• Monday, 02 February 2026
logo

مصر وثورة أيلول.. قراءة في كتاب جديد لشيركو حبيب

مصر وثورة أيلول.. قراءة في كتاب جديد لشيركو حبيب

بقلم د. محمود زايد

في الذكرى الحادية والستين لثورة أيلول الكردية (1961-1975م)، يهلُّ علينا كتاب جديد ومهم عنها بعنوان: "ثورة 11 أيلول 1961م في عدد من الصحف العربية والأجنبية" لمؤلفه الكاتب الصحفى والمترجم والباحث بشؤون الشرق الأوسط شيركو حبيب - ممثل الحزب الديموقراطي الكوردستاني في القاهرة.

 يتناول الكتاب أحداث الثورة وأصداءها في العيون العربية والأجنبية، مفسحًا فيه للصحف المصرية مساحة غير قليلة، بحكمِ أنها تابعت تفاصيل أحداث هذه الثورة منذ أيامها الأولى وحتى التآمر عليها باتفاقية الجزائر في 6 مارس/آذار 1975م.

وقد تعاملت الصحافة المصرية مع ثورة أيلول بموضوعية تقديرًا للحقوق المشروعة للشعب الكردي وعموم الشعب العراقي، الذي كان يرزح آنذاك تحت نيّر الاستبداد والارتماء في أحضان القوى الغربية، ومن ذلك رَفضُ الرئيس جمال عبدالناصر رفضًا باتًا استغلال الرئيس العراقي عبد السلام عارف (1963-1966م) القوات المصرية الموجودة في العراق في محاربة الكرد أو أي نزاع داخلي.

لم تكن أسباب ثورة أيلول خاصة بالكرد فحسب، بل اشتعلت بعدما رفض كلُّ الأحرار في العراق انحرافَ عبدالكريم قاسم (1958-1963م) عن مسار ثورة 14 تموز 1958م، وإدخاله البلاد منزلقًا خطيرًا، مُعَاديًا فيه بعض الدول على رأسها الجمهورية العربية المتحدة (مصر) التي كانت تروم إلى قوة المنطقة واتحادها وتحررها من قوى النهب والاستعمار.

وهذا يُفسّر انضمام غير الكرد إلى الثورة من السياسيين العراقيين، القوميين والدينيين المحبين للديموقراطية والسلام؛ إيمانًا منهم بإخلاص قائدها الزعيم الكردي ملا مصطفى البارزاني، واقتناعًا منهم بأهدافها وما تروم إليه من "الديموقراطية للعراق والحكم الذاتي للكرد".

يستطيع أي قارئ أن يلمس ما سبق في كتابات ومؤلفات شيركو حبيب، بما فيها هذا الكتاب الأخير الذي يعدُّ لبنة جديدة – اللبنة الرابعة- في سلسلة نتاجه العلمي في القضية الكردية، ففيه تناول الرؤى المتنوعة للآخر (غير الكردي) عن ثورة أيلول بكل أمانة ودقة كما وردت في الصحف الأمريكية والبريطانية والمصرية والأردنية واللبنانية وغيرها، حتى ولو كانت مشتملة على بعض المصطلحات والأوصاف غير المنصفة وغير المعبرة تعبيرًا حقيقيًّا عن واقع الثورة.

والملاحظ، أنه مع اختلاف تصورات بعض هذه الرؤى حول ثورة أيلول، فإن أغلبها يؤكد أن الثورة لم تكن ذات أهداف محلية محدودة كما يدعي البعض، بل امتدت  آثارها من الداخل الكردي والعراقي إلى النطاقين الإقليمي والدولي اللذين اهتما بها إيجابًا وسلبًا، وأفسحت لها صحفهما مساحة غير قليلة لرصد وتحليل أحداثها وأبعادها وتطوراتها، كل حسب رؤاه، وما تتطلبه مصالحه، وما يقتضيه نفوذه في المنطقة، وكان لذلك أثره على واقع ومستقبل هذه الثورة.

ومهم أن نقول إن أحداث ثورة أيلول لا تزال ملهمةً، ولا تفتأ نتائجها باديةً لكثير من المهتمين وذوي الشأن دون أن ينضب معينها، من جراءِ ما يتبدّى عنها من حقائق ورؤى جديدة في كل مقال أو سيمنار أو مؤلَّف جديد يتحدث عن جانب من جوانبها، مثلما اتضح من كتاب شيركو حبيب هذا، الصادر عن "الأكاديمية الكردية" إحدى أهم المؤسسات الأكاديمية في أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق.

ومما يلفت النظر في هذا الكتاب أيضًا، أنه ينسف ويدحض ما يدعيه بعضهم بمحدودية ثورة أيلول، وأن رحاها لم تخرج عن محيط دائرتها الضيقة، وأن مجرد قراءة كُتيّب واحد تناول أحداثها وما نتج عنها، كافٍ أن يُحَاط بها علمًا وإداركًا ووعيًا. وفي الحقيقة هذا زعم غير واقعي، وادعاء في غير محله؛ فأسباب وأهداف الثورة لم تكن للكرد فحسب، وإنما كانت لعموم مكونات العراق، وبها واجهت شراسة استبداد أربعة أنظمة عراقية متعاقبة؛ لتحقيق الديموقراطية لعموم العراق والحكم الذاتي للكرد، وزمنيًّا استمرت أحداثها خمسة عشر عامًا استطاعت من الناحية العسكرية تكبيد المستبدين خسائر فادحة، وميدانيًّا أطالت مدة سيطرتها على مناطق واسعة من جنوب كردستان، وسببت إحراجًا داخليًّا وإقليميًّا وعربيًّا ودوليًّا للأنظمة العراقية طيلة سنوات الثورة، وسياسيًّا كان اسم الثورة مسموعًا لدى أنظمة عالمية وعربية، وشجعت بعض أحرار العالم في دعمها ماديًّا ومعنويًّا.

وعليه، فإن ثورة أيلول تظل ذات زخم مستمر، وجاذبة للكتابة عنها والكشف عن الجديد فيها، لاسيما إذا ما اعتُمِد على أرشيفات العديد من الدول العربية والأجنبية، مثلما فعل شيركو حبيب في كتابه الذي هذا، الذي امتعنا وأضاف إلينا جديدًا في الحقل المعرفي والإنساني.

 

*الكاتب أستاذ أكاديمي وباحث مختص بشؤون الشرق الأوسط

Top