للصمود والمقاومة في وجه الإرهاب».

ويقول بوزان: «بعد تحرير المدينة، بدأت أعداد من اللاجئين في العودة إلى كوباني وقراها، محملين بالأمل لبداية جديدة. لكن، للأسف، لم تدم هذه العودة طويلًا. ففي صباح الخامس والعشرين من حزيران عام 2015، تعرضت المدينة لهجوم إرهابي وحشي عرف بـ (ليلة الغدر)، راح ضحيته مئات المدنيين بين شهيد وجريح، وتسبّب بإعاقات دائمة لعشرات الأشخاص».

ويضيف بوزان، أن «هذا الهجوم الدموي أعاد شبح الخوف إلى السكان، وأدى إلى موجة نزوح جديدة، خاصة مع غياب الأمن والاستقرار. كما ساهمت عوامل أخرى في إعاقة العودة الطبيعية، مثل التجنيد الإجباري، غياب التعليم، تردي الخدمات الأساسية، والمضايقات السياسية، إلى جانب عدم كشف الجهات المعنية حتى اليوم عن تفاصيل الجريمة وتحديد المسؤولين عنها».

ويؤكد بوزان، أنه «رغم المآسي المتلاحقة، تبقى كوباني رمزًا للصمود والمقاومة، وشاهدًا حيًا على التضحيات التي قدمها شعبٌ رفض الاستسلام للظلام»، وقال: «إن ما جرى في كوباني، من تهجير وقتل وصمت دولي في كثير من الأحيان، يجب أن يبقى حاضرًا في الذاكرة، ليس فقط كذكرى، بل كنداء مستمر للعدالة والكرامة الإنسانية».

بينما يقول الناشط السياسي عمر أحمد، وهو من أبناء كوباني:إن «الهجوم الذي شنه تنظيم داعش على مدينته لم يكن مجرد معركة عسكرية، بل كان انتقامًا من الشعب الكوردي المسالم ومحاولة مدروسة لتفريغ المنطقة من أهلها واقتلاعهم من جذورهم. غير أن كوباني لم تنكسر، بل سرعان ما تحولت إلى رمز عالمي في مواجهة الإرهاب، بعد دخول قوات البيشمركة إلى جانب وحدات حماية الشعب، وبدعم من قوات التحالف الدولي التي وقفت في الخط الأمامي للمعركة».

ويوضح أن «التنظيم ارتكب مجازر مروعة بحق المدنيين الكورد خلال هجومه على كوباني، ما أدى إلى نزوح وهجرة مئات الآلاف من أبنائها وأبناء كرى سبي، تاركين خلفهم بيوتًا مدمرة وذكريات مثقلة بالفقد».

ويضيف: «رغم مرور أحد عشر عامًا، لا يزال نسبة كبيرة من سكان كوباني عاجزين عن العودة إلى مدينتهم وقراهم، بسبب الخراب الهائل الذي خلفته الحرب في المدينة وريفها، ونتيجة ظروف أخرى، ومع ذلك، تبقى قلوب الكثيرين معلقة بالعودة إلى الديار».

في حين ترى سلافا محمد، وهي لاجئة تقيم في تركيا، أن «العودة إلى كوباني أمر بالغ الصعوبة بسبب تعليم الأطفال الذي وصل إلى مرحلة لا يمكن التخلي عنها، إضافة إلى التزامات العمل وشؤون الحياة الأخرى».

وتضيف محمد :أن «الأوضاع في سوريا عامةً غير مستقرة، سواء من الناحية الاقتصادية أو الأمنية، حيث يصعب العودة في ظل غياب فرص العمل وقلة الخدمات، فضلاً عن عدم شرعية التعليم من قبل سلطات دمشق وعدم التوصل إلى اتفاق نهائي يبعث على الأمل بالعودة».

كما توضح محمد أن «أبناءهم الذين كانوا صغاراً وكبروا في تركيا واندمجوا في المجتمع وتعلموا هنا، يرون العودة صعبة، بينما يبقى شوق الآباء والأمهات كبيراً لكل شبر من وطنهم، غير أنهم مجبرون على البقاء من أجل تعليم ومستقبل أولادهم»، وفق قولها.

وهكذا تبقى كوباني، رغم كل ما شهدته من دمار ونزوح، رمزاً حيا لمواجهة كل أشكال الظلم والإرهاب ولا يزال أبناؤها ينتظرون يومًا أن تتهيأ ظروف العودة إلى ديارهم.

 

 

 

 

Top