• Tuesday, 10 February 2026
logo

صباح يوم أيلولي لم يكن مثل الصباحات الاعتيادية

صباح يوم أيلولي لم يكن مثل الصباحات الاعتيادية

 عبدالوهاب طالباني 

 

فی بدایة الستينات ومقابل سينما الرشيد في السليمانية ، قريبا جدا من مقهى الشعب المشهور كان هناك مقهى صغير كنا نحن الطلبة الكركوكيين نلتقي فيه دائما ، بعدما كنا نتغدى في مطعم اذا لم تخني الذاكرة كان اسمه مطعم " علي سور" المطعم المشهور حينها والذي كان يقع بجانب المقهى وكان يقدم اشهى الاكلات الكوردية بسعر مناسب جدا لجيوبنا، هناك التقيت كالعادة يوم 9ـ9ـ1961 ببعض الاصدقاء، ودار حديث عام بيننا الا ان صاحب المقهى الطيب " شيخ صديق" الذي لم تكن الابتسامة تفارق شفتيه والذي كان يقدم الشاي ايضا بنفسه، وكان انسانا واعيا وكورديا حتى النخاع ، اقترب مني وقال هل عندكم نية في السفر الى كركوك ؟ قلت نعم ساسافر غدا .. حينها قال لي بصوت خفيض ارجو لك سفرا مريحا بالتاكيد ستسمع اخبارا تسعدك ، لم افهم ماذا يقصد بالضبط اعتقدت انه كلام عادي لم افكر فيه كثيرا …

وفي صباح اليوم التالي .. يوم 10ايلول 1961 وفي صباح ايلولي وردي ماكان يشبه الصباحات العادية حزمت حقيبتي الصغيرة ومن كراج السليمانية انطلقت بسيارة أجرة الى كركوك لزيارة أهلي ، إذ كنت أدرس في السليمانية حينها، وعندما وصلنا "ده ربندي بازيان" رأينا أن الطريق عند المضيق كان شبه مقطوعا ، ورأيت أكداسا من التراب قد هيلت على جوانب الطريق يبدو أنه كان كنوع من الاستعدادات لقطع الطريق ، ثم وبعد عدة أمتار أوقفتنا ثلة من الاشخاص بملابس كوردية ومسلحين ببنادق وأعتدتها ، قالوا لنا أن نسرع ولا نتوقف في الطريق الى چمچمال التي لا تبعد عن مضيق "ده ربندي بازيان" الا حوالي مسافة جد قصيرة .

حقيقة إستغربت وجود مسلحين كورد رغم أنني كنت أسمع الكثير عن استعدادات لقيام الثورة الكوردية ، وتذكرت ما همسه لي صديقنا صاحب المقهى "شيخ صديق" في مقهاه البارحة، ولكني لم أكن اتوقع أن الثورة تندلع بهذه السرعة ، وأن هؤلاء المسلحين هم يكونون نواة ثورة 11 ايلول المجيدة ، خرجنا من المضيق وركاب سيارة التاكسي كانوا مستغربين وحائرين عما رأوا وماذا سيحدث ، وعندما وصلنا الى منطقة تبعد فقط عدة كيلومترات عن المضيق ، وتسمى "شيوه سور" او " الوادي الاحمر" رأيت مجموعات مسلحة أخرى وقد أحتلوا جنبات الطريق ورؤس التلال الترابية التي تميل لونها الى الاحمر حقا .

كنت في داخلي فرحا ومسرورا جدا ومتوترا وقلقا أيضا عما ستألوا اليها الاحداث في الايام القادمة ، وفي الوقت نفسه كنت أشعر بالاعتزاز فلاول مرة أشاهد مسلحين كورد بالزي الكوردي وبهذا العدد الكبير وقد انتشروا على طرقات الجبال وشعابها ، وما كنت اتوقع أن تلك الثورة تمتد أوارها حتى اليوم وتواجه خلال عمرها الطويل أنواعا عديدة من الاشرار الدمويين والعثرات والاخفاقات وكذلك الانتصارات الباهرة والملاحم البطولية ، وانها تقدّم مئات الالاف من الشهداء من البيشمرگه ومن المدنيين كشهداء الانفال 182 الفا والقصف الكيمياوي في حلبجة خمسة الاف شهيدا من الاطفال والنساء والاعدامات والاغتيالات.

طبعا كان معلوما لدينا أن الثورة يقودها الراحل الخالد مصطفى بارزاني ، وسمعنا بعدها قصصا وروايات عن معارك ومواجهات بين جيش مجهز باحدث الاسلحة من طائرات ودبابات وبين قوات ثورية متطوعة لا تملك غير بنادق قديمة وبعض اجهزة الاتصالات البسيطة جدا لكن كانت تملك الكثير من العزم والارادة .
وقد سبقت هذه التجمعات المسلحة ، استهدافات حكومية للپارتي (الحزب الديمقراطي الكوردستاني) ومقراته ، كما تم ايقاف جريدة "خه بات" لسان حال الپارتي عن الصدور، وتم نقل المئات من الشرطة الكورد وعمال شركة النفط في كركوك وخانقين الى خارج المناطق الكوردستانية ، وشنّت الاجهزة الامنية الحكومية حملات إعتقال للناشطين الكورد الپارتيين ، وكان والدي من ضمن المئات من الكورد الكركوكيين الذين اعتقلوا وارسلوا الى سجن الفضيلية ليبقى هناك ستة أشهر ، ثم يطلق سراحه لكن مفصولا من عمله في شركة النفط " كما يذكر ذلك والدي في أوراق كتبها بخط يده".

على كل حال قررت أن ابقى في كركوك بانتظار ماذا سيحدث، وفي اليوم الثاني أي في الحادي عشر من أيلول 1961 وصلتنا أخبار بان الجيش العراقي وبامر من عبدالكريم قاسم هاجم الثوار في المضيق ، وان قتالا كبيرا قد حدث، وان غابات جبال "بازيان" تم حرقها كلها بواسطة قنابل الطائرات العراقية ، وأن الثوار في "ده ربندي بازيان " قد خاضوا معركة كبيرة ، ولم يعرف بالضبط عدد الشهداء من الپيشمرگه ولا خسائر الجيش العراقي، إذ كانت هناك مبالغات كبيرة في ذكر الخسائر من الجانبين في الواقع ، ويبدو أن الثوار قد انسحبوا الى أعماق الجبال ، لتظهر نشاطاتهم بعد مضي شهرين من جديد ،وتعم كل بقاع كوردستان.

وكان البعض ، لمصالح ولحسابات ايديولوجية وكذلك الانظمة التي حكمت العراق حاولت وتحاول لحد الان ربط قيام الثورة برفض قانون الاصلاح الزراعي الذي شرعته قيادة 14 تموز 1958 ، الا ان كل تلك المزاعم مرفوضة وغير صحيحة إذ كانت الاوضاع وممارسات الحكومة القمعية كلها كانت تشير الى قيام الثورة ولاسباب قومية بحتة ، وكان الغرض من اشاعة هذه المزاعم النيل من مضامين الثورة القومية والاتجاه القومي الديمقراطي الذي كان و مازال البارتي والقيادة البارزانية تتبناه في الحركة التحررية القومية الكوردية.

 

 

 

 

Top