ثقافة غزو مقابل ثقافة إنسحاب.. (أمة في قلق)
الهجوم الذي شنه التنظيم الاسلامي المتشدد (داعش) عام 2014 على منطقة شنكال ومن ثم على سهل نينوى، لا يعد حدثا بمعزل عن التأريخ او فعلا خارج عوامل ومرتكزات ثقافية تبلورت منذ العصر الجاهلي (عصر ما قبل الاسلام) بصيغة ثقافة الغزو، وكلمة الغزو بعد مفهومي من ثقافة أباحت مهاجمة الآخر واستباحة دمه وعرضه وماله وممتلكاته، هذه لا نجد مقابلا لها في اللغة الكوردية، اي ان المفهوم وابعاده مسقط وغير وارد في الذهنية الجمعية للكورد، انها نتاج بداوة الجزيرة العربية، وخطرها الحقيقي يكمن الآن في اعادة انتاج ذاتها وتجدد ديناميكية فعلها، فهي كالقنبلة الموقوتة القابلة للانفجار في اي زمان ومكان، او كالخلية السرطانية النائمة، قابلة للانتعاش دوما والتمدد.
البداوة وما فيها من روح الغزو، ثقافة امتدت أغصانها وجذورها الى بلدان شتى خارج محيطها، تتمترس بايديولوجيا عقائدية مفعمة بالعنف والعدوانية، ويضفي منظروها وقادتها القداسة على مغامراتها العدوانية وغزواتها العمياء التي لا تستثني احداً حتى وان كان إبن المعتقد والطائفة نفسه!
ثقافة الغزو اجتاحت منذ خروجها من موطنها في الجزيرة بلدانا كثيرة في آسيا وافريقيا، وفرضت نظرتها وثقافتها الاحادية على أقوام وأمم هذه البلدان بحد السيف الذي كان الفيصل بين الغزاة بثقافتهم البدوية وامم الاوطان التي فتحوها، وقدر تعلق الامر بالامة الكوردية، يمكن الرجوع الى المصادر التأريخية للوقوف على طبيعة ردة فعلها إزاء حملات الغزو القادمة من الجنوب تارة ومن الشرق تارة اخرى، ردة الفعل هذه التي تباينت بين الهرب والردع، وكانت عموما تتصف بمرحلتين، انسحاب يليه ردع ومقاومة، فقد كانت ارادة التمرد وعدم الخضوع هي السائدة لدى الكورد، وفي ظل اختلال توازن القوى بين الغزاة المهاجمين والكورد المتوطنين اصحاب الجغرافية، الاخيرون (الكورد) كانوا يلجأون الى الهجرة والاحتماء في اعماق وثنايا جبالهم.
ولم يقتصر المشهد الدراماتيكي بين الطرفين على معادلة الهجوم والهروب، بل كثيرا ما كان الكورد يعيدون ترتيب صفوفهم ويلملمون قواهم وقواتهم ويهاجمون الغزاة في مسعى منهم لاستعادة السيادة على اراض فقدوها على يد هؤلاء الغزاة، ولعل التغييرات الديمغرافية خلال الاربعة عشر قرنا الماضية توضح خلاصة المواجهات التي حدثت بين حاملي ثقافة الغزو وحاملي ثقافة الهروب وما نتج عنها من اعادة رسم الخارطة الاثنية لجغرافية الشرق الأدنى.
جاء في مقال نشره ابراهيم علاء الدين في موقع (الحوار المتمدن): (من وجهة نظري المستندة الى رؤية تأريخية، اينما وجدت البداوة وثقافة البداوة وجد التخلف والتردي والهوان، سواء في اوربا حتى القرن السادس الميلادي، أم في آسيا الوسطى التي مازالت البداوة تنخر في عظام الكثير من دولها، او فيما يعرف بالشرق الاوسط بما فيه من بلاد العرب وتركيا وايران وباكستان)، ويزيد (ابن خلدون) في الفصل السادس والعشرين من (المقدمة) وعنوانه (ان الاعراب اذا تغلبوا على أوطان أسرع اليها الخراب)، (..طبيعة وجودهم منافية للبناء الذي هو اصل العمران، هذا في حالهم على العموم، وايضا فطبيعتهم انتهاب ما في أيدي الناس، وان رزقهم في ظل رماحهم، وليس عندهم في أخذ أموال الناس حد ينتهون اليه..)، ولعل الذي حصل بحق المسيحيين في الموصل وسهل نينوى والايزديين في شنكال، يقدم نماذج صارخة شاهدها العالم أجمع لتواصل شراسة البداوة وفداحة تهديدات ثقافة الغزو بعد ان تحول الرمح الى اسلحة حديثة شديدة الفتك.
لقد عاشت نسبة كبيرة من مواطني اقليم كوردستان اثناء غزوة داعش الاخيرة حالة غير اعتيادية من القلق، فمع توفر حجم كبير من طاقات وامكانيات الدفاع والمقاومة لدى شعب كوردستان ضد الغزاة من داعش، والحضور العالمي القوي لتدارك أية انتكاسة انسانية اينما تحصل، وكوردستان بالتأكيد غير مستثناة، الا ان القلق ظل سيد الموقف اجتماعيا ونفسيا وبسط جناحيه على الحالة السايكولوجية لقطاع واسع من مواطني اقليم كوردستان، هذا القلق متأصل في لاوعي الفرد الكوردي، مرده تأريخ قرون طويلة من الصراع والصدامات الدموية الرهيبة بين الغزاة المدفوعين تحت ضغط او اغراءات ثقافة الغزو من جهة وسكان كوردستان الذين ألفوا العيش وفق ابجديات حياة توفرت فيها اسباب الاكتفاء الذاتي من جهة اخرى، فكوردستان بريفها ومدنها كانت تتمتع باكتفاء ذاتي بما تنتج من غلال ومحاصيل زراعية وكذلك بما يصنعه وينتجه الحرفيون الى جانب المنتجات الحيوانية والدواجن ومربي النحل واصحاب بساتين الفاكهة، وبذلك فان كل فرد كوردستاني كانت لديه مصادر تدر عليه قدرا يؤمن حياته، بل حتى العشائر الكوردية الرحالة كانت تنتج المنتجات الحيوانية وبعض المنتجات الحرفية خصوصا السجاد والحاجيات المنزلية والادوات الزراعية، وتقايض ما تنتجه مع الآخرين او تبعيه في اسواق المدن والبلدات.
ثقافة الغزو لم تبارح المخيلة الجمعية للكورد، فقد شهد اقليم كوردستان خلال نصف قرن مضى ثلاث غزوات اعادت احياء ذهنية الحيطة والحذر لديه من مخاطر الغزاة، أولى هذه الغزوات نفذتها ميليشيات (الحرس القومي) التي شكلها حزب البعث خلال توليه السلطة في بغداد عام 1963، وحملات الانفال التي نفذتها حكومة صدام عام 1988 كانت الغزوة الثانية وضحاياها ليس بأمر خاف على القارىء العربي وغير العربي وأخيرا جاءت غزوة داعش في شهر آب من هذا العام، اي ان الكورد العراقيين تعرضوا خلال خكسين عاماً فقط، لثلاث غزوات متتالية من قبل السلطات العراقية او احزاب عنصرية ومنظمات تكفيرية شديدة التطرف.
التأريخ يعيد نفسه مراراً وتكراراً، غزو يرافقه قتل ونهب وسلب وسبي وحرق واغتصاب يقابله (كورديا) هروب فصد وردع، وفي ظل تواصل ثقافة الغزو لا يمكن للامة الكوردية وعموم الكوردستانيين أن يعيشوا من دون قلق، الدولة الكوردية المنتظرة هل سيكون بامكانها تحويل القلق الكوردي/الكوردستاني الى أمن وطمأنينة وتحمي كوردستان وأهلها من شرور الغزاة؟ التأريخ يجيب بان الدول وجيوشها الجرارة لم تصمد حتى النهاية امام توالي هجمات الغزاة والغزو الذين يندفعون في كل غزوة جديدة لهم وهم محملون بكم كبير من الشحن العقائدي والوعود الميتافيزيقية وغنائم على الارض تلبي رغباتهم وغرائزهم البدائية وتطلعاتهم الهدامة.
طيب، هل الحل في ان نسعى لبناء سور مماثل لسور الصين العظيم ليفصلنا عن عالم الغزاة والغزو وشرورهم؟ قد يكون هذا الحل ضربا من الفنتازيا في عصرنا هذا! لكن ترى اين يكمن الحل الحقيقي لهذه المعضلة الوجودية الخطيرة؟ انا اعتقد وبتواضع شديد ان طريق الحل يمر عبر واد ثقافة الغزو والبداوة التي تعيد انتاج مفرداتها، ومن المنطق ان نقول، بان لهذه الثقافة دعاتها ومروجوها الذين يبعثون فيها الحياة وينفضون الغبار المتراكم عليها بين الفينة والاخرى، ها قد مرّ اربعة عشر قرنا من دون ان نشهد نهاية لثقافة الغزو المنتجة للكراهية والعنف المفرط والغاء الآخر تماما، فمازالت الحالة السائدة في مجتمعات الشرق الاوسط هي ان استخدام العنف هو السبيل الامثل لحسم الخلافات، وقد فشلت حتى الآن مشاريع الدمقرطة التي بشرت بها القوى الغربية وسعت لبنائها وارساء أسسها في مجتمعات الشرق الاوسط.
اذن، نحن أمام أزمة وجود في ان نكون أو لا نكون، يمكن لها ان تتفاقم في اية لحظة وتتحول الى تهديد خطير للأمن والسلم الاقليمي والعالمي، والكورد أمة تعيش القلق وسط أمواج عاتية قادمة من مواطن ثقافة الغزو، استطاعت الصمود والبقاء حتى الآن وهي تتطلع الى ان تكون الاشراقة التي تحول ظلام ثقافة الغزو الى نور الحضارة، هذا التطلع له أرضية حقيقية في التجربة السياسية والثقافية الكوردية، وتجاوب العالم المتمدن مع الكورد في محنتهم مع غزوة داعش واستعداده لدعمهم، دليل مصداقية التطلع الكوردي وتجربته.
هذه الايام ايضا نشهد تجليات جديدة لثقافة الغزو من خلال حرق حقول قمح الفلاحين الكوردستانيين وتهديدهم بالطرد لاغتصاب اراضيهم، خصوصا في مناطق التحادد الكوردي- العربي في العراق، حيث شهدت منطقة حزام المناطق المتنازع عليها منذ 16/اكتوبر/2017 انقلابا ضد الدستور والشرعية، حيث ضربت تضحيات البيشمركة لحماية هذه المناطق من الدمار واهلها من الهلاك، ليتم مكافئة شعب كوردستان على غرار ما فعلته الحكومات العراقية السابقة بضرب هذا الشعب وزعزتة امنه واتباع سياسة الارض المحروقة واعادة احياء سياسة الاحتلال والاغتصاب ضد جغرافية كوردستان وبدعم من قوى اقليمية ودولية.
