جرحُ الجبل.. وشدوُ الصمود: قصةُ سنجار بين غدرِ المؤامرةِ ووفاءِ القيادة
محمد خضر شنكالي
لم يكن اليومُ الثالثُ من أغسطس (آب) لعام 2014 يوماً يُطوى في سجلّات الزمانِ كباقي الأيام؛ بل كانَ ندباً أزلياً على جبهة التاريخ، وقطرةَ دمٍ جمدت في شريان العمر. في ذلك اليوم الشاحب، أشرقت الشمسُ متعبةً لتشهدَ على أكبرِ هزةٍ دمويةٍ زلزلت أركانَ مدينةِ سنجار -تلك الواحة التي طالما كانت أيقونةً للتعايش، ومثالاً يُحتذى به في التآخي بين الأديان والقوميات والمذاهب.
في ذلك النهارِ الأغبر، تسللت عصاباتُ "داعش" الإرهابية كظلامٍ دامسٍ يبغضُ النور. لم يكن دخولهم مجرد فوضى عابرة، بل كان نتاجَ مؤامرةٍ خبيثةٍ محبوكةِ الأطراف؛ حركتها قوىً داخلية وخارجية عجزت، عبر السنين، عن زحزحةِ ولاءِ أطيافِ سنجار الأصيلة للحزب الديمقراطي الكوردستاني. فلما أعياهم العزُّ والوفاء، ولما فشلوا في فصمِ تلك الرابطة العفوية الصادقة، لجأوا إلى أحطِّ الوسائل: إباحةِ المدينة لظلاميي العصر لعلّهم يلطخون سمعةَ الحزب ويشوهون تاريخه.
كانت أياماً دمويةً ثقالاً، صُبّ فيها ألمٌ لا تُطيقه الجبال. وكان للأخوة الإيزيديين النصيبُ الأكبر والوجعُ الأعمق من هذه الفاجعة؛ حيث سعى الغادرون إلى تمزيق نسيجِ الأخوةِ الذي ظلت سنجار تتفيأ ظلاله لقرون.
صمودُ الجبل وأسطورةُ البيشمركة
ولكن، حين يئنُّ التراب، يستنهضُ الجبلُ كبرياءه. بدأت في أعالي جبل سنجار الشامخ ملحمةُ صمودٍ فذة، تحطمت على أسوارها أوهامُ خوارجِ العصر. وهناك، سطّرت قواتُ البيشمركة البطولية مغامراتٍ وبسالاتٍ لا نظير لها؛ خاضوا الموتَ كي تحيا العوائل، وسهروا على تأمين ممرات النجاة ونقلهم إلى إقليم كوردستان—ذلك الملجأُ الأمين والقلعةُ الحصينة التي فتحت ذراعيها لأبناء سنجار بـ كرمٍ حاتميٍّ وأخوةٍ صادقة.
رؤيةُ القيادةِ وحكمةُ الرئيس
في خضمّ تلك العاصفة، كانت رؤيةُ الحزب الديمقراطي الكوردستاني وقيادته، المتجسدة بشخص الرئيس مسعود بارزاني، واضحةً جليّة كفلق الصبح:
أولاً: إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأبرياء وإيواؤهم وتضميد جراحهم.
ثانياً: الحفاظ على النسيج المجتمعي وصيانة أواصر الأخوة بين مكونات سنجار.
ثالثاً: إعداد الخطة الحاسمة لتحرير الأرض واستعادة الكرامة.
ومع دقّات ساعة التحرير، شهد التاريخُ على حدثٍ فريد؛ إذ كانت معركةُ تحرير سنجار المعركةَ الوحيدةَ التي قادها الرئيس بارزاني ميدانياً بنفسه، من ألفها إلى يائها. ظل حاملاً روحَهُ على كفّه، مقيماً في أعالي الجبل لعدة أيامٍ يوجّه الميدان؛ إدراكاً منه بمنزلة سنجار العظيمة في الوجدان الكوردي، وإيماناً بضرورة التصدّي المباشر للتحديات. لقد كان حبه لسنجار هو البوصلة، وكان تواجده خيرَ دليلٍ على الأهمية الاستثنائية التي توليها القيادةُ لهذه المدينة وناسها.
الانتماءُ العفوي.. وأدُ الفتنة
ولأنّ أغلب أطياف سنجار تنتمي انتماءً روحياً وعفوياً للحزب الديمقراطي الكوردستاني، فقد توقفت نبضاتُ الحياةِ في المدينةِ إبان احتلالها؛ خيم الموتُ والجمودُ على أزقتها عكس المدن المجاورة، وكأنّ سنجار رفضت أن تتنفسَ في غيابِ أصحابها ورايتها.
واليوم، وبفضلِ حكمة الرئيس بارزاني، تحققت البشرى ووُئِدت الفتنةُ الكبرى التي رُسمت في خفاءِ الكواليس لتمزيق مكونات سنجار. لقد أثبتت الأيام أن الأغلبية الساحقة من أهالي سنجار يوقنون، بيقينٍ لا يخالطه شك، أنَّ كافةَ الحلول المنصفة والآمنة لمدينتهم لا تُستمدّ إلا من رؤية الحزب الديمقراطي الكوردستاني.. وهنا تتكلمُ الأغلبيةُ الصادقة، ولا مكانَ للشواذِ في حساباتِ القاعدة والتاريخ.
ستبقى سنجار، رغم جراحها الدامية، شاهدةً على أن الوفاء لا يُمحى، وأن الجبال لا تنحني، وأن الحقَّ إذا وراءه قائدٌ وشعبٌ أصيل.. لا بُدّ أن ينتصر.
