قلعة كركوك، الذاكرة المغتالة (2- الأخيرة)
طارق كاريزي
ولنتطرق الآن ولو بشكل خاطف الى تاريخ القلعة. لم تتوصل الدراسات الاثرية الى حسم تاريخ قلعة كركوك بشكل نهائي، لأن هذه المستوطنة البشرية الموغلة في القدم، لم تنل حصتها من الدراسة والبحث والتنقيب. وجميع الكتابات التي نشرت أو يتم نشرها حول القلعة، يتم فيها تداول معلومات ترد في هذا المصدر وذلك، وهي عموما معلومات عابرة وخاطفة لا تقدم الا القليل عن تاريخ مديد عاشته القلعة باعتبارها مدينة وحصنا شاع استخدامه في المناطق الجبلية لحماية السكان من الهجمات المحتملة. سكان المناطق الجبلية والمتموجة من مسيوبوتاميا (وادي الرافدين) الفوا الاستيطان في القلاع التي تحيط بها الحصون وتحصنها الابواب لزيادة المتانة في التحصين ضد الهجمات والغزوات. ولعل هذا الامر انتقل الى المناطق السهلية ايضا حيث نجد مدينة كبغداد عندما بناها المنصور قام بتشييد الاسوار حولها، فالقلق الامني كان حاضرا ازاء مصير الحواضر طيلة العصور القديمة والوسطى.
بالعودة الى كركوك، يشير متخصصو الآثار في كتاباتهم الى قرائن وأدلة تجمع بين قلعتي اربيل وكركوك، وهم يرون بأن تاريخ هاتين القلعتين يعود الى نهاية الألف الثالث قبل الميلادي، ويحددون قرنين كمدة قدم احداهما عن الاخرى، وكل ذلك يبقى رهن التقدير والتخمين لأنه لا أدلة قاطعة على مجمل تاريخ القلعتين، الثابت ان الدول والامبراطوريات التي قامت في الشرق أو الغزوات التي هبت رياحها على المنطقة، طالت القلعة في المدينتين كونهما مستوطنتان كبيرتان. ومع انعدام التنقيب الاثري الذي يستوجب الدعم اللوجستي، يبقى تاريخ القلعة رهن المجهول، ولعل الوثيقة المهمة الوحيدة التي تم العثور عليها عند سفح القلعة عام 1923هي عبارة عن 51 لوحة مسمارية تعود الى منتصف القرن (12) قبل الميلاد والتي لم تفصح الجهات المعنية الا القليل عن فحواها، يقال بأن هذه اللوحات تتحدث عن دولة مستقلة ظهرت في الألف الثاني قبل الميلاد وكانت القلعة مركزا لها، والقلعة هي ذاتها مدينة آرابخا التي كانت عامرة عند مجرى نهر خاصة.
بغض النظر عن التنظير الذي يؤطر لنشوء القلعة كمستوطنة بشرية فوق تلة ترابية هائلة، او كون التلة اصطناعية بناها البشر، فيما ترى نظرية ثالثة بأن التلة تشكلت بفعل تداعي المباني وتراكمها فوق بعض طيلة العصور والدهور ليترفع البناء فوق سابقه، ومع مرور السنين والقرون ارتفعت القلعة من تراكم مخلفات البناء، تبقى القلعة شاهدا كبيرا على تاريخ تليد عاشته المدينة طوال عشرات القرون. هذا التاريخ يمكن ان يتحول الى شاخص بارز في حياة المدينة وعنوانا لعمقها الحضاري ليتم استثماره كثروة معنوية لا تنضب ووجهة سياحية ابدية تأبي الافول.
الاشكالية هي في التعامل السلبي للسلطات مع هذا التراث الانساني التليد الذي يعد ثروة ابدية للمدينة وسكانها، والقلعة جديرة بأن يتم تدوينها ضمن التراث الانساني لدى منظمة اليونسكو وهي من هذه الناحية تجد نفسها أمام امتحان عسير، كونها تعاني من جراح عميقة بسبب تدمير معالمهما العمرانية. جراح قلعة كركوك تحتاج الكثير للمداواة، هذا الكثير غير متاح حاليا وعلى المدى القريب أيضا. انا من جهتي اقترح انشاء صندوق لدعم وتأهيل قلعة كركوك. ومن أجل ذلك من المهم تشكيل لجنة مشرفة من أعيان المدينة ونخبها الثقافية للتخطيط بالتعاون مع مديرية آثار كركوك، من أجل تظافر الجهود بالشكل الذي يستطيع تقديم المقترحات والاشراف على صندوق اعادة تأهيل واعمار القلعة. مقترح صندوق اعادة تأهيل قلعة كركوك يقتضي خططا بعيدة المدى وصبرا جميلا.
باسنيوز
