• Wednesday, 04 February 2026
logo

كركوك المعلقة.. هل لها ان ترسو؟ (1-4)

كركوك المعلقة.. هل لها ان ترسو؟ (1-4)
طارق كاريزي- خاص لــ كولان العربي

(1-4)

قصة من اليابان
دورتان انتخابيتان قبل الآن، وضمن نشاط لاحدى المنظمات الاجنبية على مستوى عموم العراق، اقيمت دورة لمندوبين مختارين بواقع مندوب واحد لكل محافظة، على ان يتولى كل مندوب تاليا ترشيح شخص واحد لتقديم مناظرة يشارك فيها ممثلو جميع الاحزاب المشاركة في انتخابات مجلس النواب العراقي للدورة المشار اليها اعلاه. دورات اعداد وتدريب المندوبين والمرشحين جرت في اربيل، ورشحني مندوب اربيل الزميل عبدالرحمن الباشا لتقديم وادارة مناظرة اربيل.
وفقني الله وقدمت المناظرة في قاعة المؤتمرات في فندق اربيل شيراتون، وقد شارك فيها ممثلو الاحزاب المشاركة في الانتخابات وحضرها جمع غفير من المواطنين ومندوبي ومراسلي القنوات الاعلامية. وضمن سياق مداخلات واسئلة الجمهور، طرح القاص العراقي الراحل الاستاذ عبدالستار ابراهيم شكوى حول كون النازحين العراقيين لا يحق لهم امتلاك العقارات السكنية في اقليم كردستان، باستثناء الاطباء وحملة الشهادات العليا. صحفي ياباني كان حاضرا في القاعة اغتنم الفرصة واجرى مقابلة مع القاص المرحوم حول شكواه، وابدى استغرابه حيال كون مواطنو دولة واحدة لا يسمح لهم التملك في مناطق اخرى داخل بلدهم.
ربما يبدو الاستغراب الذي ابداه الصحفي الياباني وجيها ومنطقيا للوهلة الاولى. مع هذا ومن باب المقارنة، يجدر الاشارة الى ان الفرد الياباني يتقبل الديانة البوذية الى جانب الديانة الوطنية للشعب اليابان والمعروفة بالديانة الشنتوية (الشنتوسية)، لكنه لا يتقبل الديانة المسيحية كونها تربطه بروما كعاصمة روحية، وهذه المدينة تقع خارج وطنه.
اذن، نحن امام اشكالية التضاد بين الانتماء الوطني ومصادرة هذا الانتماء. الفرد الياباني لا يرى ضيرا في اعتناق البوذية الى جانب الشنتوية، كون الثانية هي ديانته الوطنية والاولى القادمة من البر الآسيوي لا تلغي هويته الوطنية ولا تتقاطع معها، الا انه غير مستعد لاعتناق المسيحية (وربما اديان اخرى) كونها تصادر هويته الوطنية وتربطه روحيا بارض اجنبية.
قصة الهوية ومصادرتها عراقيا لها تفاصيل مملة عشنا فصولها بمرارة في السردية العراقية، ومن باب المقاربة نقول، لو توضح للصحفي الياباني الهاجس الكردي ازاء مصادرة الهوية وحملات الصهر القومي، لما ابدى استغرابه حيال عدم السماح للنازحين القادمين من خارج اقليم كردستان امتلاك العقارات في الاقليم. فقد سبق للكرد، وهم جزء من الدولة العراقية، ان تعرضوا لعمليات الصهر القومي ومصادرة الاملاك والسطو على جغرافيتهم. وفيما يلي نسرد قصة الهاجس الكردي الذي تعملق في كركوك ومناطق التماس والتحادد الكردي العربي في العراق، وبات ظله المعملق يثير خوف وحفيظة الكردستانيين في عمق الجغرافية الكردية.

مدخل
شهدت الدولة العراقية منذ تأسيسها سلسلة صراعات متتالية خلال العهدين الملكي والجمهوري، مردها حالة التضاد وعدم انسجام البنيان الثقافي والاجتماعي وما يترتب عليهما من حقوق سياسية وجغرافية واخيرا اقتصادية، مع اسس وركائز نظام الحكم في البلد الذي يرفع دوما شعارات وطنية وتقدمية، لكنه سرعان ما يتجسد على شكل شمولية مقيتة ينفر ويفرّ منها العراقي على اختلاف انتماءاته الاثنية والعرقية. وابرز محاور الصراع ربما كانت في شمال البلد، حيث اقليم كوردستان ذو الاغلبية الكردية التي ظل يداعي بحقوق شعبه، وبالمقابل لم تنجح الدولة العراقية في ارساء اسس العيش المتكافئ والمشترك بين مكونات (اثنيات) الشعب العراقي. وشهد البلد ايضا خلال قرن مضى حالتي احتلال من قبل قوى كبرى، الاولى كانت في الخمس الاول من القرن الماضي حيث حل البريطانيون محل العثمانيون، والثانية كانت مطلع القرن الحالي حينما قادت الولايات المتحدة تحالفا دوليا اسقط النظام الذي كان يقوده حزب البعث منذ عام 1968.
حالة عدم الاستقرار التي المت بالعراق، سببه داخلي نابع من طبيعة انظمة الحكم التي توالت وتوارثت ادارة السلطة في بغداد على بحر من الدماء والتناقضات، وذلك بعد سلسلة من الانقلابات التي اسبغت بها صفة الثورة من دون وجه حق. نظام الحكم في الدولة العراقية، خصوصا في عهده الجمهوري (منذ عام 1958) خضع لايديولوجيات وطموحات عابرة للحدود، كلفت الشعب الكثير ودفعت الدولة الى زاوية التخلف وسيادة الحرمان وتراجع المستوى الحضري والمدني وانهيار الواقع الخدمي وتدمير البنية التحتية للبلد.

قراءة اولية للمشهد
كركوك باعتبارها محافظة عراقية، عانت ما عاناه البلد، مع خصوصية من حيث طبيعة هذه المعاناة. انا اعتقد بان قضية كركوك تستمد جذرها من قضية الوطن بأجمعه الذي عجزت انظمة حكمه عن بلورة هوية وطنية او قومية جامعة توحد سكانها. التعددية في المجتمعات مسألة طبيعية وليست هذه الظاهرة في المجتمع العراقي عالة او علة، لكن الفشل في ادارة هذه التعددية هو جذر الازمة ومنبعها.
اذا كانت التعددية بحد ذاتها ازمة، طيب كيف يتعايش الشعب الهندي وهو يتحدث بمئات اللغات (وفقاً للموسوعة الهندية فإن عدد اللغات الرسمية في الهند هو 75 من أصل 325 لغة- موقع "موضوع" الالكتروني)، وفيها عشرات الاديان والمذاهب (تعج الهند بالكثيرٍ من الأديان والمعتقدات، ولم يتمّ التعرّف حتى هذه اللحظة على الديانات الهنديّة التي سبقت الديانة الفيديّة، ولم تكن الديانة البوذيّه هي طليعة الديانات على تلك الأرض بل سبقتها دياناتٌ عدّة ومختلفة لم يتمّ التعرف منها إلا ما وجد في العصر الفيدي، وتتوزع الهند ما بين طوائفٍ عرقيّة ودينيّة بحيث يحمل كلٌ منها تاريخاً غنياً ثرياً بالأحداث والجذور العميقة القديمة قدم الإنسان نفسه- موقع "موضوع" الالكتروني)؟ عليه فان العلة ليست في التعددية التي هي في الحقيقة ثراء وغنى ثقافي وروحي، بل المشكلة في ادارتها.

التأريخ القريب
كركوك كمحافظة عراقية كانت في الاصل مركز ولاية شهرزور ومن ثم سنجقا ضمن ولاية الموصل العثمانية حتى عام 1918، وبعد انحسار السلطة العثمانية وتلاشيها، جاء الاحتلال البريطاني الذي دمج ولايتين عثمانيتين معلنة عام 1920 تأسيس المملكة العراقية، ثم اضيفت لها ولاية الموصل تاليا عام 1925، وتشكل العراق من 14 لواء (محافظة) كانت كركوك احداها.
وكركوك العثمانية كانت مساحتها 40 الف كيلومتر مربع، تم استقطاع منطقة بين الزابين منها ليتم تشكيل لواء (محافظة) جديدة تكون اربيل مركزا له "لها"، (كانت اربيل قبل ذلك قضاء تابعا لسنجق كركوك)، وتم الحاق قضاء رانية بالسليمانية في نهاية الخمسينيات. وبذلك فقدت كركوك نصف مساحتها مع الحاق ولاية الموصل بالدولة العراقية. فقد كان يتبع سنجق كركوك اقضية (راوندوز، رانية، كوية، اربيل، كفري "الصلاحية ")، تشكل لواء اربيل من الاقضية الاربعة الاولى وتشكل لواء كركوك من اقضية (كركوك، كفري، جمجمال- اطلس العراق، طه الهاشمي، بغداد، 1936). وبعد ذلك بنصف قرن باتت محافظة كركوك تضم ستة اقضية (كركوك، كفري، كلار، طوزخورماتو، الحويجة، جمجمال)، حيث خضعت محافظة كركوك لعملية قضم نصف مساحتها مرّة اخرى بعد سلخ اربعة من اقضيتها (كلار، كفري، طوزخورماتو، جمجمال) واضافتها الى المحافظات المجاورة. وبذلك بقي من مساحة كركوك اقل من ربع مساحتها الاصلية (حوالي 10 الآف كيلومتر مربع).
من المؤكد ان تصغير مساحة محافظة كركوك وتغيير خارطتها الادارية والسكانية خلال مرحلة تأسيس المملكة العراقية كانت ضمن سياق تنظيم الجغرافية الادارية بصورة عامة، كون مساحة المحافظة (اللواء) كانت كبيرة، لكن التغيير الذي جرى في الخارطة الادارية للمحافظة عام 1976 لم يكن وفق خطط تطوير او انماء، او لغايات ادارية وتنظيمية تقتضيها وضعية المحافظة ومصلحة سكانها، بل كان بموجب سياسات وخطط ترمي الى تغيير هوية المدينة وطابعها الحضاري وفرض ملامح قومية واثنية قسرية عليها، ورافق ذلك سياسة تمييز عرقي هدفه تغيير التركيبة السكانية للمحافظة والمدينة، في مسعى نهائي لمصادرة هوية كركوك الاصلية.

Top