عدنان المفتي : شكلنا حكومة في الجبل..ونقلت 6 ملايين دولار عبر ايران الى بنجوين
الجبل لا يخون..الجبل لا يغدر بأصدقائه، بل بأبنائه..ابناء الجبل، وهل هناك وصف اروع من ذلك..عندما كان الكوردي يثور على الظلم يصعد الى الجبل..ويقولون فلان صعد الى الجبل بمعنى انتمى الى الثورة الكوردية..والكوردي يقول"ما عندي صديق غير الجبل".زيا لها من صداقة بين الانسان والصخر والقوة وجبروت الطبيعة..وما كانت ثورة الكورد في العراق لتنتصر لولا اصرار الثائر وحماية الجبل..حتى ان الشاعر التونسي ابو القاسم الشابي قرن في بيته الشعري:"وَمَنْ يتهيب صُعُودَ الجِبَـالِ .. يَعِشْ أبَدَ الدَهرِ بَيْنَ الحُفرْ" بين الاصرار وكرامة الانسان واصراره القوي..فما بالكم اذا كان الثائر كوردي يستمد قوة اصراره وعناده لاسترجاع حقه من قوة الجبل ذاته.
الجبل خلال الثورة الكوردية هو جبال ومدن وحكومات وقتال عنيد واصرار جبار..سالت السياسي الكوردي عدنان المفتي عن مقولة الكورد"ما عندي صديق غير الجبل"، اكد هذه المقولة الحكيمة معلقا:"نعم هذا قبل عام 1991 ، بعد ذلك تغيرت هذه النظرة ‘ذ صار للكورد اصدقاء آخرين اضافة للجبل".
في الحلقة الرابعة من البرنامج الحواري "ملفات عدنان المفتي" يأخذنا(المفتي) الى خرائط ومفاوز ومسالك الجبل.نرتقي معه الى قمة هذا الجبل ونهبط نحو ذاك السهل..نغسل وجوهنا بعين مياه مختبئة بين صخور الوادي او برذاذ شلال كان بنتظرالمقاتلين ليستريحوا عند حافته فالجبل لا يبخل على ابنائه بنباتاته البرية ولا بعسل نحله ولا بمياه عيونه..يا لها من عيون تمنح الحياة للمقاتلين الاشداء الذين يدافعون عن نقائها وكرامة صخور الجبل.
يفتح المفتي ملف الجبل، يقول:" عندما نتحدث عن الجبل، خاصة خلال الثورة الكوردية فاننا لا نعني جبل معين بل جبال..في الجبل مدن".يفك الغاز جغرافيا الجبل موضحا" عندما نخرج من اربيل ونتجه الى راوندوز فهذا يعتبر جبل، وجومان جبل، وكذلك بنجوين، وهيران، وجوارتا وحلبجة، هذه مناطق كانت محررة وفيها سكانها اضافة الى الذين لجأوا اليها وتعتبر جبل".كشيرا الى ان جبل سفين فوق شقلاوة كان يعتبر مقر اساسي للبيشمركة في ثورة ايلول، وفيه أول تنظيمات المقاتلين، البيشمركة ومنه انطلقت الثورة..وكذلك الجبال التي فوق كلي علي بك، وجنديان، وكلالة، واذا نتعمق نحة منطقة سبيلك، والجبال التي فوق حرير..كل هذه المواقع هي الجبل او الجبال التي ضمت المقاتلين والمدنيين".
وعن جغرافيته في الوصول الى الجبل، يقول المفتي:"اول مكان التحقنا من خلاله في الجبل كانت منطقة هيران، تقع بعد شقلاوة، لم اكن وحدي فهناك التقيت بمن هم اكبر مني، عدنان نقشبندي، مدير ناحية مصيف صلاح الدين، والحاكم جلال، حاكم تحقيق في اربيل وهناك ايضا حاكم زهاوي، من خانقين، وكانوا ملتحقين قبلي، وقالوا لي تعال معنا وذهبنا مشيا وكان ممكن نركب سيارة ونذهب الى حاج عمران". الجبل يكشف مسالكه واسراره لابنائه واصدقائه ويفتح امامهم خرائط اسراره كي لا تضيع امامهم الطرقات". يواصل المفتي الحديث عن مسيرتهم، يقول:" ذهبنا الى دولي شهيدان ووصلنا الى قصري، وكان من معي معروفين للناس هناك، وبعد مسيرة 7 ساعات متواصلة بلغنا قصري وكان الجوع قد اتعبنا لاننا لم ناكل اي شيء طوال هذا الطريق الشاق جدا، والمفاجئة غير السارة لم يكن عند الجماعة الذين وصلنا اليهم اي طعام حاضر، فقدموا لنا عسل جبلي طبيعي وخبز، وكانت من الذ الوجبات التي اكلناها". لم تنتهي رحلتهم عند قصري بل:"من هناك واصلنا سيرنا الى كلالة حيث صادفنا ازدحام هائل من الكورد المدنيين الذين تركوا بيوتهم ومدنهم والتحقوا بالجبل، وهؤلاء عوائل الملتحقين، من الموظفين، اطباء ومعلمين ومهندسين وغيرهم من اعضاء الحزب، والاداريين اخذوا عوائلهم معهم، ولم نجد اي بيت او جامع او مدرسة الا وازدحمت بالناس ، وهؤلاء ليسوا مقاتلين ذلك ان البيشمرة في المواقع الامامية في الجبهة مثل منطقة هندرين وجنديان وهيران، هذه كلها مناطق متقدمة من الجبهة وكذلك في سهل اربيل وعندما بدأ القتال انسحبوا الى مناطق اكثر عمقا".
عدنان المفتي في الجبل
كان عليهم، وعلى الاخرين ان يتدبروا امورهم بأنفسهم، ومثلما يقال منو يهتم بالآخر؟ من كلالة ذهبت الى ناوبردان.. انا بقيت عند جوهر نامق، وهذه منطقة محررة وصار بإمكاني ان اذهب الى اي مكان حيث نتجاوز السيطرات الذي كانوا يسالوننا ليتأكدوا من هويتنا، ونحن كنا معروفين. ومن هناك انا حر بالتنقل حتى السليمانية". كان المفتي يتجه الى هدفه بدون ان يتسلم حتى وقتذاك اوامر او تعليمات حزبية او ادارية، اما "بالنسبة للمقاتلين فهم منظمون مع مجاميعهم..ليس كل الذين هناك مقاتلين". يقول المفتي، ويوضح:" انا لم اكن مقاتلا، بل كنت اداريا لكن الكل يحمل سلاح كل واحد منا يحمل بندقية كلاشنكوف ويشتري مسدس لكن لا يذهب الى الجبهة الا المقاتلين، هناك ضباط في الجيش كانوا قد التحقوا بالثورة، بيشمركة، منذ عام 1972 ، مثل فؤاد جلبي، الان فريق، والملازم الشهيد جمال والشهيد حسن خوشناو، والملازم شهيد كريم والملازم عمر والملازم سردار والرائد عزيز واعداد اخرى من الضباط في السليمانية وكركوك ودهوك لا تحضرني اسمائهم حاليا".
وعن اسلوب التعامل مع المقاتلين، يقول المفتي:" كل مجموعة من المقاتلين لهم توجيهاتهم الخاصة، بالنسبة للبيشمركة عندهم هيئة قيادية، او مكتب عسكري، وكان ادريس، رحمه الله، وكاكا مسعود بارزاني وقياديين آخرين مثل رشيد سندي، مسؤولين عن هذا الموضوع، القتال، كان هناك مكتب عسكري يدير مستلزماتهم وتزويدهم بالأسلحة وجهازهم المالي الخاص، والتموين وأوامرهم كلها تصدر من هذا المكتب".
لم يكن الجبل مقفرا بل على العكس كان مزدحما خاصة بالمدنيين الذين لجأوا الى هذه المدينة او تلك وهذا فرض على الادارة وضعا جديدا استدعى قيام حكومة بكامل اطقمها، وحسب المفتي:" ان الوضع الجديد تطلب ان يكون هناك تنظيم اداري يدير شؤوون الناس مثلا كان علينا ان نفتح مئات المدارس واسسنا وزارة التربية التربية في الجبل وفتحنا وزارة للصحة لان كان هناك اكثر من 200 طبيب التحق بالثورة وكان وزير الصحة الدكتور محمود عثمان، اضافة الى كونه عضو مكتب سياسي، ونوري ساويش وزيرا للاشغال والاسكان، وعلي عبد الله وزير المالية، وانا التحقت بوزارة المالية..كانت هناك ادارة خاصة بالتموين(فروسكا) وهي جمعيات تعاونية او متاجر للمواد الغذائية والمنزلية وكنا نشتري البضاعة لهذه الاسواق من ايران وقبلها من من العراق وتبيع باسعار مدعومة حيث افتتحنا فروع في مناطق عديدة".
اما تمويل هذه المتاجر وتحمل بقية المصاريف، وحسب المفتي فكانت :"تاتي من مقر بارزاني الى وزارة المالية وتوزع للوزارات وكنا نمنح رواتب لكنها قليلة وشكلنا اللجنة العليا للمالية وانا صرت مقرر هذه اللجنة باعتباري الاصغر سنا بيتهم ورئيسها خسرو توفيق شقيق دارا توفيق الذي اعدمه صدام حسين؟وكلاعضاء هذه اللجنة كانوا خريجين كليات متخصصة، مثل الشهيد آرام (شاسوار جلال) مدير عام وزارة العدل والاوقاف وشهاب الشيخ نوري مدير عام للتجارة في وزارة المالية، و جلال سام آغا، هذه اللجنة هي التي كانت تضع قوانين المالية وتحديد الرواتب حسب الشهادات، خريج الابتدائية والمتوسطة والثانوية والجامعة، دربند بعد جومان بنصف ساعة لكن ليس في داخل دربند، مقر وزارة المالية، علي عبد الله اختار مكان يبعد ربع ساعة مشيا على الاقدام، وهي منطقة جبلية وعرة وقال ان هذه المنطقة غير موجودة في الخريطة العسكرية العراقية، واتذكر الشهر في شهر ايلول عام 1974 غارت طائرة عراقية عسكرية وقصفت الجبل الذي فوقنا، فقال علي عبد الله انكشفنا وعرفوا مكاننا واتصل بجماعة الهندسة في وزارة الاسكان والاشغال وصاروا يحفرون ملجأ في الجبل ولم يكتمل لانه اخذ الكثير من الوقت وتركناه وحفرنا نحن ملاجئ صغيرة". ويصف المفتي وزارة المالية "باعتبارها مهمة جدا". مستطردا بقوله:"اضافة الى عملي الاداري كنت مسؤولا حزبيا ومنظمتي الحزبية في الوزارة..وادارة الجمعيات التعاونية ضمن مهامي في الوزارة".
قرب احدى هذه الجمعيات كاد المفتي ان يفقد حياته لولا انه عاند قدره، يقول:" في احد الايام كنت مجتمعا بخلية حزبية خلف احدى هذه الجمعيات التي تقع على الشارع الرئيسي في جومان ..وفي ذات الوقت كان عندي موعد الساعة 12 ظهرا في (ناوبردان) التي تبعد 10 دقائق بالسيارة عن موقع الاجتماع الحزبي وعندي سيارة جيب صغيرة والسائق اسمه اسماعيل، رحت اجمعت معهم وكنا جالسين فوق العشب خلف الجمعية ، احيانا القدر هو الذي يحدد مصير حياتك، وبلا مقدمات قطعت الاجتماع ووقفت وقلت الهم نحتاج الى وقت آخر تعالوا بعد يومين في مقري ونتغدة سوية ونكمل اجتماعنا، استغربوا وحتى انا لا اعرف لماذا تصرفت هكذا لا سيما وان امامي وقت جيد للوصول الى موعدي، بعد دقيقة وصلت الى سيارتي وما ان تحركت السيارة حتى سمعت صوت قصف قريب جدا فقلت لاسماعيل سوق بسرعة ولا تتوقف، ولا اعرف ماذا حدث، عندما وصلت الى موعدي لم يكن الشخص موجودا لانه كان هناك قصف في اكثر من منطقة، اثناء عودتي اكتشفت ان قنبلة طائرة سقطت في نفس المكان الذي كنا مجتمعين فيه بالضبط، يعني لولا توقفي عن الاجتماع وتركنا للمكان كان انا والاشخاص الستة قد فقدنا حياتنا..في حادثة اخرى قررنا انا وشهاب شيخ ان نفتح جمعية تعاونية(فراسكا) في احد المواقع وكان هناك قصف قربا من هذه المنطقة من قبل الجيش العراقي، وكنا نبحث من سيذهب وينقل المواد للجمعية فتطوع شهاب وقال انا اذهب الى هناك كان رجلا شجاعا، فذهب واخذ معه مواد الفرسكا ورتب العاملين وطرق ايصال المواد لهم،وعاد".
سالته :هل تعتقد انه كان هناك عملاء او جواسيس ينقلون معلومات واحداثيات عن مواقعكم للجيش العراقي؟ اجاب قائلا:يمكن.. لكن الموضوع ليس بهذه السهولة لصعوبة الاتصالات ولانكشف بسهولة".
يؤكد السياسي الكوردي عدنان المفتي بان عملهم في الجبل كان مؤسساتي، يقول:"ذات مرة تاخر منح الرواتب خاصة في منطقة السليمانية، وعندما وصلت الفلوس قال علي عبد الله هناك مهمة هل تستطيع تنفيذها وطلب مني ايصال الرواتب وقال هؤلاء في السليمانية لم يتقاضوا الرواتب منذ 3 اشهر، وانا وبروح الشباب وافقت مباشرة دون اي تفكير او حساب.
وقتذاك لم اكن قد عبرت الحدود الايرانية واخذت معي اثنين من المقاتلين لاغراض الحماية وصك الى اورمية ، لم اكن اعرف كم هو المبلغ ثم اكتشفت انه مليونين دينار عراقي اخذت الدنانير العراقية من مصرف ايراني في اورمية وكانت تساوي اكثر من 6 ملايين دولار اميركي وهذا مبلغ كبير، اخذت الفلوس ورحت بواسطة سيارة تكسي الى بانة قرب بنجوين وفي الطريق كانت هناك نقطة تفتيش ايرانية وعثروا على الفلوس واعتقلوني ولم اكن وقتذاك اعرف اية كلمة فارسية واريد ان اخبرهم بان هذه الفلوس هي رواتب للبيشمركة، وفهموا مني بارزاني، ثورة، حاج عمران..بعد يومين اجروا اتصالاتهم مع جهاتنا فابلغوهم بان هذه رواتب البيشمركة فاطلقوا سراحي واوصلوني بواسطة سياراتهم الى الحدود كان هناك شفيق آغا محافظ السليمانية ويداوم في(بناوه سوته)قرب بنجوين وقلت له الاستاذ علي عبد الله يسلم عليك واخبرته بمهمتي فرحب بي وقدم تسهيلات كثيرة ..كانت (الجنطة) مليئة بالفلوس وكنت انام فوقها بالرغم من ان الوضع كان آمنا وطلبت من شفيق آغا 12 شخص لتوزيع الرواتب وشكلت 4 لجان فانا لا استطيع الذهاب الى كل المناطق.. واعطيتهم فلوس مع تعليمات كيف يدفعون الرواتب وبقيت شهر في هذه المنطقة حتى انجزت المهمة".
روداو
