• Sunday, 26 April 2026
logo

ما هي أوجه الصراع بين طهران وأنقرة في سوريا؟

ما هي أوجه الصراع بين طهران وأنقرة في سوريا؟

علي تمي

 

العلاقات بين تركيا وإيران دخلت في حالة الاستقرار النسبي بعد اتفاقية "الصداقة" التي وقعت فيما بينهما في 22 نيسان 1926 في طهران، جاء ذلك بعد حقبة كاملة من الحروب والصراعات التاريخية المتمثلة بـ "الإمبراطورية العثمانية" و"الصفوية" في المنطقة.

مضمون الاتفاقية آنذاك شمل المبادئ الأساسية منها الصداقة، والحياد وعدم إشعال فتيل حروب أخرى بين القوتين مهما كانت المبررات والحجج، وبعد الإعلان عن الجمهورية التركية الحديثة عام 1923 بقيادة (مصطفى كمال أتاتورك)، استقرت العلاقة على الهدوء وظلت سائدة حتى ثورة "الخميني"، إلى أن شهدت فيما بعد نوعاً من الحذر والترقب بسبب الغزو الأميركي للعراق في عام 2003، ثم تدحرجت شيئاً فشيئاً نحو التخاصم وتوسيع مناطق النفوذ لكل منهما على حساب الآخر، وصولاً الى عام 2011 والذي كان العنوان الأبرز لعبور هاتين القوتين في الشرق الأوسط نحو مرحلة جديدة مع تصاعد حدّة الخلافات فيما بينهما وسوريا كانت ساحتها الرئيسية، بالإضافة الى لبنان، العراق، اليمن، ليبيا، القوقاز، أذربيجان وأخيراً أوكرانيا.

تدخلات إيران في الشرق الأوسط والرفض التركي

في نهايات القرن الماضي، تسلّلت إيران إلى دول الشرق الأوسط، وخاصة العربية منها تحت غطاء "العداء" لإسرائيل والدعم لنهج المقاومةٍ المفترضة، لكن سرعان ما تبيّن أنّ دعم طهران المزعوم للعرب ودفاعها اللفظي عن حقوقهم في فلسطين ولبنان وحتى اليمن لم يكونا إلّا ذريعةً للتوسّع وفرض الهيمنة على هذه الدول، هذه الأطماع اصطدمت برفض تركي والقلق من تغلغل الحرس الثوري الإيراني داخل المنظومة السياسية والعسكرية العربية.

التوسع الإيراني في المنطقة كان على حساب ضعف وجود القوى العظمى في الشرق الأوسط بسبب انشغالها بالحرب العالمية وأزمة صواريخ كوبا والحرب الباردة، انتهاءً بإنهيار المنظومة الشيوعية ومن ثم عودة الولايات المتحدة الأميركية مع فرنسا وبريطانيا الى أفغانستان والعراق ما بعد عام 2000 وتحوّل العالم الى قطب واحد بقيادة واشنطن بعد الإطاحة بالاتحاد السوفييتي، وإبعاده عن المشهد الدولي، وكل ذلك غيّر من طبيعة الصراع والتنافس على دول الشرق الأوسط.

العلاقات التركية – الإيرانية تشهد اليوم توتراً كبيراً وحاداً، خاصة بعد أن أطاحت تركيا في الفترة الأخيرة بالعديد من شبكات التجسس الإيرانية التي دخلت مع الموساد الإسرائيلي في معركة تصفية الحسابات على الساحة التركية فضلاً عن موقف طهران الرافض لعملية عسكرية تركية في سوريا، على الرغم من وجود أوجه التشابه، لكن بالمحصلة هي علاقات صراعية في جوهرها، وبالتالي يتحكم عاملان أساسيان في إيقاعها وهما: اولاً المصالح الثنائية (تصدير الغاز الإيراني إلى أوروبا عبر الأراضي التركية) والتي تشكل عامل قوة للمحافظة على التوازن في العلاقات الجيوسياسية جوهرها هي المصالح الاقتصادية، وثانياً أطماع إيران التوسعية، وبالتالي التنافس مع بقية الدول يزداد يوماً بعد يوم وخاصة مع الرياض وتل أبيب، مستغلةً التطورات الجيوبوليتيكية في العديد من الدول وخاصة في سوريا.

احتمال المواجهة داخل سوريا

العلاقات التركية الإيرانية تتدحرج اليوم نحو التصعيد والمواجهة ولو عبّر أدواتها داخل سوريا والعراق، وتحمل في طياتها الكثير من المخاطر، وبالتالي لكل دولة أوراقها وقوتها يمكن إبرازها في أي وقت، حيث تمتلك تركيا اليوم جيشاً من المعارضة السورية، يقدر عدد عناصره بأكثر من 200 ألف مسلح، بالإضافة إلى الآلاف من الضباط المنشقين من مختلف الرتب، جاهزين للانطلاق نحو حلب أو دمشق بمجرد وجود قرار سياسي يتيح ذلك، كما تمتلك أنقرة قواعد عسكرية في قطر وليبيا وأذربيجان وأخيراً إعادة العلاقات مع تل أبيب والرياض وأبوظبي إلى مسارها الصحيح، ومحاولة ضبط إيقاعات التمدد الإيراني في المنطقة، وجميع هؤلاء يجدون أنفسهم اليوم ضمن خندق واحد، يوجهون أصابع الاتهام لطهران باحتلال سوريا وقتل مليون مدني فيها، وتهجيرهم من أرضهم ووطنهم .

أما جغرافياً، فتحيط بتركيا 12 دولة مجاورة موزعة على مجموعات تضم كل واحدة منها ثلاث دول، في الشرق الأوسط (إيران والعراق وسوريا)، والقوقاز (أرمينيا وأذربيجان وجورجيا)، وأوروبا (قبرص واليونان وبلغاريا)، ودول أخرى ساحلية على البحر الأسود (روسيا ورومانيا وأوكرانيا) يتعيّن عليها المرور عبر مضائق تركية للنفاذ إلى المياه الدولية، وكل ذلك تساعد أنقرة في تحسين علاقاتها وتجعل من موقعها الستراتيجي قوة لها في مواجهة التحديات التي تحيط بها من جميع الجوانب، كما تربط جغرافيتها المياه الدولية ببعضها، وصلة الوصل ما بين آسيا و أوروبا، وإعادة التوازن مع الدول المذكورة.

أما في الضفة الأخرى، فتمتلك طهران بدورها أوراق تفاوضية وقوة بيدها، فهي تحرك حزب العمال الكوردستاني ضد تركيا داخل سوريا والعراق وتبتزها بين الفينة والأخرى، كما أن لها اليد اليمنى بدعم "حزب الله" التركي فضلاً عن دعمها لقوات سوريا الديمقراطية داخل سوريا، ومحاولة إنشاء كيان سياسي مناهض لتركيا فيها بالتنسيق مع الدول الغربية وتهديد أمنها القومي على المدى البعيد، كما تسيطر طهران اليوم وبالتواطؤ مع الدول الغربية على القرار السياسي في أربع عواصم عربية وهي بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء بالإضافة الى تجنيدها الآلاف من المرتزقة وخاصة من دول المعسكر الشرقي، وتشكيل أكثر من مئة ميليشيا موالية لها داخل سوريا ولبنان والعراق واليمن بحجة تصدير (الثورة) والهيمنة على مقدرات هذه الدول وخيراتها الطبيعية.

وبالمحصلة قد يقول قائل: إن سبب هذا التنافس على المنطقة، هو في الأصل (صراع مذهبي)، لكن في الحقيقة تبقى أيران وتركيا قوتان تتمتعان بوجهات نظر ستراتيجية متضادة ومختلفة حيال الأوضاع الراهنة في المنطقة، ومعظم المراقبين يعتقدون أن الصراع الرئيسي في الشرق الأوسط هو صراع بين - إيران وتركيا - اللتين يُنظر إليهما على أنهما يقودان المعسكرين الشيعي والسني على الترتيب - قلةٌ فقط تدرك أن هذا الصراع سياسي و مستمر منذ قرن كامل.

خلاصة القول:

تنطلق طهران اليوم في سياستها الخارجية من مفهوم (تصدير الثورة) التي جاءت بالخميني حاكماً على إيران بعد إسقاط حكم الشاه 1979، وتحاول جاهدةً استغلال الصراع (الروسي - الأميركي) على أوكرانيا لترتيب أوراقها من جديد مع واشنطن وتل أبيب حول ملفها النووي رغم الحرب الخفية الدائرة فيما بينهم وخاصةً في المجال الاستخباراتي، أما الأتراك فلم يكونوا يوماً ما أصحاب (النظرية التوسعية) منذ سقوط الخلافة العثمانية حتى وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة السياسية عام (2002)، وبالتالي التغلغل الإيراني داخل سوريا والعراق وتهديد الأمن القومي التركي، دفعت بأنقرة الى الرد والتحرك وإجراء مناورات عسكرية مع أذربيجان في منطقة "ناختشقان" بالقرب من الحدود الإيرانية في العام الماضي، وقدمت دعماً عسكرياً لأذربيجان خلال الاشتباكات العسكرية في إقليم" ناغورنو كاراباخ" المتنازع عليه بين أرمينيا وأذربيجان، وكل ذلك كان بمثابة رسائل تحدي تركية لإيران وتهديد أمنها عن قرب، كما تستضيف اليوم العديد من القواعد الأميركية والأطلسية التي تستهدف إيران بشكل مباشر، وأهمها قاعدة "إنجرليك" شرق البلاد، ومهمّتها بالدرجة الأولى هي رصد تحركات الصواريخ الباليستية الإيرانية التي قد تستهدف "إسرائيل" ودول الخليج العربي وخاصة المملكة العربية السعودية ودولة قطر والإمارات العربية المتحدة، كما استغلت طهران الأزمة السورية فدعمت نظام الأسد بكل قوة داخليّاً وخارجياً وزودته بالمال والسلاح والقوات النظامية وغير النظامية، وكان مبرر إيران في ذلك: الحفاظ على المصالح الستراتيجية الإيرانية في سوريا، فضلاً عن أنها رأت فيما يجري في سوريا تهديداً لأمنها القومي ولمحور "الممانعة" الذي تتبناه، كل المؤشرات تدل على أن التصعيد بات سيد الموقف رغم موقف طهران المفاجئ بتفهمها "لمخاوف التركية الأمنية" داخل سوريا، جاء ذلك بعد زيارة وزير خارجيتها "حسين أمير عبد اللهيان" إلى تركيا في مطلع هذا الأسبوع لتهدئة الأوضاع مع أنقرة وربما لتقديم اعتذار رسمي إلى الحكومة بعد فضيحة شبكات التجسس الإيرانية في إسطنبول التي كانت تراقب وترصد تحركات المسؤولين الاسرائيليين في تركيا، بالمحصلة، طهران تعلم علم اليقين أن تركيا ستنفذ عملية عسكرية جديدة في شرق الفرات حتى لو كلفتها حرباً عالمية ثالثة، وما نشهده الآن من الهدوء النسبي ليس إلا هدوء ما قبل العاصفة، يبدو ان أنقرة قلّبت الطاولة عليها وأجبرتها على تغيير موقفها السياسي فضلاً عن حصولها على ضوء أخضر روسي ولو بشكل غير معلن، وحسمت الأمر أيضاً مع زعماء الناتو في مدريد وحصلت على ما تريدها مقابل الموافقة على ضم ستوكهولم وهلسنكي إلى هذا الحلف، وعادت طبول الحرب تقرع من جديد بعد التصريح الأخير الذي أدلى به الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" قائلاً: ان "العملية العسكرية ستنفذ بمجرد الانتهاء من التحضيرات"، وهذا ما يعتبره المراقبون بانه تحد تركي واضح ومحاولة لنسف المخطط الغربي في شرق الفرات والذين ينظرون اليوم إلى إيران وتركيا على أنهما الحاضر الغائب في جميع أزمات والصراعات الدائرة هنا وهناك وبالتالي مضطرون أحيانا للدخول معهما في عملية تدوير الزوايا حول شؤون المنطقة، لأن البلدين يعدّان نفسيهما القوة الإقليمية التي تمتلك زمام الأمور في الشرق الأوسط .

 

 

روداو

Top