لا تستكثروا منصب الرئيس على الديمقراطي
معد فباض
لماذا يستكثرون على الحزب الديمقراطي الكوردستاني حقه الشرعي والدستوري في منصب رئاسة جمهورية العراق؟ هنا لا ندافع عن السيد هوشيار زيباري، مرشح الحزب الديمقراطي الكوردستاني، ولا نحن ضد ترشيح السيد برهم صالح، من قبل الاتحاد الوطني الكوردستاني، لولاية رئاسية ثانية، بل نتحدث عن حق دستوري لحزب سياسي كوردي عريق، يعد واحداً من أقدم الأحزاب الوطنية الذي ما يزال يمارس نشاطه السياسي منذ تأسيسه من قبل قائد الثورة الكوردية، الزعيم ملا مصطفى بارزاني في 16 آب عام 1946، ومواصلة نضاله بقيادة نجله الزعيم مسعود بارزاني منذ عام 1979، وهو الذي حمل السلاح في الثورة الكوردية منذ أن كان عمره 14 عاماً.
من تنظيمات وأفكار وبيت الحزب الديمقراطي الكوردستاني خرجت غالبية الأحزاب الكوردية في كوردستان الكبرى، بعضها انشقت عنه، وفي مقدمتها الاتحاد الوطني الكوردستاني، والبعض الآخر تأسس استلهاماً لأفكاره القومية، والقسم الكبير يُعد بمثابة فروع له بأسماء مختلفة، فهو بذلك الحزب الأب، والحزب الطليعي، وهو المنار الذي قاد وما يزال يقود الآخرين إلى القمة التي يتربع فوقها.
في مذكراته التي دونتها عنه وحررتها في كتابي "سنوات النار والثلج"، يبدي الزعيم الكوردي جلال طالباني، الذي كان أحد أبرز قياديي الحزب الديمقراطي الكوردستاني والذي ناضل إلى جانب الزعيم الخالد ملا مصطفى بارزاني، يبدي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أسفه وندمه لانشقاقه عن الحزب الأب. وفي حديثه عن لقائه التأريخي مع الزعيم الخالد في موسكو، قال: "كان عمري وقت ذاك 24 عاماً، توجهنا إلى العمارة التي كان يسكن فيها بارزاني وصعدنا بواسطة المصعد من غير أن أنتبه في أي طابق كان، وضرب أحد المرافقين الجرس، ففوجئت أن ملا مصطفى بارزاني فتح الباب بنفسه، حييته، ثم عانقني، فأغمي علي من شدة الفرحة". وهنا فلتت دمعتان من عيني الرئيس طالباني مسحهما مزيحاً قليلاً نظارته، هدأ قليلاً واستعاد وضعه، ثم قال: "ذلك إن بارزاني يمثل، بالنسبة لي، رمزاً كبيراً وأسطورة في نضالنا الكوردي".
قبل أيام نقل لي صديق، وهو عضو مكتب سياسي في الاتحاد الوطني الكوردستاني بعض تفاصيل آخر اجتماع للأمين العام للحزب، جلال طالباني، مع بعض أعضاء وقياديي المكتب السياسي للاتحاد في مقرهم في أربيل، قبل أن يشتد المرض عليه ويغادر إلى ألمانيا أاغراض العلاج، " كان وكأنه ينقل لنا وصيته السياسية الأخيرة، قال طالباني: "كل متعلقات الاقتتال بيننا وبين البارتي انتهت، ويجب أن تنتهي وبلا رجعة، وعلينا أن نؤمن بأن البارتي هو حليفنا القوي، ويجب أن نعمل بهذا الاتجاه، فنحن لا حليف لنا سواهم من أجل القضية الكوردية، ويجب أن ينتهي أي تثقيف عدا ذلك، وأنا سأقف ضد من يتصرف عكس هذا الاتجاه". ذلك أن البيت الكوردي، المحاط بالأعاصير والمؤامرات، داخلياً واقليمياً، لا يتحمل أي انشقاقات تضعف كلمة وإرادة الكورد بعد أن قاتلوا وعلى مدى ما يقرب من قرن أعتى الجيوش وضحوا بمئات الآلاف من المواطنين، وبعد أن حققوا أعظم الانجازات بإعلان إقليم كوردستان شبه المستقل، وتم بناؤه وإعماره ليكون إقليماً حضارياً متطوراً ومحط أنظار الجميع، وكل هذا ما كان ليتم لولا تضحيات الكورد، والحزب الديمقراطي الكوردستاني بزعامة البارزانيين وفي مقدمتهم الرئيس مسعود بارزاني.
كان الحظ قد حالفني للقاء الزعيمين، بارزاني وطالباني، منفردين أو اللقاء بهما مجتمعين لمرات عديدة، وكنت أرصد مدى تفاهمهما واتفاقهما العالي من أجل الكورد والقضية الكوردية من جهة وحرصهما على تحقيق نظام عراقي فيدرالي ديمقراطي، وكان هذا واضحاً للعيان وللرأي العام العراقي والعربي والعالمي، لم يكونا يسمحان لأي حدث يشوب علاقتهما، وعلاقة الحزبين من أجل مصلحة الكورد والعراقيين، وكانا يدركان حجم المخاطر التي تترصد إقليم كوردستان ويتجنبان أعاصيرها بحكمة وذكاء وبروح الاحساس بالمسؤولية، ولم يكن يقف في مسيرة تفاهماتهما منصب في أربيل أو آخر ببغداد، وكانت تضحيات الحزب الديمقراطي كبيرة وكثيرة في هذا المجال من أجل الحفاظ على الاتفاقات ووحدة وقوة البيت الكوردي التي هي مصدر مهم من مصادر قوة البيت العراقي.
ومنذ 2005 وحتى اليوم، يستأثر الاتحاد الوطني الكوردستاني بمنصب رئاسة الجمهورية، ويدافع عن ذلك بأن المنصب، وحسب العرف السياسي المتبع، هو من حق الكورد، وكل القوى السياسية تعرف وتعترف بذلك، لكن الكورد لا تعني الاتحاد الوطني فحسب، وتمثيل الكورد لا ينحصر بحزب واحد، وبعد أربع فترات رئاسية شغلها ثلاثة زعماء من الاتحاد الوطني يجد الحزب الديمقراطي الكوردستاني أن من حقه دستورياً وحسب استحقاقه الانتخابي، كوردستانياً وعراقياً، أن يشغل مرشحهم منصب رئاسة الجمهورية، وهذا المطلب ليس حزبياً وحسب بل هو إرادة جماهير الديمقراطي الكوردستاني الذين يكن لهم حزبهم الكثير من الاحترام والتقدير لدعمهم الحزب في جميع المواقف الصعبة والمراحل التاريخية، وبالتالي هم من منحوا أصواتهم للحزب ويجدون أنه لا بد من أن يجنوا ثمار صبرهم ونصرهم الانتخابي، وإلا ما معنى أن يحصل حزبهم على 31 مقعداً، اضافة إلى خسارتهم لمقعدين لأسباب غير مبررة، ويتنازلوا عن استحقاقاتهم الانتخابية أمام حزب حصل على 15 مقعداً قبل أن يضاف إليها مقعدان من حصة الديمقراطي، إذا لم يجنوا ثمار هذا الفوز واستحقاقاته؟ وترى جماهير وقيادة الحزب أن منصب رئاسة الجمهورية في مقدمة هذه الاستحقاقات.
ومنذ الاعلان عن ترشيح هوشيار زيباري، عن الحزب الديمقراطي، لمنصب رئيس الجمهورية، يواجه الديمقراطي زوبعة من الشائعات والتحليلات والاعتراضات والاتهامات باعتباره تجاوز على حق غيره، واعتبرت الأطراف المعترضة أن قصر السلام ببغداد، ومنصب الرئيس وقف عليهم وليس من حق غيرهم الوصول إليه، تم ذلك بعيداً عن روح التفاهمات داخل البيت الكوردي، وصور الموضوع للرأي العام باعتباره خروجاً من قبل الديمقراطي عن الاتفاقات مع حليفه السابق الاتحاد الوطني، وتم تسويق المسألة بهذا الاتجاه عراقياً من أجل إضعاف موقف الديمقراطي، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك عندما أشاعوا بان الديمقراطي سحب مرشحه، زيباري، وان المرشح الوحيد، والشرعي، والدستوري، الرئيس المنتهية ولايته، صالح، وتم توظيف أجهزة إعلامية بأكملها من اجل تكريس هذه الفكرة التي كان من المفترض مناقشتها بصدر رحب في أربيل وليس ببيت نوري المالكي في المنطقة الخضراء.
وسرعان ما جاء الرد واضحاً وحاسماً من زيباري الذي أكد بانه لن ينسحب من ترشيحه لمنصب رئيس الجمهورية، كما أكد عرفات كرم، مسؤول الملف العراقي في مقر الرئيس مسعود بارزاني، بإن "مرشح الرئيس مسعود بارزاني لمنصب رئيس جمهورية العراق هو هوشيار زيباري وسيبقى كذلك"، مشيراً إلى أن "هوشيار زيباري ليس مرشح الحزب الديمقراطي الكوردستاني وحسب، بل هو أيضاً مرشح الصدريين وتحالف السيادة"، مذكراً بأن "برهم صالح يضع العقبات في طريق جلسة البرلمان ليبقى هو في منصبه".
اليوم تثار في الفضاء السياسي عواصف ترابية لتشويش الرؤية، حول السيرة السياسية الوطنية لزيباري، متخذين من المحكمة الاتحادية مبرراً لوضع العصي في دواليب العملية السياسية، وتنفيذ التوقيتات الدستورية التي تتعلق بانتخاب رئيس الجمهورية ومن ثم تشكيل الحكومة العراقية، لكن سرعان ما ستزيح شمس الحقيقة تلك العواصف الهشة، وتزيح الكتلة الأكبر، التيار الصدري وتحالف السيادة والحزب الديمقراطي الكوردستاني أية عوائق أو عصي في دولاب العملية السياسية.
إن الصراع المعلن إعلامياً يوحي بأن المعركة محصورة بين زيباري وصالح، بينما هي في الحقيقة خلاف بين حزبين كورديين، أحدهما يطالب باستحقاقه الانتخابي الدستوري المشروع، الديمقراطي، والآخر يعتبر منصب الرئاسة وقفاً ثابتاً له، الاتحاد. ونجد انه كان على الاطراف الكوردية حل هذا الإشكال في مقر الرئيس مسعود بارزاني بمصيف صلاح الدين في أربيل، كونه يمثل رمزاً كوردياً وعراقياً حريصاً على مصلحة جميع العراقيين اعتماداً على حكمته وحنكته وخبراته السياسية والنضالية الغنية.
باسنيوز
