• Tuesday, 03 February 2026
logo

كركوك المعلقة.. هل لها ان ترسو؟ (2-4)

كركوك المعلقة.. هل لها ان ترسو؟ (2-4)
طارق كاريزي- خاص لــ كولان العربي

المدن المتعددة
ليست كركوك المدينة والمحافظة الوحيدة ذات التنوع الاثني في العراق، بل هناك حوالي ثمان محافظات عراقية ذات تعدد اثني، ومحافظة نينوى على سبيل المثال هي الاكثر تنوعا من حيث التكوين الاثني لها. تكاد هذه المحافظة ان تضم جميع اطياف البلد بلا استثناء، مع هذا فان هذه المحافظة لا تعيش حالة من الاشكالية الادارية والسياسية كالتي تعيشها كركوك. ومن المسلم به ان الثروة النفطية الموجودة في كركوك تشكل لب الصراع السياسي الدائر على هوية المحافظة. وبعكسه ربما لم تعيش هذه المدينة وعموم المحافظة كل هذه الاشكاليات التي عاشتها خلال حوالي قرن من عمر الدولة العراقية.
اربيل عاصمة اقليم كوردستان ذات تعددية اثنية مماثلة لكركوك، ففي مركز المدينة هناك التركمان الى جانب الاغلبية الكردية، وفي الاطراف الجنوبية الغربية والجنوبية من المحافظة هناك جيوب من القرى العربية، تماما مثل كركوك مع اختلاف في نسبة المكونات. فهناك التركمان (وايضا العرب) في مركز مدينة كركوك الى جانب الاغلبية الكردية، والريف الغربي والجنوب الغربي من المحافظة هو عبارة عن جيب عربي خالص في تخومه الجنوبية الغربية وريف ذو تعدد اثني (كردي، تركماني، عربي) في المناطق الجنوبية والغربية القريبة من مركز المحافظة. وهناك المسيحيون في كلتا المحافظتين. التعدد الاثني في اربيل لم يكن عائقا امام تحديد هويتها، مثلما التعدد الاثني للموصل وبغداد وبعقوبة وغيرهن من المدن ومراكز المحافظات العراقية، لم تكن عائقا امام تحديد هويّاتها وتبعيّاتها الادارية، لكن الحالة في كركوك تم تأزميها، والعلة في ذلك –كما اشرنا- هو البترول الموجود في باطن ارض كركوك.
اطراف النزاع
بالاستناد الى حقائق الحياة اليومية في كركوك المدينة والمحافظة، من الصعب تشخيص حالة من الصراع او النزاع بين مكوناتهما، بل ان الحياة تسير فيهما وفق نسق طبيعي وبشكل منسجم بحيث لا يشكل التكوين العرقي والاثني المتعدد للمدينة والمحافظة اي عائق امام التعايش السلمي البناء بين اطيافيهما. بل هناك حالة من التضامن والتعايش البناء مفعمة بروح من المواطنة المحلية التي يتقبل فيها كل طرف الآخرين عن طيب خاطر. مع هذا فهناك صراع على هوية المدينة تتبناه القوى والمنظمات السياسية يتجلى ذلك في حالة الاستقطاب الانتخابي. هناك صراع اساسي بين النخب والقوى السياسية الممثلة لاثنيات المحافظة وصراع جانبي بيني داخل البيت الواحد لكل مكون اثني، كل طرف، حيثما تيسر له، يرنو الى بسط السيطرة والاستحواذ على السلطة في المحافظة.
اسباب الصراع
لعل جوهر الصراع حول كركوك غير نابع من صميم المنطقة ذاتها، بل ان خيوط الصراع يتم حبكها من خارج جغرافية المحافظة وتسوق بصور مزوّقة شتى الى داخلها. والاجندات التي يتم قولبتها من خارج جغرافية المحافظة، هذا الخارج العابر للحدود السياسية للعراق في بعض حالاته، بحيث تلعب الكثير من القوى الاقليمية والدولية ادوارا مؤثرة في رسم (بل صناعة وفبركة) خارطة خيوط الصراع والتنافس بين مكونات المدينة، مستخدمة بعض المنظمات المشبوه او التنظيمات المتشددة من اجل افتعال الازمات التي تنظّر للتصادم بين شرائح من مكونات المحافظة، وفق ما ترتأيه مصالح القوى المصنعة والمفبركة لآليات الصراع والشحن الاثني. مكونات كركوك تعيش حالة متأصلة من التعايش السلمي البناء، ثقافة التعايش متجذرة لدى السكان، فلا خيار للعيش المشترك من دون ذلك. وهذه الحقيقة ليس يدركها فقط سكان كركوك، بل يمارسونها بشكل عفوي وكأنه قدرهم وخيارهم الازلي الذي لا تراجع عنه.
مدينة تبحث عن هوية
لعل المشكلة الكبرى التي تعاني منها كركوك هو تحديد هويتها الادارية. حاضر هذه المنطقة هو امتداد لماضيها، ولا يمكن عزل مستقبلها عن حاضرها.
استنادا للبديهية اعلاه يمكننا القول بان الاشكالية التي تعاني منها كركوك هي جزء من حالة ارباك الهوية التي تعصف بالعراق. فهندسة البلد وحدوده الجغرافية تم رسمها من قبل القوى الاستعمارية المنتصرة في الحرب العالمية الاولى، اسوة بباقي بلدان الشرق الاوسط. ونظرا لعجز الحكومات العراقية المتعاقبة عن صياغة حالة دستورية تمهد لحالة من التعايش البنّاء مستمدة من روح المواطنة والانتماء، لان هندسة هرم السلطة تم وضع بنياها من قبل البريطانيين، وذلك بما يتوافق مع رؤاهم وتطلعاتهم، عليه تعذر صياغة وبناء الهوية الوطنية الجامعة.
ربما تطلع البريطانيون الى بناء مملكة عراقية متّحدة مماثلة للمملكة البريطانية المتّحدة المؤلفة من اربعة اقاليم (انكلترة، ويلز، اسكتلندا، ايرلندا الشمالية)، ولعل نفس الطموح راود فيصل الاول ملك العراق. لكن مساعي الدولة العراقية حلال عهديه الملكي والجمهوري وحتى هذه اللحظة لبلورة وصياغة الوحدة الوطنية وبناء الدولة الوطنية لم تنجح، بل ان السلطات كانت رهن المكون السني منذ فيصل الاول حتى سقوط صدام (1920- 2003) لتنقلب الآية بعد ذلك واصبحت سلطة الدولة العراقية رهن المكون العربي الشيعي. في العهد الاول شعر الشيعة والكرد بالتهميش وعانوا منه، فيما يعاني العرب السنة من مرارة التهميش حاليا، ودفعت المحافظات ذات الاغلبية العربية السنية غاليا ثمن معارضتها للحالة التي تلت سقوط نظام صدام، حيث شهدت مناطقهم حرب داخلية مدمرة بين منظمات مختلفة رفعت شعار وسلاح المقاومة من جهة وقوات الاحتلال والقوات الحكومية من جهة اخرى، واخيرا بسط التنظيم المتشدد المعروف باسم تنظيم الدولة (داعش) السيطرة على الاغلبية العظمى من مناطق المكون السني ودارت حرب طاحنة، تسببت في نزوح الملايين وخلفت الكثير من الدمار الهائل في مناطق الاغلبية السنية.
اما الكرد، فقد ظلوا طوال عمر الدولة العراقية رافعين شعار وسلاح المعارضة ضد السلطات التي خلفت العثمانيين منذ عام 1919 حيث واجه الشيخ محمود الحفيد القوات البريطانية في دربند بازيان، وتوالت الثورات والانتفاضات الكردية التي قادها الشيخ الحفيد ومن ثم شيوخ بارزان، ومن ثم تواصلت الثورات والانتفاضات الكردية حتى عام 1991 حيث شهدت كردستان العراق انتفاضتها الكبرى التي عمت الاغلبية العظمى من جغرافية اقليم كردستان العراق. ومع كل هذه الاحداث الساخنة التي شهدتها كردستان العراق، لم تستقر العلاقة بين بغداد واقليم كردستان عند ضفة السلام والاستقرار الدائمين، ولعل آخر مواجهة عسكرية بين الحكومة العراقية واقليم كردستان حدثت قبل عامين (2017)، وليس من المتوقع ان تنتهي حالة الصراع التي تفضي في كثير من الاحيان الى الصدامات المسلحة، مادام حل القضية العراقية عموما وقضية كردستان خصوصا بالشكل الذي ينهى الاشكالات والقضايا العالقة بين المكونات الرئيسة الثلاثة، لم يتحقق حتى الآن. وكركوك تعد في صميم القضايا العالقة بين كردستان والحكومة العراقية.
الاجندات الواردة
تتعانق تطلعات المكونات الاثنية لكركوك في بعض الاحيان مع اجندات واردة من خارج جغرافيتها، وهذا امر طبيعي الى حد ما، اذا علمنا ان منطقة كركوك هي بالاصل تعاني من اشكالية الهوية ولمكوناتها علاقات ووشائج مهمة مع اوساط هي مجاورة واحيانا بعيدة عن جغرافيتها. مثلما يجمع مكونات كركوك الكثير من المشتركات والمصالح، فان لهذه المكونات مشتركات واحيانا مصالح مع ابناء جلدتهم او ابناء عمومتهم الاثنية. واذا تم التعامل بروح من الايجابية مع هذه المشتركات والمصالح المحلية والممتدة الى خارج جغرافية كركوك، فمن المؤكد سيكون لها الكثير من المردودات الايجابية على واقع كركوك الحضاري والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، كون الاطياف الاثنية لكركوك ستشكل اوساط وجسور للتفاعل والتعاون وارساء اسس العلاقات الثنائية المثمرة من خلال ارتباطاتهم الاثنية العابرة لحدود المحافظة.
مع هذا التصور الايجابي الذي تحدثنا عنه في الفقرة السابقة، هناك حالة ذات تداعيات سلبية من قبل الاجندات الواردة من خارج جغرافية كركوك وحدودها الادارية. ومرد ذلك اتخاذ ابناء مكونات كركوك كاوراق ضغط ومساومة من قبل ابناء العمومة او الاشقاء، لكسب المزيد من الامتيازات وتحقيق مصالح دول وجهات متعددة، تستطيع خلق واصطناع المشكلات والمعوقات لكنها تبقى عاجزة عن تقديم الحلول او تطوير حالة التعايش الايجابي بين مكونات المنطقة بالشكل الذي يعزز روح المواطنة الحقة والانتماء الى البيئة المحلية، وكذلك يعيد لكركوك عافيتها وينتشلها من حالة التخلف والحرمان الذي باتت تعيشه منذ عقود.
صراع السرديات
لدى سكان كركوك اجماع حول سردية افتراضية تضمن السلام والنمو والتعايش البناء بين مكوناتها. هذه السردية رغم افتراضيتها، فهي تحمل بين ثناياها الكثير من الواقعية ويمكن ان تحصد اكبر نسبة من الاجماع الجماهيري.
السرية الافتراضية المشار اليها اعلاه ليست الوحيدة، بل انها السردية الاكثر تهميشا رغم واقعيتها ومقبوليتها التامة، فالى جانب هذه السردية، هناك العديد من السرديات ذات الاسس الايديولوجية او البنى السياسية التي تحاول التعويل على الدعم الجماهيري من خلال استقطاب اكبر عدد من افراد المكونات المختلفة لكركوك. مع الاخذ بنظر الاعتبار بان بعض السرديات باتت جزءا من الواقع الحياتي والمصيري لابناء مكونات كركوك. وهناك ايضا حالة من الامر الواقع المفروض من قبل السلطات التي تتولى السيادة على المنطقة في كل مرحلة من مراحل قرن من عمر الدولة العراقية.
قدر تعلق الامر بتنوع السرديات وفق المنظور التعددي الاثني، لا يمكن الركون بسهولة الى حالة الصراع او القبول بهذا المصطلح كتشخيص للحالة او توصيف دقيق لها. مع ذلك هناك خيوط من الصراع خلف الكواليس يتم تغذيتها وفق مصالح تمتد افقيا وعموديا، وفي بعض الاحيان تكون بعض السرديات غير متوافقة مع مصلحة سكان كركوك، بل ربما تتقاطع بحدة معها او هي غير واقعية بالمرّة كونها لا تستند الى اسس ومرتكزات واقعية وموضوعية تبرر السعي لتطبيقها، بل وتصل بعض السرديات الى حد الجموح الخيالي.

Top