كركوك المعلقة.. هل لها ان ترسو؟ (3-4)
لعبة الارقام والاحصاءات
من الضروري التأكيد دوما على الحقيقة الناصعة والتي فحواها:
ثقافة التعايش السلمي بين سكان كركوك واطيافها الاثنية راسخة، اثبتت الاحداث وبالرغم من السياسات الخبيثة للسطات، انها لا تتزعزع.
وتكرار هذه الحقيقة بصيغ مختلفة في هذا المقال، ارجو ان لا يكون مصدر عدم ارتياح بالنسبة للقارئ الكريم، لانه في مقابل ذلك هناك (محللون وكتاب وجهات وشخصيات سياسية) يروجون لمقولات خطيرة تنذر بالشؤوم وتبشر باحتمالات الصراع والصدام بين مكونات كركوك. لكن الوقائع اثبتت ان ثقافة التعايش السلمي بين سكان كركوك اكثر رسوخا وثباتا، لا تزعزعها رياح التعصب والتخندق والتشدد.
القوى المتصارعة حول مصير المدينة والمحافظة ومستقبلها اخذت تلجأ الى مختلف الحجج والبراهين من اجل تبرير اجنداتها ودعم شعاراتها او التمهيد لترويجهما بين المناصرين والمؤيدين. لعبة الارقام والاحصاءات كانت احدى العناصر المهمة التي استخدمتها مختلف اطراف الصراع من اجل تقديم صورة للواقع الاثني لكركوك يتوافق مع تطلعاتها. بل ان البعض من الاطراف اخذت تبالغ في تضخيم وتقزيم الارقام وفق رغباتها من دون الاستناد الى مصادر رسمية او مراجع علمية موثوقة بخصوص ذلك.
ان الذي عقّد الاوضاع السائدة وجعل لعبة الارقام والاحصاءات اعقد واكثر شدة، هو انخراط الدولة في هذه اللعبة وفق خطط عرفت في ادبيات السلطات العراقية بمصطلح (التعريب). وهذه الخطط الممنهجة التي اعتمدتها الدولة العراقية وتلقت الدعم من هرم السلطات ورصدت لها اعتمادات مالية ضخمة من الموازنة العامة للدولة، خصوصا خلال الفترة (1968-2003) شملت مركز المحافظة وريفها بالكامل. وقد تجسدت هذه السياسة التي صنّفت العراقيين في كركوك ومناطق اخرى بين موالين ومعادين، من خلال حملة تقطيع وتفتيت المحافظة وسلخ نصف مساحتها (1976) لصالح المحافظات المجاورة وحملات الانفال (1988) التي ادت الى تدمير معظم ريف المحافظة ذات الاغلبية الكردية في مناطق واسعة بدءا من الشمال الغربي وحتى الجنوب الغربي من ريف كركوك، واكتسحت العديد من القرى التركمانية ايضا وتم ابادة عشرات الآلاف من المدنيين من قرويّ المحافظة، علاوة على عمليات طرد اعداد كبيرة من السكان الاصليين للمحافظة وتهجيرهم قسريا الى المحافظات الاخرى، وبالتزامن مع ذلك تقديم الكثير من التسهيلات لوافدين من المحافظات ذات الاغلبية العربية ضمن سياسة استيطان مبرمجة، بدأت بكثافة واستمرت بوتيرة عالية طوال الربع الاخير من القرن الماضي.
كل هذه الامور التي وثّقت في المراسلات والوثائق الرسمية للدولة العراقية دفعت المشاركين في كتابة الدستور العراقي لعام 2005 اقرار مادة دستورية تضمنت فقراتها اعادة تطبيع الاوضاع في جميع المناطق التي حصلت فيها تغييرات ادارية وسكانية غير طبيعية ومبرمجة ومدعومة من قبل السلطات، بغية تحقيق غايات غير بريئة بل يمكن ان نصفها بسياسات تطهير عرقي. هذه المادة الدستورية سبق وان تم تثبيتها في قانون ادارة الدولة العراقية المؤقت الصادر ابان بداية الاحتلال الامريكي للعراق.
من التشكيك الى الاقرار
التشكيك في وطنية المواطنين طبقا لدرجة موالاتهم للسلطات، ترك شرخا في الضمير الوطني لقطاعات واسعة من العراقيين، بل ان المضايقات التي اتبعتها السلطات العراقية ضد مختلف شرائح الشعب واطيافه ومكوناته الاثنية، دفعت العراقيين باعداد كبيرة الى الهجرة ومغادرة البلد. انخرطت نسبة من هؤلاء المهاجرين والمهجّرين كرها او قسرا من العراق في الجهد المعارض للسلطات العراقية خصوصا خلال العقود الثلاثة الاخيرة من القرن الماضي، وشكل هؤلاء النواة الساندة لاي جهد دولي ينوي اسقاط النظام العراقي، حيث تلقى هؤلاء المعارضون للسلطات العراقية حواضن في دول الجوار العراقي (خصوصا في ايران وسوريا).
ان سياسات الفصل العنصري (او الاثني نزولا حتى العشائري) التي اتبعتها الحكومة العراقية قبل عام 2003 وتصنيفها المواطنين على خلفية انتماءاتهم الاثنية والمناطقية وطبيعة ولائهم السياسي ونظرتهم للسلطات، ترك شروخا كبيرة في البنية الاجتماعية وفتت النسيج الاجتماعي للمواطنين، واشاعت اجواء وقناعات واحاسيس الحرمان والتهميش لدى قطاعات واسعة من العراقيين. وقد كان لهذه السياسة ومخرجاتها الاجتماعية والاقتصادية ومن ثم السياسية، اشد الاثر على كركوك ومناطق مماثلة عرّفها الدستور العراقي الحالي بـ(المناطق المتنازع عليها).
مع ان اللوائح القانونية العراقية ومجمل القوانين الصادرة من الجهات التشريعية العراقية لا تقرّ اية فروقات او تمييز بين العراقيين، الا ان السلطات الاستثنائية التي مارستها سلطات تشريعية خارج سقف المؤسسة التشريعية التقليدية (البرلمان) مثل (مجلس قيادة الثورة) وقراراته، ميّزت بشدة بين العراقيين، وهذا التمييز بين المواطنين على خلفية انتماءاتهم العرقية والاثنية، ضربت الاحساس بروح المواطنة في الصميم، فبات قسم عريض من العراقيين يشعرون بالغبن والاخلال بحقوق مواطنتهم، بل وصل حد انسلاخهم من الانتماء الوطني بسبب الشكوك وممارسات الفصل الاثني والعنصري الذي مورست بحقهم. وكان لسكان كركوك حصة الاسد من هذه السياسات المنافية لحقوق الانسان وروح المواطنة.
هذا الخدش الكبير الحاصل في الضمير الوطني لقطاعات واسعة من العراقيين، وفي مقدمتهم سكان كركوك الاصليين، لابد وان يتم ترميمه وجبرانه بالشكل الذي يعيد العافية لاحاسيس المواطنة لديهم ويبدل حالة الشك والريبة الممارسة ضدهم الى حالة الاقرار والقبول بهم كمواطنين من الدرجة الاولى بالشكل الذي يحقق الطمأنينة والاطمئنان لديهم.
مدخلات ومخرجات
كركوك ليست بؤرة صراع جديدة، بل ان ولاية الموصل (شمال العراق الذي يضم حاليا ستة محافظات: نينوى، دهوك، اربيل، كركوك، السليمانية، حلبجة) كانت محل خلاف بين الدولة التركية الفتية التي ورثت بقايا تركة العثمانيين وسلطة الاحتلال البريطاني. وبعد الحاق الولاية بالمملكة العراقية الفتية، اشترط على سلطات الملكية العراقية ضمان حقوق مواطنيها الكرد الذين كانوا يشكلون اغلبية السكان في الولاية. وكانت الثورة الكردستانية التي كان يقودها الشيخ محمود تطالب بمملكة كردستان التي اقرها البريطانيون تارّة وحاربوها بشدة تارّة اخرى.
المطاليب الكردية كانت تشمل تحديد جغرافية كردستان لتكون خاضعة لمملكة كردستان التي اتخذت من السليمانية عاصمة لها. المشيئة الاستعمارية والمصالح البريطانية لم تكن متوافقة مع المطاليب الكردية رغم عدالتها، وهكذا تم تسويف القضية الكردستانية وباتت كردستان الجنوبية جزءا من المملكة العراقية. هذه الدولة التي لم تنجح في زرع روح المواطنة لدى ابناءها بسبب السياسات التي سلكتها والمنافية لحقوق المواطنة. ومن المنطق فان المدخلات السلبية من حيث تعامل السلطات مع مواطنيها على اساس الفصل والتمييز تؤدي الى مخرجات لن تكون ايجابية، بل ستكون ردات فعل معاكسة تؤدي بالنتيجة الى صدامات وصراعات على مستويات عدة.
كركوك ليست المنطقة الوحيدة التي شهدت التجاذبات والصراعات حول هويتها وتبعيتها الادارية، لكنها كانت دوما البؤرة الاكثر حساسية واثارة للصراع بسبب ثروتها البترولية.
الدفع باتجاه التأزيم
كركوك تعيش حالة ازمة. هذه الحقيقة يجب ان تقرّها الاطراف ذات العلاقة بكركوك وازمتها. معالجة قضية كركوك او (ازمة كركوك) تحتاج الى الكثير من الواقعية والجرأة والحوار البنّاء والصريح.
ويمكن القول باطمئنان، بانه وفق رؤية واضحة تراعي مصلحة سكان المحافظة بالاجماع، يمكن التوصل الى عدة خيارات حول مستقبل المحافظة وبالشكل الذي يتوافق مع تطلعاتهم. حالة تأزم الاوضاع في كركوك ليست نتاج العلاقات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية بين سكانها، بل انها صفقة يتم تسويقها وترويجها من خارج كركوك ومن قبل لاعبين محليين واقليميين ودوليين، بغية ضبط خيوط اللعبة بما يتوافق مع مصالحهم الاقتصادية. وكل صفقة او خطة يتم اعدادها في المطابخ السياسية خلف الكواليس، لا يمكن الركون لبراءتها، بل ان الايادي الخفيّة التي تتدخل في شأن كركوك تزيد الاوضاع فيها تعقيدا وتدفع بالامور نحو المزيد من التأزم.
عليه، من المفيد جدا ومن مصلحة سكان كركوك، عدم الرضوخ للخيارات المفروضة من الخارج والتي تسعى لمصادرة حق السكان في اختيار الوضع الذي يرتأونه. وهذا لا يتقاطع مع الخيارات القانونية والدستورية المتاحة ضمن سياق الدولة العراقية.
الدفع باتجاه السلم والاستقرار
اي مجتمع يتطلع الى حياة حرّة كريمة، لابد وان يتمسك بالسلم والاستقرار حتى النهاية. فمن دونهما لا يمكن ان تستقيم الحياة ويعيش الافراد حياة طبيعية. تأريخ كركوك القريب والبعيد يقدم الدليل القاطع على سيادة منطق الحياة والسلم الاهلي بين سكانها، وحالة الاندماج الاجتماعي بين اطياف المحافظة والمدينة نموذج راق يمكن ان يكون مثالا للآخرين.
وبالاستناد الى هذه القاعدة الجماهيرية الذهبية المتأصلة لدى سكان كركوك، يمكن ادامة جهود استمرار السلم والاستقرار في المنطقة، ومحاولة وضع حد للبعض من القوى والشخصيات السياسية التي تحاول عبر تصريحاتهم النارية غير الواقعية اثارة اجواء القلق والريبة بين مكونات المحافظة.
