ما مصير اول غاليري في اربيل؟.. الفنان التشكيلي الراحل البروفيسور (محمد عارف سيامنسوري) هو صاحب اول غاليري فني في اربيل
المكان قاعة محمود بايزيدي (الكاتب الاجتماعي الكوردي الذي ولد في القرن التاسع في مدينة بايزيد في شمالي كوردستان) في مبنى الاكاديمية الكوردية في اربيل، واثناء حضورنا امسية اقامتها الاكاديمية في غضون الايام الماضية ضمن فصل جديد من فعالياتها، بدأ حوار بيني وبين المصور والفنان المعروف فارس سعدي. وهكذا حوار لا يخلو من التحدث عن شؤون الفن وشجونه.
المحاضرة كانت عن المنور الكوردي رفيق حلمي، حيث تحدث المحاضر ومؤلف كتاب عن سيرته الشخصية والابداعية، عن عدم اهتمام الكورد وبالذات نخبهم بشخصيات واعلام هذا الشعب، رغم ان هؤلاء قدموا خدمات جليلة تبقى خالدة في ذاكرة الزمان، الا ان الاهتمام بهم لا يوازي ما قدموه لشعبهم ابدا، وفي ذلك خسارة كبيرة للثروة الفكرية والرصيد المعنوي والثقافي لشعب كوردستان.
ومن هذه النافذة ذكر زميلي الفنان فارس سعدي بان اهالي وذوي المنورين والنخب الفنية والثقافية هم اول المقصرين بحقهم. وذكر الفنان التشكيلي الراحل البروفيسور (محمد عارف سيامنسوري) كمثال. وهذا الفنان بالمناسبة هو صاحب اول غاليري فني في اربيل وربما في كوردستان عموما.
ومن المهم هنا تذكير الجيل الجديد بنبذة مختصرة عن حياة هذا الفنان القدير. ولد محمد عارف سيامنسوري عام 1937 في مدينة راوندوز، انهى التحصيل الاكاديمي عام 1956 في معهد الفنون الجميلة في بغداد. نال عام 1967 الماجستير في فن الرسم وبدرجة الامتياز من جامعة موسكو، ونال عام 2004 الدكتوراه وبدرجة الامتياز في فلسفة الفن من جامعة صلاح الدين في اربيل. مهندس ومؤسس كلية الفنون الجميلة في جامعة صلاح الدين (الجامعة الام في جنوبي كوردستان) واصبح لسنوات عدة عميدا لهذه الكلية.
افتتح ثلاث معارض شخصية في ستينيات القرن الماضي في روسيا، واقام سبعة معارض شخصية خلال العقود الثلاثة الاخيرة من القرن الماضي في العاصمة العراقية بغداد. واقام ثلاثة معارض شخصية في اربيل عاصمة جنوبي كوردستان ومعرض شخصي واحد في السليمانية عاصمة الثقافة الكوردستانية. وشارك في معارض جماعية كثيرة اقيمت في كوردستان وبلدان اجنبية عديدة.
اصدر 18 كتابا وكراسا فنيا (ترجمة وكتابة) وترك من بعده عدة مخطوطات تنتظر الطبع. هو (وهذا هو بيت القصيد) مؤسس اول غاليري فني شخصي في اربيل وربما في عموم كوردستان، كما اسلفنا. وقد بنى الفنان الراحل سيامنسوري الغاليري على شكل سرداب تحت قطعة ارض قريبة من منزل اسرته. الوصول الى غاليري محمد عارف سيامنسوري كان يتطلب الهبوط من سلم طويل وطرفي الجدار المحيط بك مرصع باللوحات الفنية للفنان. الغاليري كان باحة فسيحة تحتضن اغلبية النتاجات الفنية للفنان سيامنسوري وارشيفة الشخصي والفني. وقد تفنن الفنان الراحل بطريقة تعليق لوحاته وتوزيعها على الجدران الاربعة وارضية الغاليري، الذي كان يضم ايضا محترفا (ورشة فنية) لمزاولة الرسم. وباعتقادي كان الفنان ينوي توسيع الغاليري بحسب الامكانيات المادية التي قد تتوفر له ليقوم ببناء صرح فني يعلو الغاليري. لكن يبدو ان الحياة لم تمهله اتمام حلمه الجميل.
هذا المنجز الفني الكبير اصبح بعد رحيل الفنان محمد عارف سيامنسوري يوم 9/10/2009 في مهب الريح. فقد عجزت (بحسب الذي صرح لي زميلي الفنان فارس سعدي) اسرة الفنان عن الاحتفاظ بالغاليري كثروة قومية ووطنية يحق لنا التباهي بها ككوردستانيون. فقد تم هدم الغاليري وبيع قطعة الارض التي كانت مبنية عليه. ولا احد يعلم بعد ذلك، بمصير الثروة الفنية الكبيرة لاحد عمالقة الفن التشكيلي الكوردستاني خلال القرن العشرين.
لنستمع للذي قاله كبار النقاد والفنانين العراقيين بحق الفنان الراحل محمد عارف سيامنسوري. الفنان العراقي الرائد ورئيس رابطة الفنانين الدوليين اسماعيل الشيخلي يقول "إني لفخور بما شاهدته من أعمال رائعة وأصيلة تعبر عن صدق الإحساس وقوة التعبير والإرتباط الواقعي لتربة الوطن وتاريخه المجيد. كما اني سعيد بما وصل إليه الفنان محمد، الذي كان لي الشرف والإعتزاز في مساهمتي الأولى في تفجير طاقاته الخلاقة.."
ويقول الفنان د. قتيبة الشيخ نوري"الأساطير عند محمد عارف كلها تحمل المزاج المأساوي الداكن، مصنوعة من الفولاذ، فارعة، فخورة، ليس فيها إستسلام رغم كل تعابير القنوط المرسومة وطيّاتها التشريحية، مملوءة بالألم دون الدموع، وهناك نجد الخوف والحزن العام والشعور بالإنكماش، والتكاتف كرد فعل بايلوجي عند التهديد للمحافظة على النفس والبقاء؛ لأن حزمة العصا لاتنكسر بسهولة."
ويقول الفنان والناقد العراقي الكبير شاكر حسن آل سعيد "ان موقف محمد عارف من العمل الفني يحدثنا منذ الوهلة الأولى وبلغة سمحاء عن سحر الطبيعة .. وهو سحر ينسحب من خلال فلسفته (رؤيته) التي يتجاوز بها،كما يبدو،(الشكل) و(المضمون) على السواء إلى أبعد من هذا الهدف الحسي في الرؤية، أي (محاكاة الطبيعة)، ولكن محاكاة الطبيعة أو الأسلوب الطبيعي يظل واسطة فحسب، كما ان (تمرحله الأسلوبي) أو(إنتشاره المكاني) هما على السواء مدعاة (كشف) لحضور واع، وليس مجرد وقوف عند طبيعة المفردات التشكيلية والتقنية، فهو إيمان راسخ بحب هذا الفنان للإنسانية عبر الطبيعة نفسها."
ويقول الناقد عادل كامل "من الإحتفال إلى المأساة يؤسس محمد عارف تجربته العامة وأصولها الواقعية؛ ذلك لأن تجربة الفنان، حتى في أعقد مضامينها في بعض الأعمال الفنية، ينحاز فيها الفنان إلى جماليات الحياة، منقولة أو منعكسة في الفن كمرآة للمتغيرات فيها؛ وبهذا يكون محمد عارف قد جذّر تقليد التصوير الواقعي كإتجاه يغني الإتجاهات الشائعة في وسطنا الفني."
واخيرا، نهيب بوزارة الثقافة والشباب في حكومة اقليم جنوبي كوردستان ومؤسساتها المعنية، المبادرة والتوجه لانقاذ ما تبقى من الثروة الفنية الكبيرة لهذا الفنان الذي نذر كامل عمره لخدمة الفن التشكيلي الكوردي وشعبه.
