أمن الطاقة العراقي وموقع إقليم كوردستان منه
يقع العراق في منطقة غنية بالثروات الطبيعية وخاصة النفط والغاز، وكان منذ القدم الطريق الاقتصادي الرابط بين الغرب والشرق، ويشكل إقليم كوردستان جزءاً هاماً من اقتصاد وأمن العراق، وسنتحدث هنا عن موقع إقليم كوردستان في هذا السياق وعن سبل تعزيز هذه العلاقة.
تتمثل مصادر الطاقة في العراق في ما يأتي:
النفط الخام: العراق دولة مصدرة للنفط وهو عضو مؤسس في أوبيك، وينتج أكثر من 4.5 مليون برميل نفط يومياً، يصدر نحو 3.8 مليون برميل منه، ويتوقع أن يتمكن بحلول العام 2030 من زيادة إنتاجه اليومي بمقدار 1.5 مليون برميل ليتجاوز إنتاجه ستة ملايين برميل من النفط يومياً. لكن تحقيق هذا الهدف بحاجة إلى مجموعة مشاريع وإصلاحات في البنية التحتية لقطاع النفط العراقي، كتوفير أكثر من ثلاثة ملايين برميل ماء يومياً لضخه في الآبار النفطية لرفع الضغط في آبار جنوب وجنوب شرق العراق.
ولعائدات النفط مكانة هامة وخاصة في الاقتصاد والموازنة العامة العراقية، ففي العام 2017 شكلت عائدات النفط أكثر من 37% من الناتج المحلي الإجمالي للعراق وكانت هذه النسبة في 2011 أكثر من 50% وكان سبب هذا الاختلاف تراجع أسعار النفط وليس الإصلاح الاقتصادي، كما يتم تأمين أكثر من 85% من الموازنة العامة العراقية من عائدات النفط.
تصفية النفط وتأمين الوقود: يمتلك العراق (وبضمنه إقليم كوردستان) القدرة على تصفية مليون برميل من النفط، لكن 60% من هذه القدرة تم القضاء عليها بسبب حرب داعش وتداعياتها، ويمكن من خلال إصلاح وإعادة تفعيل مصفى بيجي وحده توفير 2.5 مليار دولار من نفقات استيراد الوقود سنوياً.
الغاز الطبيعي: يقدر احتياطي الغاز الطبيعي العراقي بستة ترليونات متر مكعب من الغاز الطبيعي، ويقع القسم الأكبر من هذا الاحتياطي في إقليم كوردستان. لكن العراق يحرق أكثر من 62% من الغاز المصاحب الناتج عن الآبار النفطية بسبب الافتقار إلى الاستثمار في هذا القطاع، في حين يستورد الغاز اللازم لمحطات إنتاج الطاقة الكهربائية من إيران.
الكهرباء: بسبب تدمير الجزء الأكبر من البنية التحتية لقطاع الكهرباء العراقي، بعد العام 2003 وحرب داعش، لم يعد العراق قادراً إلا على إنتاج 50% من حاجته إلى الطاقة الكهربائية، ويستورد الكهرباء من إقليم كوردستان وإيران (أكثر من 1200 ميغاواط في الساعة)، كما ينوي ربط شبكة الكهرباء الوطنية مع الأردن ثم مع كل من الكويت والسعودية.
كما أن شبكة توزيع الكهرباء الوطنية العراقية بالية جداً ما يتسبب في ضياع ما بين 35 و50% من الكهرباء المنتجة في تلك الشبكة، وهذه أعلى نسبة ضائعات في شبكة نقل الطاقة الكهربائية بعد ليبيا، على مستوى الدول العربية.
ومن المتوقع أن تتضاعف الحاجة إلى الطاقة الكهربائية خلال عشر سنوات وبحلول العام 2030 إلى الضعف، وكنتيجة لغياب الخطط العاجلة وعدم توفر الميزانية سيبرز العجز في الكهرباء بصورة أوضح في السنوات القادمة.
الماء: بسبب قلة المناطق الجبلية وتراجع نسب هطول الثلوج والأمطار في العراق، فإنه يعول إلى حد بعيد على المياه التي يوفها نهرا دجلة والفرات اللذان ينبعان في الأراضي التركية، وعندما تنشئ تركيا سداً أو تحجز الماء أو تقلل نسبة الماء الوارد إلى العراق، يتعرض العراق لخطر شحة المياه.
يعتمد العراق في الاتصال بالعالم الخارجي في مجال شراء وبيع الطاقة على الحدود المائية لمحافظة البصرة المطلة على الخليج والتي يبلغ طولها 58 كيلومتراً فقط، وحدوده البرية مع كل من إيران، الكويت، السعودية، الأردن، سوريا وتركيا (عبر إقليم كوردستان)، ولم تعد حدوده البرية مع سوريا والسعودية والأردن فعالة كما يجب نتيجة الأزمة السورية وحرب داعش وتداعياتها. ما يعني أن الجزء الأكبر من التبادل التجاري والطاقوي للعراق يجري من خلال الحدود المائية في البصرة والحدود البرية مع إيران وتركيا.
يملك إقليم كوردستان أكثر من 29% من احتياطي النفط الخام وأكثر من 60% من احتياطي الغاز الطبيعي في العراق. كما يمتلك أنبوباً ناقلاً للنفط إلى ميناء ميرسين التركي يستطيع تصدير 700 ألف برميل نفط يومياً (وهناك خطة لرفع قدرة الضخ هذه إلى مليون برميل يومياً).
كما يستطيع إقليم كوردستان تصفية نحو 150 ألف برميل نفط في اليوم (نحو 30% من إجمالي قدرة التصفية المحلية العراقية) وتستطيع محطات توليد الكهرباء في إقليم كوردستان توليد أكثر من 6000 ميغاواط من الكهرباء، كما أن أكثر من 50% من مياه العراق يمر عبر إقليم كوردستان. إلى جانب ذلك، يعتبر إقليم كوردستان الطريق الوحيد لتصدير نفط كركوك واستيراد المنتوجات النفطية من تركيا إلى العراق. كما يتم توفير جزء من حاجة العراق إلى الطاقة (الوقود والكهرباء) من مصافي ومحطات إقليم كوردستان. هذه الأمور مجتمعة، وفرت لإقليم كوردستان موقعاً هاماً في مجال أمن الطاقة العراقي، وقد زادت أهمية هذا الموقع مؤخراً نتيجة لمشاكل الخليج ومضيق هرمز وعدم الاعتماد الكامل على المنافذ الحدودية العراقية مع السعودية والكويت والمشاكل الأمنية على الحدود السورية. ففي شهر تموز 2019، وبعد اتفاق إقليم كوردستان مع الحكومة المركزية العراقية، بدأ تصدير 101 ألف برميل من نفط كركوك عن طريق أنبوب إقليم كوردستان الناقل وهو ما يشكل مكسباً هاماً جديداً للطرفين.
لكن كون تأثيرات العوامل التي تتحكم بأمن الطاقة غير دائمية، يحتم على إقليم كوردستان أن يعمل على تعزيز تلك العوامل التي رفعت مكانته في أمن الطاقة العراقي، ويوطد ويعزز علاقته مع أمن الطاقة العراقي في مجالات من قبيل رفع مستوى إنتاج النفط والغاز، زيادة قدرات التصفية وإنتاج الطاقة الكهربائية، زيادة قدرة الضخ عبر أنبوبه الناقل، وتصدير الطاقة إلى سائر أنحاء العراق وتنمية التبادل الطاقوي مع العراق.
روداو
