المواطنة التي تُقطع: بغداد وكوردستان بين خطاب الدولة وممارسات العقاب
شيار خليل
في المشهد العراقي الراهن، تتكرر مفارقة لافتة: في الوقت الذي ترفع فيه بغداد شعار “بناء الدولة” وتؤكد على “ترسيخ المواطنة”، تستمر في انتهاج سياسات عقابية تجاه إقليم كوردستان، أبرزها الامتناع عن صرف رواتب موظفيه بصورة منتظمة. هذه الرواتب، التي يُفترض أنها استحقاق قانوني لا يخضع للمساومة، تحوّلت إلى أداة ضغط سياسي، تُوظّف بحسب طبيعة العلاقة بين المركز والإقليم.
ليست هذه الأزمة بجديدة، لكنها باتت في السنوات الأخيرة أكثر تعبيرًا عن اختلال العلاقة البنيوية بين بغداد وأربيل. إذ يُعامل الإقليم أحيانًا بوصفه كيانًا خارج إطار الدولة، لا شريكًا فيها، رغم أن الفيدرالية التي يتمتع بها هي من صلب الدستور العراقي المُقرّ عام 2005. وهذا التناقض بين النص والممارسة هو ما يُعيد إنتاج التوتر، ويفاقم الإحساس بعدم العدالة لدى شريحة واسعة من المواطنين الكورد.
اختلال في معنى المواطنة
تعامل بغداد مع ملف الرواتب بوصفه ورقة تفاوض، لا التزامًا سياديًا، يكشف عن فهم مُلتبس لمعنى المواطنة. فالمواطنة، بمفهومها الحديث، لا تعني فقط التساوي أمام القانون نظريًا، بل تتجلى عمليًا في توزيع الحقوق والواجبات دون تمييز. وحين يُحرم مواطن من راتبه بسبب موقعه الجغرافي أو انتمائه الإداري، فهذا يُشير بوضوح إلى غياب المساواة، ويؤسس لواقع تتفاوت فيه درجات المواطنة.
ومن اللافت أن تُطالب الحكومة الاتحادية الإقليم بالشفافية المالية وتسليم إيراداته، في حين لا تُطبَّق المعايير ذاتها على مؤسسات الدولة في الجنوب والوسط، حيث الفساد مزمن، والمحاسبة غائبة أو انتقائية. هذه الازدواجية في المعايير لا تُقنع أحدًا، وتُضعف ثقة المواطنين ليس فقط في الدولة، بل في جدوى الانتماء إليها سياسيًا واقتصاديًا.
الفيدرالية بين النص والموقف
تُعدّ الفيدرالية، في أصلها، آلية لتوزيع السلطة وتخفيف المركزية في الدول المتعددة المكونات والقوميات. وقد أُقرت في العراق من أجل استيعاب تنوعه القومي والديني والمناطقي، وإيجاد صيغة تضمن بقاء المكونات ضمن دولة واحدة من دون إلغاء خصوصياتها. إلا أن الممارسة السياسية في بغداد لا تزال تنظر إلى الفيدرالية بوصفها تهديدًا ضمنيًا لوحدة البلاد، لا كوسيلة لحمايتها.
إقليم كوردستان، رغم ما يعانيه من تحديات، استطاع أن يُرسّخ نموذجًا مختلفًا في إدارة المؤسسات والموارد، ويحافظ على قدرٍ من الاستقرار الإداري والاقتصادي. وفي المقابل، تبدو بغداد منذ سنوات عاجزة عن صياغة سياسة متماسكة، أو بناء مركز قرار واضح، في ظل هيمنة المحاصصة والانقسامات الحزبية.
تماسُك الإقليم مقابل تشتت المركز
بينما تتنازع بغداد ملفاتها الأساسية بين القوى السياسية، ويغيب الانسجام عن مؤسساتها، نجح إقليم كوردستان—بنسب متفاوتة—في الحفاظ على حد أدنى من الانضباط الإداري، وطرح خطاب سياسي عقلاني يرتكز على الشراكة والحقوق الدستورية. هذه المقارنة لا تهدف إلى تمجيد طرف على حساب آخر، بل إلى الإشارة إلى خلل بنيوي في الدولة الاتحادية، حيث يُواجه الجزء الذي يُظهر تماسُكًا نسبيًا بحصار مالي وسياسي، بدلًا من تشجيعه أو تعميم تجربته الناجحة.
المفارقة أن هذا التماسك لا يُقرأ بوصفه مكسبًا للدولة، بل يُعامل كخطر يجب احتواؤه. وفي هذا السياق، لا يُعاقب الإقليم على خطأ، بل على نجاحه النسبي في البقاء خارج منطق الفوضى السياسية التي تُدار بها الدولة المركزية.
أزمة ثقة متجددة
الخلاف بين بغداد وأربيل ليس تقنيًا، بل سياسي بامتياز، ويتعلق بسؤال عميق عن شكل الدولة العراقية ما بعد 2003: هل هي دولة مركزية مُقنّعة، أم اتحاد تعددي حقيقي كما نص عليه الدستور؟ استمرار هذا التوتر، وتحديدًا على حساب حقوق المواطنين، يُشير إلى أن أزمة الثقة لا تزال قائمة، وأن أدوات معالجتها لم تتغير: الضغط، التجاهل، والتهديد الضمني بالهيمنة.
لكن مثل هذه السياسات لا تُعيد بناء الدولة، بل تُقوّضها. ولا تعزز الشعور بالمواطنة، بل تُغذّي الانقسام والإحباط، وتُرسّخ قناعة أن الدولة ليست مظلة جامعة، بل كيانًا يُدار وفق موازين القوة والمزاج السياسي.
ما المطلوب؟
إن استقرار العراق لا يمكن أن يُبنى على اختلال العلاقة بين مكوناته، ولا يمكن لمشروع الدولة أن ينجح حين يُعامل أحد أركانه بشك دائم، ويُحمّل وحده مسؤولية كل الإخفاقات. المطلوب ليس تنازلات من بغداد أو من أربيل، بل عودة إلى منطق الدستور، وفهم متبادل أن الفيدرالية ليست امتيازًا، بل إطارًا عقلانيًا لتوزيع السلطة والثروة.
إن رواتب موظفي كوردستان ليست قضية ثانوية، بل مقياس دقيق لمدى احترام الدولة لذاتها ولشعبها. فالدولة التي تفشل في حماية حقوق أبنائها، لا يهم ما ترفعه من شعارات. والوطن الذي يُدار بمنطق العقوبة، لا الشراكة، لن يصمد طويلًا مهما بدا موحّدًا على الورق.
في لحظة يُفترض أن تكون مفصلية في إعادة تعريف الدولة العراقية، يصبح الإصرار على سياسات الإقصاء المالي والسياسي دليلًا على أننا لا نزال بعيدين عن مشروع المواطنة، وأننا أمام خطاب دولة بلا مضمون، وشكل دولة بلا عدالة.
