هولير- باريس.. شراكة استراتيجية تتجاوز الجغرافيا
شريف علي
فرنسا، الدولة الأوروبية التي لم تغب يومًا عن مراكز القرار الدولي، كانت لها محطات بارزة في دعم الشعب الكوردي، أبرزها الدور المحوري الذي لعبته في صياغة وتقديم مشروع قرار مجلس الأمن رقم 688 الصادر في 5 أبريل 1991، والذي مهّد لإنشاء منطقة حظر جوي في شمال العراق، وأسّس لمرحلة جديدة من الحماية الدولية للكرد، ومكّنهم من بناء مؤسساتهم السياسية والإدارية ، وفي خطوة تعكس عمق العلاقات التاريخي هذه بين فرنسا وكوردستان، أجرى الرئيس مسعود بارزاني زيارة رسمية إلى العاصمة الفرنسية باريس، حملت في طياتها رسائل سياسية واستراتيجية تتجاوز الطابع البروتوكولي المعتاد، وتؤكد أن كوردستان باتت فاعلًا دوليًا لا يمكن تجاهله في الحسابات الإقليمية والدولية.
زيارة الرئيس بارزاني جاءت في توقيت حساس، وسط تشابك الملفات الإقليمية وصراعات القوى الدولية النافذة ، لتؤكد استمرار الكرد في ترسيخ حضورهم السياسي والدبلوماسي، مستندين إلى شرعية نضالهم وتضحياتهم ودعم الاصدقاء من شعوب العالم - الشعب الفرنسي نموذجا -من أجل الحق الكوردي المشروع، أسوة ببقية شعوب المنطقة، و المميز في هذه الزيارة اللفتة الرمزية غير المسبوقة،بافتتاح الرئيس بارزاني مراسم تكريم قوات البيشمركة من قبل الحكومة الفرنسية، عبر تسمية موقع رئيسي في إحدى الحدائق الباريسية الشهيرة باسم "البيشمركة"، ما عكس التقدير الفرنسي الخاص لدور هذه القوة في مواجهة الإرهاب، وتُكرّس حضورها كرمز إقليمي له صدى عالمي. حيث لم تُسجل حالات سابقة لتسمية موقع رسمي في فرنسا باسم قوة عسكرية أجنبية قبل تكريم قوات البيشمركة بهذه الطريقة. وهذه الخطوة تُعد سابقة رمزية واستثنائية، وخروجًا عن التقليد الفرنسي المتمثل بتكرّيم شخصيات أو أحداث تاريخية مرتبطة بها مباشرة، مما يُشير إلى المستوى المتميز من الاعتراف السياسي والدبلوماسي بقوة إقليمية غير فرنسية وتقديرًا فرنسيًا خاصًا للدور الذي لعبته البيشمركة في الحرب ضد الإرهاب، خصوصًا ضد تنظيم داعش
الزيارة لم تخلُ من رسائل سياسية موجهة إلى الأطراف الإقليمية، حيث شدد بارزاني على ضرورة تفادي التصعيد في غرب كوردستان، وعلى وحدة الصف الكوردي في سوريا،مؤكدًا أن الحوار هو السبيل الوحيد لحل الخلافات، وقال: "نحن نؤمن بالحوار، وندعو الجميع إلى تجنب لغة السلاح، فاستقرار المنطقة مسؤولية جماعية في إشارة إلى معالجة القضايا العالقة بين أربيل وبغداد وضرورة إلتزام بغداد بالدستور مما يعكس رغبة كوردية في تدويل بعض الملفات الداخلية، وإشراك فرنسا كضامن أو وسيط في تسوية الخلافات ، وبالمقابل فغن التكريم الفرنسي يحمل رسالة ضمنية إلى دول الجوار بأن كوردستان لم تعد مجرد كيان محلي، بل شريك دولي يُحسب له حساب في المعادلات الإقليمية.
زيارة الرئيس مسعود بارزاني إلى باريس وتكريم قوات البيشمركة ليست فقط لحظة دبلوماسية أو رمزية، بل هي تجسيد حي لتحول كوردستان من كيان إقليمي إلى شريك دولي فاعل ومحترم في المعادلات العالمية، و باتت اليوم أكثر من مجرد أرض أو شعب، بل مثالًا حيًا على النضال من أجل الحرية والاعتراف والحق المشروع في تقرير المصير، والرئيس بارزاني لم يعد مجرد زعيم سياسي إقليمي، بل أصبح الممثل الحقيقي وحامل لطموحات الكورد في كل أجزائها، من جنوب كوردستان إلى غربها وشمالها وشرقها. هو الصوت الذي يحمل قضيتهم على الساحة الدولية، ويعكس تاريخهم وكفاحهم وأحلامهم في المستقبل.
إن استقبال فرنسا لهذا الدور المتقدم لكوردستان عبر قنواتها الرسمية، يحمل رسالة ضمنية قوية لكل الأطراف الإقليمية والدولية بأن الكورد، أصبحوا قوة لا يمكن تجاهلها، ونموذجًا للفاعلية السياسية والدبلوماسية التي تلتقي مع قيم العدالة والحرية، وتبرز كوردستان بقيادته كعامل توازن وركيزة أساسية نحو مستقبل أكثر استقرارًا وشراكة حقيقية.
بهذا المعنى، فإن الزيارة ليست مجرد حدث سياسي، بل فصل جديد في قصة الكفاح الكوردي، يرسم ملامح عهد جديد من الاعترافات الدولية والتأثير في القرارات الاقليمية، ويؤكد أن طموحات الكورد وأحلامهم لم تعد حبرًا على ورق أو ضربا من الخيال، بل واقعًا ينمو ويتجسد بفضل قيادتهم المتمثلة في شخص الرئيس بارزاني، الذي أصبح بحق سفيرًا لحقوقهم ونضالهم في كل مكان.
مع التأكيد بأن الشراكة بين الطرفين الفرنسي والكوردي لم تعد محصورة في ملفات الأمن، بل باتت تمتد إلى فضاءات السياسة والدبلوماسية الدولية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى فاعلين عقلانيين في المنطقة.
