• Sunday, 02 August 2026
logo

الفن الإسباني الحديث مستعيداً سقوط غرناطة

الفن الإسباني الحديث مستعيداً سقوط غرناطة

في مثل هذا الشهر قبل ما يناهز خمسة قرون ونصف، تحديداً يوم 2 يناير (كانون الثاني) 1492، سقطت مملكة بني الأحمر بالأندلس، مخلّفة صدى واسعاً في الفن التشكيلي الإسباني على امتداد قرون، يكاد يماثل في حجمه وقوته الأثر الكبير الذي خلفته في حقول المسرح والرواية والشعر في شبه الجزيرة الإيبيرية، لدرجة باتت فيها القصة مدخلاً أساسياً لتشخيص تحولات المتخيل البصري الإسباني بصدد موضوعات: «المغاربة» و«الإسلام» و«المورسكيين» و«الضفة الجنوبية»، و«العمارة الإسلامية»، و«الاسترداد»، و«هزيمة الأندلسيين»، وغيرها من المثيرات والأحداث الكبرى التي وسمت تخيل الفن الحديث لتفاصيل الوجود العربي الإسلامي بالأندلس، وشكلت منظومات بالغة التعقيد من الصور المرئية المسكونة بألغاز ورموز ومضمرات عقدية وثقافية مرتهنة بوقائع زمن ومجتمع حضارة مختلفة.

صحيح أن تلك الأعمال التخييلية البصرية عن الأندلس الآفلة، تبقى مجرد تنويع على انشغال أعم لفنون التصوير والنحت في هذا الحيز الجغرافي بتمثيل الموضوعات التاريخية وحفظها من النسيان، بيد أن عرضها في أكثر الأماكن دلالة على الهوية والسيادة، بدءاً من القصر الملكي ومقر البرلمان الإسباني (الكوتيس خينيراليس) في مدريد وانتهاءً بالأديرة الموزعة بين الجهات والأقاليم الإسبانية المتباعدة، مرورا بالمتاحف الوطنية والمحلية، ومقرات حكومات الأقاليم والبلديات، والكاتدرائيات والكنائس، حولها من مجرد تحف للإبهار الجمالي، دالة على روعة الفن الإسباني الحديث، إلى رموز للعبقرية القومية، وشهادات بالغة الإتقان على قوة ومجد المملكة.

وتضعنا كاتالوغات الفن الإسباني الحديث إزاء مئات اللوحات الزيتية والمائية، والمنحوتات، بأحجام ضخمة ومتوسطة وصغيرة، لأعلام الفن الإسباني المعروفين، ولأكاديميين محدودي الشهرة، ولحرفيين مجهولين، كان حافزهم إبراز عظمة المملكة الوارثة لحضارة الأندلس، عبر مراحل نهوضها وانتكاساتها، من حروب الاسترداد إلى العصر الإمبراطوري، حتى الحقبة النابوليونية، وانتهاءً بالملكية الحديثة، فنانين من حقب شتى، تراوح بين نهايات القرن الخامس عشر، وحتى الطفرة الحديثة للفنون البصرية في تياراتها المتشعبة في القرن التاسع عشر. تحف فنية بديعة وموحية بقدرة القصة القديمة على إلهام فنانين لم ينتمِ أي منهم إلى زمن التجربة وظلالها، وإنما شكلت بالنسبة إليهم ذاكرة للتمثيل، وسؤالاً للصنعة والفن، وسرعان ما ستكتسي وقائع فارقة في تلك الذاكرة من قبيل: «تسليم غرناطة»، و«مذبحة بني سراج» و«المسيحيون الجدد» و«زفرة العربي الأخيرة على الربوة» و«خروج النصريين من قصر الحمراء» و«محاكم التفتيش»، و«محرقة كتب الكفار» صبغة رواشم فنية أثيرة، تكررت على نحو لافت للنظر في عشرات اللوحات الشهيرة لفنانين بارعين، بحيث تمكن المقارنة بين طرز التمثيل وأحجام الرسومات وصيغ التشكيل، بصدد تلك الموضوعات، من رصد تطور النظرة تجاه القصة الأندلسية، ورصد تحولات التقنية والجماليات التعبيرية لهذا الفن البصري العريق في الضفة المقابلة.

 

 

الشرق الاوسط

Top