كوردستان.. التحوّل العمراني يتقدّم رغم التحديات الأمنية
سامان بريفكاني
تشهد العاصمة أربيل انتقالًا عمرانيًا ملحوظًا يقوده نهج تطوّر مستدام ومتكامل، يتخطى مجرد بناء منشآت جديدة ليشمل خلق هوية حضرية متقدمة تتماشى والرؤية الوطنية للمستقبل. من خلال تبني مشاريع متعددة تشمل البنية التحتية، الطاقة المتجددة، النقل، والتخضير، حيث تسعى حكومة إقليم كوردستان إلى تحويل أربيل إلى مدينة متنافسة عالميًا ووجهة جاذبة للاستثمار والسكن والسياحة.
وتقف عاصمة الإقليم اليوم على أعتاب عصر جديد من التحول العمراني، حيث تتقاطع فيها الأصالة بحداثة الطموح، لتتحوّل إلى نموذج متكامل للمدن الذكية والمستدامة في الشرق الأوسط. تتجسّد هذه الرؤية في خطوات ميدانية نوعية، تتمثل في تعزيز البنية التحتية، توسيع القطاع السياحي، وإطلاق مشاريع ضخمة تُسهم في تقليص الفجوة بين الواقع والطموح الحضري.
المشاريع الموجودة تعكس التطور السريع وتعزز من ظهور أربيل كوجهة حضارية يهدف إلى جذب عشرات الملايين من السياح العرب والأجانب عبر الاهتمام بتطوير الخدمات والبنى التحتية للسياحة.
كما وتم بناء طرق حلقية و بشكل دائري تشمل جسورًا وشوارع دولية ضخمة تلف أربيل من جميع الجوانب.
هذا التطور العمراني يقابله الضغط. حيث يقف الإقليم تحت ضغط أمني متكرر من فصائل مسلحة مدعومة من قبل جهات موالية لدول الجوار ومدعومة من قبل بعض الشخصيات المنسوبة للعراق، ما يعرّض مشروعات التنمية في مسعى دائم للبقاء والاستقرار. ففي الآونة الأخيرة، تم شن هجمات بطائرات مسيرة استهدفت البنى التحتية في كوردستان، وتصاعد الضغط الاقتصادي عبر تأخير تمويل الرواتب هذا المشروع الوقتي الممنهج من قبل البعض.
وعلى الصعيد الأمني الداخلي للإقليم، وجود الأجهزة الأمنية مثل الآسايش والشرطة وجهاز مكافحة الارهاب تعزز دور حكومة الإقليم سياسيا واقتصاديا وأمنيا وهذا ما يطور التنمية بشكل مستدام.
وفي قلب التحول الحضري الرائد، تتبوّأ أربيل موقع الصدارة بين مدن العراق، بقيادة حكومة إقليم كوردستان (الكابينة التاسعة) ورئيسها مسرور بارزاني، يأتي مشروع الحزام الأخضر الذي يلف حول أربيل ويُرسّخ جمالية العاصمة ويرسخ الاستدامة عبر مساحات خضراء تمتد بطول 70 كيلومترًا وعمق كيلومترين، كمبادرة لا تسعى فقط إلى تجميل المدينة، بل إلى تنقية الهواء وتعزيز جودة الحياة.
على صعيد البنية التحتية الحيوية، يمثل مشروع "روناكي" للكهرباء على مدار 24 ساعة علامة فارقة في ملف الطاقة، الأمر الذي قلّص الضوضاء والتلوث وزيّد الاعتماد على الطاقة النظيفة. بعكس العاصمة الاتحادية والمحافظات الجنوبية، حيث تشهد هذه المحافظات وضعًا إنسانيًا حرجًا نتيجة استمرار النقص الحاد في إمدادات الكهرباء والمياه الصالحة للشرب.
وتعود جذور الأزمة إلى عوامل متعددة تتداخل فيها التحديات الإقليمية والجهوزية المحلية والفوضى العارمة في الزون الموازي لإقليم كوردستان، فيصبح المواطنون في مواجهة يومية مع الانقطاعات المفاجئة للكهرباء وسط ارتفاع درجات الحرارة ونقص الخدمات الأساسية.
أما في مجال تأمين أهم الموارد لمستقبل مستدام، فمشروع إمدادات المياه الطارئة في أربيل يقدم حلاً طويل الأمد: فقد زوّد العاصمة بـ 20 ألف متر مكعب من مياه الشرب في الساعة، بكلفة إجمالية تصل إلى 480 مليون دولار، ويُسهم في تأمين المياه لمدة تصل إلى 30 عامًا مقبلة.
بالرغم أن إقليم كوردستان يشكّل نموذجا متقدّما في التنظيم العمراني، إلا أن المشهد الأمني المتقلب يعيد ترتيب البيئة التي تدور فيها التنمية. الفصائل المسلحة، سواء عبر الهجمات المباشرة أو النفوذ المخفي، تخلق حالة من عدم الأمان الاقتصادي والسياسي.
لذا، في مقابل الإنجازات العمرانية، كالحزام الأخضر، ومشاريع الطاقة والمياه، والتحول الحضري، يبرز تحدٍ استراتيجي يتمثل في ضرورة تفكيك أو تحجيم دور هذه الفصائل حيث ان سلطة الحكومة الاتحادية مطالبة بالوقوف في وجه هذه الفصائل التي تضعف المكانة السياسية الدولية للحكومة الاتحادية والدعم الدولي والإقليمي لتوفير مناخ أمني يساعد في تنمية العلاقات بين الحكومة الاتحادية والإقليم.
من دون ذلك، تبقى المشاريع العمرانية كقصف المنشآت النفطية عرضة للابتزاز والمخاطر، مما يجعل من الحفاظ على مكاسب الإقليم وسيلة لا بد من الدفاع عنها بحزم في الوقت نفسه.
