كركوك المعلقة..هل لها ان ترسو؟ (4-4)
دوافع الازمة (البترول)
يقول اغلب المتخصصون في شأن كركوك بأن اساس الصراع على هوية كركوك هو ثروتها النفطية. وهذه المقولة ليست حصرا على المتخصصين والباحثين، بل انها باتت على لسان العامة من الناس ايضا. وهذا الامر يعد حقيقة تدعمها العديد من الادلة والبراهين منذ عهد الاحتلال البريطاني حتى هذه الساعة.
السلطات العراقية غير مستعدة للتنازل عن ثروة كركوك النفطية التي تمد خزانة الدولة العراقية بالمزيد من الايرادات السنوية، وحتى اثناء المفاوضات المديدة بين الحكومات العراقية المتعاقبة وحركات واحزاب التحرر الكردستانية وقادتها حول مصير كركوك، لم يخفي القادة العراقيون اهمية نفط كركوك ودورها في اضعاف العراق ودعم حلم استقلال كردستان العراق، بحسب تصوراتهم.
ربما تتباين الحجج وتتفاوت المسوغات حول عدم البت النهائي في مسألة كركوك، لكن يبقى عامل الثروة النفطية في هذه المحافظة محركا اساسيا وعاملا حاسما في تحديد مصيرها. ومن هنا يمكن التركيز في المفاوضات بين الاطراف المتنازعة على هوية كركوك على مسألة الثروة النفطية بما يلبي طموحات كل طرف ويضع حدا لحالة الصراع المستدامة منذ آماد بعيدة، بل منذ تأسيس الدولة العراقية حول هويتها.
جغرافية الازمة (من الولاية الى المدينة)
تعود جذور ازمة كركوك، مثلما سبق الاشارة اليه، الى قرن كامل قبل الآن. سبق وان قلنا بأن ولاية الموصل (وسنجق كركوك احد سناجقها الثلاثة) شكلت نقطة خلافية بين جمهورية تركيا الفتية التي أسسها مصطفى كمال اتاتورك وسلطات الاحتلال البريطاني التي دخلت غازية العراق. وقبل الحاق الولاية بالمملكة العراقية، سبق وان قاوم الكرد سلطات الاحتلال البريطاني مطالبين بتأسيس مملكة كردستان. هذه المملكة التي كانت كركوك احدى مناطقها الاساسية. وربما لا يتطلب المقام اطالة الحديث حول مآل المطالب الكردية وكيف جابه البريطانيون، ومن بعدهم الحكومة العراقية، المطالب الكردية. وبذلك فان جذر الازمة تحول من صراع حول عائدية ولاية الموصل الى صراع حول تبعية كردستان الجنوبية (كردستان العراق لاحقا).
تفهم البريطانيون آلية للالتزام بالحقوق والمطالب الكردية وتحقيق مدى لم يتم تحديده بالضبط من الحقوق القومية التي طالب بها الكرد ضمن اطار الدولة العراقية. وقدر تجاوب وتفهم السلطات العراقية، تم الاعتراف بحيز من الحقوق والمطالب الكردية، وسعت السلطات العراقية مع توالي الحكومات الى تضيّق مساحة هذه الحقوق حدا دفع الكرد الى التمرد والانخراط في نشاطات معارضة، بلغت في كثير من الاحيان حد العصيان المدني والانتفاض واللجوء الى سلسلة من الثورات المتتالية. وقد تلقت السلطات العراقية طوال العهدين الملكي والجمهوري الدعم اللوجستي من القوى الاقليمية والدولية لقمع الثورات الكردية وعدم الرضوخ للمطالب الكردية. وخلال جميع جولات الحوار والتفاوض التي جرت بين قيادات كردستانية والحكومات العراقية المتعاقبة، كانت مسألة حدود كردستان احد المسائل الخلافية التي لم يتوصل بموجبها الطرفان الى حل مرض للطرفين. بل ان حالة تراجع الجانب الحكومي العراقي عن تنفيذ بنود الاتفاقيات الثنائية المعقودة بين الطرفين كانت هي المحرك لاندلاع الصراع كرّة اخرى بعد كل جولة حوار تجري بين الطرفين. ودوما كانت كركوك وتبعيتها الادارية في صلب الصراع الدائر بين الطرفين.
انصاف الحلول (تقطيع الجغرافية)
كركوك قضية وطنية وانسانية. لها ابعادها ومدياتها على مستويات عدة. وكأي قضية وطنية وانسانية تستوجب الحل العادل. وانصاف الحلول لا تعالج هذه القضية، خصوصا واننا شهدنا انصاف حلول سبق وان طبقت بداية الربع الاخير من القرن الماضي، حين تم تقطيع اوصال المحافظة وسلخ اكثر من نصف مساحتها. لا حاجة للاشارة الى ان تغيير الخارطة الادارية لكركوك عام 1976 لم يكن بدافع ايجابي، بل كان غايته احداث تغيير في التركيبة السكانية للمحافظة بما يتوافق مع خطط وبرامج الحكومة العراقية آنذاك وهي تبغي سلخ هذه المحافظة عن جغرافيتها الاصلية ومصادرة هويتها المحلية (الكردستانية).
تقول الوثائق والمصادر ذات الصلة بان الحكومة العراقية قد طرحت فكرة الادارة المشتركة لكركوك على ان تكون تابعة للمركز، وكذلك فكرة تقسيم المدينة الى شطرين، الشرقي يتبع كردستان والغربي يتبع المركز. هذه القرائن طرحها الوفد الحكومي المفاوض على وفد القيادة الكردستانية قبل تجدد القتال بين الجانبين عام 1974. باعتقادي كل هذه الامور تعد انصاف حلول، فكركوك كاية محافظة اخرى يجب ان يتم التوصل الى حل شامل ونهائي لجهة تبعيتها الادارية.
الحقيقة المرّة الواجب التأكيد عليها، هو عدم جدية الحكومات العراقية المتتالية على معالجة القضية الكردية في العراق. هذه القضية التي كلفت العراق وشعب كردستان الكثير الكثير من الضحايا والخسائر. ولعل آخر مثال لعدم استعداد الحكومة العراقية وعدم جديتها في مسألة حل القضية الكردية، هو عدم تطبيق البنود الواردة في الدستور العراقي الصادر عام 2005.
المادة 140 ومعوقات التنفيذ
ادامة لما طرحناه في الفقرة السابقة، من المفيد الاشارة الى المادة 140 من الدستور العراقي المنقول فحواه من المادة 58 من قانون ادارة الدولة العراقية. هذه المادة التي وضعت خارطة طريق لمعالجة مسألة الحدود الادارية الفاصلة بين اقليم كردستان العراق وباقي المناطق العراقية. الا ان الحكومات العراقية التي توالت السلطة بعد عام 2003 لم تركن الى حل قضية حدود اقليم كردستان، جريا على مسار الحكومات التي سبقتها، حيث تقع قضية كركوك في صلب هذه المسألة. عليه ظلت قضية كركوك عالقة دون حل، مع ان الدستور قد وضع خارطة طريق واضحة لا لبس فيها للحل.
تتكلم المادة 140 عن اعادة تطبيع الاوضاع في كركوك وجميع المناطق المتنازع عليها (المصطلح والتسمية مقتبستان من نص الدستور العراقي)، وقد تشكلت لجنة عليا الى جانب لجان فرعية لتطبيق المادة 140 وقد باشرت هذه اللجان اعمالها. كما ان اللجان الخاصة التي تشكلت لتطبيق المادة قد انجزت جزءا غير يسير من الفقرة الاولى من المادة الخاصة بالتطبيع، وبموازاة عمل لجان المادة 140 تشكلت هيئة لحل منازعات الملكية ولتي شكلت من اجل معالجة حالات المصادرة وانتزاع الملكية من الآف العراقيين بموجب قوانين وقرارات جائرة صدرت ابان فترة حكم حزب البعث (1968-2003)، وشملت كافة الجغرافية العراقية وبشكل مركز شملت كركوك وباقي المناطق الكردستانية.
ومن المفيد هنا نشر نص المادة 140 من الدستور العراقي التي تشكل خارطة طريق لمعالجة مسألة حدود اقليم كردستان العراق:
المادة 140
أولاً:
تتولى السلطة التنفيذية اتخاذ الخطوات اللازمة لاستكمال تنفيذ متطلبات المادة (58) من قانون ادارة
الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية بكل فقراتها.
ثانياً:
المسؤولية الملقاة على السلطة التنفيذية في الحكومة الانتقالية والمنصوص عليها في المادة (58) من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية تمتد وتستمر إلى السلطة التنفيذية المنتخبة بموجب هذا الدستور على ان تنجز كاملة (التطبيع، الاحصاء وتنتهي باستفتاء في كركوك والمناطق الاخرى المتنازع عليها لتحديد إرادة مواطنيها) في مدة اقصاها الحادي والثلاثون من شهر كانون الاول سنة الفين وسبعة.
الاعتراف المتبادل
ان حالات تنقل السكان سواء اكان بالتهجير القسري او الوفود المكافئاتي، قد احدثت خللا في بنية وتركيبة سكان كركوك. هناك حالات تغيير طبيعية تحدث بسبب الهجرات من الريف الى المدن، ومن القصبات الى المدن الكبيرة، ومن المحافظات ومراكزها الى العاصمة. لكن حالات التنقل التي حدثت في كركوك لم تكن طبيعية بل مصطنعة مؤدلجة ومبرمجة، حددت لها اهدافا قبيلة. والنتيجة بات السكان يعيشون حالة من التشكيك في الهوية.
من اجل تجاوز حالة التشكيك، لابد من الاعتراف المتبادل بين (ضحايا) عمليات التنقل من مهجّرين ووافدين، وبموازاة ذلك تحقيق العدالة الاجتماعية ومطاليب السكان واطراف الصراع بشكل سلمي ووفق الدستور والقوانين، وكذلك معالجة ورفع حالات التجاوز غير الطبيعية التي نفذت ضد السكان الاصليين لكركوك بموجب قرارات اصدرتها السلطات العراقية في العقود الثلاثة الاخيرة من القرن الماضي، وتسببت باضرار فادحة بالارواح والاملاك بالنسبة للسكان الاصليين من ابناء محافظة كركوك. وايضا مراعاة الوضع الانساني للقادمين والوافدين بموجب قرارات التعريب والتطهير العرقي وانصافهم بالشكل الذي لا ينالهم الضرر ولا يكونون عامل تأجيج في قضية كركوك مهما بلغت اعدادهم ومهما مرّت من سنين على قدومهم الى كركوك.
