العقلانية، الحرية، الديمقراطية في الأسلام الأصلاح الديني في منهج عبدالكريم سروش
قليلون هم في العالم الأسلامي و العربي الذين يفكرون كالبروفيسور عبدالكريم سروش في اصلاح و خدمة الدين الأسلامي ، وهم حركة غير مرئية، ولكن بعد ظهور داعش و وجود حركة اخرى غير المرئية التي اوجدت الداعش الوحشي، لذا على العالم الأسلامي و العربي محاولة اجراء قراءة عقلانية للقرآن الكريم و الدين و تطهيرهما من الفساد السياسي، البروفيسور سروش طبع كتاب في عام 2005 بعنوان ( العقلانية، الحرية، الديمقراطية في الأسلام)، ولكن بعد ظهور داعش و في اكتوبر عام 2014 القى محاضرة بنفس العنوان امام طلبة جامعة جيلسي البريطانية ، وهذا الموضوع تم اعداده على ضوء تلك المحاضرة.
عنوان المحاضرة التي القيتها في جامعة جيلسي هو ذات عنوان كتابي (العقلانية، الحرية، الديمقراطية في الأسلام) والذي طبعته جامعة اوكسفورد عام 2005 ، هذا العنوان هو من اختيار الجامعة المذكورة و كنت اتمنى ان يكون له عنوان آخر، و سبب اختيار هذا العنوان كان لأغراض تجارية تتعلق ببيع و شراء الكتب في المكتبات و الترويج لها، ان العنوان يحمل في طياته ثلاثة مفاهيم كبيرة، بغية انْ نتمكن التحدث عنها خلال المحاضرة وعن مقدمتها، ولكن من جهة اخرى ان هذا العنوان يتناسب جداً في هذا الوقت بالذات مع اوضاع الشرق الأوسط التي تعقدت بشكل لم اعيشها قط خلال عمري البالغ 70 عاماً.
القراءة الحالية للشرق الأوسط
تعيش الشرق الأوسط الآن في اوضاع لم تبق حلولها لدى النظام العالمي، الفوضي العارمة تسود كل المؤسسات الدولية، و قرارات الأمم المتحدة و مجلس الأمن الدولي بالنسبة للمنطقة ماهي الاّ حبر على الورق، كما انّ المفكرين السياسيين و متخصصي التاريخ السياسي توصلوا الى قناعة بأن النظام العالمي لما بعد الحرب الباردة قد انتهى و على العالم اعادة تنظيم صفوفه من اجل انشاء نظام عالمي آخر على انقاض هذه الفوضى، نظام عالمي يستطيع التعامل مع ارهابيي داعش و القاعدة و بوكوحرام و الشباب و المسميات الأخرى للأرهابيين، ولكن انشاء نظام عالمي بهذا الشكل و بحيث يستطيع مواجهة كل التحديات ليس بالأمر الهين، لأن النظام القديم لم يبق له وجود وانّ الجديد لن يولد بسهولة، كما ان انشاء هذا النظام العالمي لن يولد بأجتماعات مجلس الأمن و الكونفرانسات الدولية لأعضاء الناتو و قادة دول الأتحاد الأوروبي و التحالف الدولي ضد الأرهاب بصورة عامة و ضد ارهابيي داعش على وجه الخصوص، و السبب الرئيس لهذا يعود الى ان خطر الأرهابيين و التقدم السريع للتكنلوجيا غيّرا تعريف الدولة المعاصرة، و الأسوء من ذلك هو انّ التقدم السريع للتكنلوجيا تحول الى افضل عامل لتقوية الأرهابيين في الوقت ذاته يشكّل اكبر خطر على انكماش قواعد الليبرالية الديمقراطية الغربية و قلع اسس الليرالية التي تستند عليها مبادىء النظام الليبرالي الديمقراطي الغربي.
ان هذا التحول الكبير للتقدم التقني السريع و خطورة الأرهابيين على العالم قد غيرا التعريف الدولي، كما سبّب الفوضى للحكم العولمي، وبصراحة اكبر ان التقدم السريع للتكنلوجيا بدلاً من تحويل الأتجاهات العالمية نحو الحكم العالمي و تصغير العالم الى قرية
صغيرة، فقد قام بانشاء مجموعة من الأحياء داخل هذه القرية ولايستطيع أحد ادارتها، والأخطر من ذلك هو انّه لايمكن ادارة الدول بالشكل الهرمي أي من الأعلى الى الأسفل و ينبغي تغيير صيغتها الى الأفقي و في منطقة واسعة كالشرق الأوسط، و ينبغي اعادة ترتيب المكونات القومية و الدينية المختلفة بشكل افقي في اطار عقد للحكم ضمن دولة مختلفة، و بالنسبة الى هذه الدولة الجديدة، حدّد لها الصحفي الأمريكي المعروف توماس فريدمان ثلاثة صفات وهي:
1- يجب ان يكون رئيس الدولة مانديلا، وهذا يعني انه يجب انْ يؤمن بالتعايش والتسامح، و كذلك يؤمن بعملية الأعتراف بالجرائم و التصالح.
2- ينبغي ان يكون لها جيش قادر على محاربة الأرهابيين على الأرض.
3- و من اجل انْ تولد هذه الدولة بسلامة ينبغي توفير قابلة جيدة!
ان فريدمان يعتقد انّه بأستثناء اقليم كوردستان لاتوجد منطقة أخرى في الشرق الأوسط يمتلك مانديلا، كما ان قوات البيشمركة اثبتت انه لا توجد دولة بأستثناء كوردستان تمتلك جيشاً على الأرض لدحر ارهابيي داعش، ولكن في الوقت ذاته مانديلا كوردستان و قوات البيشمركة لا يستطيعون اعلان نموذج هذه الدولة للعالم، اذا لم يكن التحالف الدولي قابلة جيدة و متعاونة من اجل ولادة هذه الدولة بسلامة والبقاء سالمة في بيئة معقدة كالشرق الأوسط. اذاً النقطة المهمة بالنسبة لنا ككوردستانيين و لرئيسنا و لجيشنا و لقوات البيشمركة، هي تعزيز هاتين النقطتين المهمتين و اللتين تشكلان احد مقومات الدولة التي تصحح النظام العالمي و تصبح موقعاَ عالمياً لحل مشكلة الأرهابيين في الشرق الأوسط، وحول التوترات الحالية في الشرق الأوسط، يقول البروفيسور عبدالكريم سروش في محاضرته بجامعة جيلسي: (( بعد عام 1917 و الذي تفككت فيه الأمبراطورية العثمانية و تشكلت بعدها مجموعة من الدول و الحدود الدولية الجديدة، واجهت الشرق الأوسط لأول مرة مثل هذه الأزمات المستعصية، وبدأت هذه التوترات من الدول المستحدثة، و بالنسبة الى العراق فإنه تحول الى ثلاث دويلات مختلفة و التي لم اشهدها مثلها ابداً، مايسمى داعش أو الخلافة الأسلامية احتلت مساحة كبيرة من العراق و سوريا لو انها نجحت أو انتصرت في هذه الحرب فإن المنطقة تتحول الى شرق اوسط جديدة و تشهد كوارث و أزمات و مآسي لفترة طويلة، لذا اقول بكل أسف ان مطلع القرن العشرين كان مليئاً بالأحداث الماساوية و الدموية، لذا ادعو الله عزوجل ان يجنّب العراق و الشرق الأوسط هذه الماساة لأنها سوف تسبب الكارثة للعالم الأجمع.
جرائم داعش و تأسيس الخلافة الأسلامية
البروفيسورسروش يتساءل خلال محاضرته: ماعلاقة عنوان هذه المحاضرة بالشرق الأوسط؟ و يجيب بنفسه و يقول: لأن التطرف الأسلامي السياسي اخترق الشرق الأوسط، لقد نشأ داعش و اعلن الخلافة الأسلامية، ويريد على الأقل أنْ يحكم عموم الدول العربية، ويطالب بتطبيق الأسلام الأصولي و الداعشيون ليسوا صوفيي قرني 11 و 12 و يُبعثون الأسلام مرة اخرى كما هو الأمام الغزالي، أو احياء علوم الدين و تطهير الأسلام من الفساد، وعلى العكس فأن الداعشيين يريدون تفسير الأسلام بطريقتهم الخاصة، هذا هو مطلبهم و برنامجهم، انهم يذبحون الناس و يقطعون الأيادي و يرتكبون مذابح جماعية، لقد ربطوا كل هذه الأفعال بالأسلام، هم اساءوا لسمعة الأسلام أمام العالم، ولكي نحلل هذا الموضوع بأسهاب علينا الأخذ بالأعتبار بأن الداعشيين يمارسون كل هذه الجرائم كاعمال دعائية موجهة للغرب، وحتى انّ الغرب نفسه يتحدث عن اهداف داعش و يصفها بالجرائم، وسبب ذلك هو ان الناس العاديين في الغرب ليست لديهم معلومات صحيحة و كاملة عن
الأسلام و انما المعلومات يحصلون عليها هي من وسائل الأعلام و التي تعكس صورة سوداء أمام العالم.
سروش هو أحد المفكرين الذي سبق ظهور داعش، و قد شعر بخطورة ظهور قوة ارهابية شبيهة بداعش، و في محاضرة اخرى له في جامعة جورج تاون عام 2010 تحدث بصراحة عن السياسة و الأسلام حيث قال: السياسة عبارة عن المحاولة لفرض نمط من الحياة داخل دولة، كما هي السياسة الأمريكية لأختيار صيغة للحياة، و في الوقت ذاته فإن سياسة الحكومة الأيرانية هي محاولة لتحديد نمط للحياة، اذاً في الأسلام السياسة هي محاولة لتحديد نمط للحياة، وعلى هذه الأساس تم تصنيف مراحل ممارسة السياسة في الأسلام على النحو الآتي:
1- مرحلة ظهور الأسلام و المحافظة على هويته كأمة اسلامية، و في هذه المرحلة حاول الرسول(ص) خلق حدود لهوية الأمة الأسلامية ضمن الأمبراطوريات الموجودة آنذاك، وحتى في هذه المسألة ساعد الله سبحانه و تعالى الرسول حيث غيّر قبلة المسلمين من القدس الى مكة، ومنها بدأت المرحلة اللاحقة.
2- مرحلة عصر خلفاء الراشدين حتى قرن الرابع الهجري اي قرني 11 و 12 الميلاديين. وفي هذه المرحلة وصل الدين الأسلامي من شبه الجزيرة العربية الى مصر و ايران و العديد من المناطق الأخرى، أي لم يبق الأسلام الفتي في عهد الرسول(ص) على حاله و تحول الى دولة كبيرة، وهذه الدولة كانت بحاجة الى القوانين و الأنظمة من اجل البقاء و تنظيم حياة الناس، لذا فإن ممارسة السياسة في الأسلام تحولت الى بناء النظام و سن القوانين.
3- مرحلة بناء الحضارة الأسلامية
في تلك المرحلة كانت الهوية الأسلامية مهددة، بالرغم من عدم اكتمال كيان الأسلام، لذا نرى ان الفكر الأسلامي اكتمل مع ظهور فيلسوف اسلامي و هو الأمام الغزالي كفيلسوف السنة في ذلك العصر حيث قام بأحياء علوم الدين، و البروفيسور سروش يعتقد بانّه لو لم يكن نبي الأسلام محمد( ص) هو خاتم الأنبياء لأصبح الأمام الغزالي نبياً آخر، لأنه احيا علوم الدين وفق ذلك الزمان، وبعد مرور 500 عام ظهر فيلسوف آخر بين الشيعة و هو صدرالدين الشيرازي، و يقول سروش اذا ما تصفحنا كتب الغزالي و الشيرازي و قارنناها لوجدنا انها تتشابه بنسبة 75% مع اختلاف بنسبة 25% فقط و هو يتعلق بالسنة و الشيعة، وهذا يعني انه من الضروري اجراء الأصلاح الديني داخل الدين نفسه و احياء العلوم الدينية و اعادة تفسيرها، لأن هناك اختلافات في التفسير حتى بالنسبة للقرآن الكريم حيث توجد تفسيرات مختلفة للنصوص القرآنية و هي كتاب رب العالمين أنزله في فترات مختلفة، والمهم ان الأنسان يتّبع تفسيرات عصره.
قوة غير مرئية لأحياء الأسلام
يعتبر البروفيسور سروش بيئة العالم الأسلامي و العربي هي العائق الوحيد أمام احياء الأسلام و تطهيره من الفساد السياسي, التي لاتسمح للمثقفين و ظهور ما يعتبرون المعتزلة، كما انّ الأنظمة السياسية و مؤسسات الدول العربية و الأسلامية هي ضد الأصلاح الديني في الأسلام و لاتريد اجراء تفسير عصري للأسلام، لذا منْ يريد ذلك عليه ان يتحمل مثل ناصرحامد ابوزيد( المتوفي عام 20109 الذي مُنع عنه التدريس في جامعة القاهرة و اضطر الى ترك مصر، و الأسوء من ذلك و الأعجب هو ان محكمة مصر العليا نفذت بحقه قانون الردة و فرقت بينه و بين زوجته، الى جانب الصاقه عشرات الفضائح).
من المعلوم ان عام 2010 كان للبروفيسور سروش سيئاً بالنسبة للأصلاح الأسلامي، لأنه توفي فيه ثلاثة من كبار المفكرين العرب الذين كان لهم الدور المشهود في الأصلاح الديني الأسلامي و اعادة تفسير العلوم وهم( محمد اركون، محمد عبد الجابري، ناصر ابو زيد).
ولهذا السبب فإن وجود هذه القوات غير المرئية داخل الدول العربية و الأسلامية مهمة جدا في الوقت الحالي، أو قيام مثقفي الأسلام في الغرب بكسر الصمت و بدء حركة كبيرة لأحياء الأسلام و اعادة تفسير القرآن و تطهيره من هذا الفساد السياسي، لأن كل نص يحتوي سراً معتدلاً أو حديثاً، ولكن المهم هو كيفية ايجاد هذا السر و كشفه، و بالنسبة الى الأصلاح الديني، فإنّ سروش يتفق مع محمد اركون بقوله: ((الهدف من الأصلاح، أو قراءة علمية لنصوص القرآن، هو تطهير الأسلام من الفساد السياسي الذي يهدف المسلمون من ورائه تحقيق طموحاتهم السياسية و الوصول الى السلطة وعلى هذا الأساس يفسرون تلك النصوص) و بمزيد من الصراحة يقول: (( لو كان الهدف من الأسلام هو تحديد نمط حياة خاصة للمسلمين، لذا ينبغي انْ تكون هذه الحياة معاصرة و جديرة بهم، و السبب في ذلك هو ما طرأ من تغييرات في كل العصور، و هذا يعني انّنا لو نظرنا الى الدين كالبذرة التي تمت زراعتها في عهد الرسول(ص) لوجدنا انها نمت و تحولت الى شجرة كبيرة متجذرة في روح التاريخ حتى تحولت الى حديقة كبيرة تحتوي على الآلاف من الأشجار، ولهذا السبب عندما يتعامل السلفيون أو الأصوليون بهذا الشكل مع الأسلام فإنهم بهذا يتجاهلون تأريخ تطور الأسلام، الأرهابيون لايعيدونا الى القرن السابع الميلادي فحسب، بل يجعلون من القرآن غطاء لتغطية اعمالهم و منحها الشرعية.
الحالة التي يمر بها الأسلام الآن، مرت من قبل على المسيحية ايضاً، حيث قام مارتن لوثر في عام 1517 بأعادة تفسير المسيحية و انقذ البروتستانتية من الدين المسيحي ذاته، ولذا ليس من الصعب قيام المسلمين باعادة تفسيرالقرآن يدخل في مصلحة الناس.
الصلة بين الدين و الديمقراطية
منذ انهيار الأمبراطورية العثمانية، هناك جدل داخل العالم الأسلامي حيث ان العديد من المثقفين و الباحثين حاولوا ايجاد صلة مصطنعة بين الدين و الديمقراطية، و الأكثر من ذلك فإن الديمقراطية كنتاج حديث و تقدم علمي كان مثقفو مصر (كمصدر لأحياء الفكر الأسلامي) ينظرون اليها في كل الأحوال بأنها تحدي امام الأسلام ، هؤلاء لم يعادوا العلم او لم يؤمنوا به فحسب، بل حاولوا ايجاد امور داخل القرآن من اجل تنسيب كل الأستكشافات العلمية التي هي نتاج عقل الأنسان الى الخالق عزوجل، وهذا جعل العالم العربي يحاول انعاش الدعوة الأسلامية بدلاُ من التفكير في اعادة بناء نمط الحياة على الأسس الديمقراطية و الحرية، البروفيسور سروش يشير في معرض التعبير عن الصلة المصطنعة التي حاول البعض ايجادها بقوله: هناك منْ يظن انّه يوجد تناقض ظاهري بين الدين و الديمقراطية أي في حال الربط بينهما سوف يتمخض عنه نتاج آخر و معنى جديد، ويعتقد سروش انّ هذا التناقض الظاهري لو وجد بين الدين و الديمقراطية، هو أمر جيد، لأن ذلك يؤدي في بعض الأحيان الى معنى أعمق، ولهذا يقول هؤلاء ان عناصر الديمقراطية تم تطبيقها في الأسلام قبل الحداثة الغربية، بينما يقول سروش: مفاهيم الحداثة لاتمت الى أي دين بصلة، و انما هي نتاج العقل البشري، ولا تجدها في أي دين، وهذا يعني انّ ايجاد هذه المفاهيم داخل الأديان هو التجاوز على النصوص الدينية، والأكثر من ذلك فإن عموم المحاولات التي جرت لأيجاد تلك المفاهيم من بين النصوص الدينية باءت بالفشل، لذا فإنّ المسألة هنا ليست تعادل الديمقراطية مع الدين، بل المسألة
المهمة تكمن في انّ المسلمين يستطيعون امتلاك الحكم الديمقراطي و التعايش معها، و هذه هي خلاصة الموضوع.
العقلانية و الدين.. الفلاسفة ليسوا ضد الدين
عندما يجري الحديث عن اعادة التفسير، أو احياء الدين و يقال من الضروري ان تجري لهما قراءة عقلانية، يقول البعض انّ الأسلام لايحتاج الى العقلانية لأن الأسلام معقول بالكامل، و حول هذا الجانب يقول البروفيسور سروش: ان العلوم السماوية هي علم عقلاني بحد ذاته، هناك اختلاف قليل بين العلوم العقلانية و العلوم التجريبية، ولكن الأثنين هما نتاج الأنسان، من المعلوم ان العلوم السماوية استخدمت في الأسلام كعلوم الكلام و التوحيد، وفي الوقت ذاته لو تمعننا في العلوم الأخرى مثل الكيمياء و الفيزياء و الرياضيات لوجدنا ان الجزء الأكبر من علمائها هم جزء من التأريخ الأسلامي، هذا صحيح بالنسبة للفلاسفة، وصحيح ان معظم الفلاسفة نشأوا في اليونان ولكن هذا لايعني ان الفلاسفة لم يظهروا في الدول الأسلامية أو فلاسفة لم يعادوا الدين. هنا اقصد اننا كمسلمين لدينا كل هذه التجارب العلمية و العقلانية، وينبغي أنْ نجعلها أساساَ نجدد به الأسلام و تفسيره بصيغة جديدة، هناك مدرستان للتفسير في الأسلام، وهما مدرسة المعتزلة و مدرسة الشعري، الأولى هي حركة اكثر علمانية و مصدر العقلانية فيها هو الدين، ويصبح مصدر الهام للتفكير العقلاني، لذا فإن هذه المدرسة تعد مهمة لتكون مصدراً للأنتاج العقلي المستقل و انتاج العقلانية من الدين، لذا فإنّ المعتزلة هم الأوائل الذين تمكنوا من انتاج استقلالية العقل من الدين، ولكن على عكسها فإن مدرسة الأشعري لا يسمح بانتاج العقلانية من الدين، اذاَ من المهم ان نعود الى المعتزلة في موضوع الأصلاح الديني، وهذا من اجل ازالة العوائق بشكل عقلاني التي كانت تعترض تفسير النصوص في الفترة الماضية، وهذا يعلّمنا أنْ نؤسس لصلة قوية بين الأسلام و العقلانية بغية قراءة النصوص بعقلانية.
الدين و الحرية
الحرية مسألة مهمة بالنسبة للحياة البشرية، لذا من الضروري تقييم هذه المسألة بشكل عقلاني، البروفيسور سروش يقسم الحرية الى قسمين:
1- الحرية الأقتصادية
2- الحرية السياسية
بالنسبة الى الحرية الاقتصادية يقول: الحرية الأقتصادية في العالم التقني الحديث تسمى اقتصاد السوق، أو الأقتصاد الرأسمالي، يمكن القول انّ الحرية الأقتصادية موجودة في الأسلام، وفي الفترة التي كان فيها الفكر الشتراكي سائداَ في الدول العربية الأسلامية كان هناك من يطعن بالأسلام ويصفه بالدين الرأسمالي، ولكن في مصر كانوا يدّعون تحت تأثير الفكر الأشتراكي بأن الأسلام هو اشتراكي و انّ الرسول (ص) هو رائد الأشتراكية في العالم، أما بالنسبة الى الحرية السياسية اريد القول بكل صراحة أن لغات كل اديان العالم هي لغة الألتزام، ولكن لغة الديمقراطية هي لغة الحداثة و الحقوق، وفي اوروبا كانت لغة الدين قبل النهضة لغة الألتزام، وليست لغة الحقوق، قبل سنوات دعيت الى حضور مؤتمر في النمسا، وكان الهدف منه هو كتابة مسودة للمسؤولية الأنسانية من اجل حماية حقوق الأنسان التي تنتهك من قبل الحكومات، وهذا يعني انّ الحقوق تولد المسؤولية، وهنا اكرر القول بأننا لانستطيع ايجاد الديمقراطية داخل أي دين، ولكن يمكننا ايجاد الدين داخل البيئة الديمقراطية، فالديمقراطية لها مقومات و أسس سياسية، وهي لاتقتصر على الألتزام و المسؤولية، حتى في مسألة العدالة السياسية و الأخلاقية، هناك
صلة بين العدالة و الديمقراطية و العدالة الأسلامية، ولكن هناك اختلافاَ بينهما من ناحية اسلوب التنفيذ، العدالة السياسية و الأخلاقية تشمل عموم الناس الذين لديهم حقوق، ولكن العدالة السياسية و الأخلاقية الدينية تشمل من له الألتزام، لذا فإن هذه المسألة تقع مسؤوليتها على عاتق المفكرين و الباحثين من اجل ايجاد وسيلة لتطبيق العدالة السياسية و الأخلاقية، أو تطبيق الوسيلة الغربية، او ايجاد أخرى لحماية حقوق الأنسان.
في هذا البحث للبروفيسور سروش نتوصل الى نتيجة وهي انّ الدين الذي نزل من السماء على نبي الأسلام(ص) نمت بذرته و تحولت الى شجرة كبيرة متجذرة في روح التاريخ حتى تحولت الى حديقة كبيرة تحتوي على الآلاف من الأشجار، ولهذا السبب عندما يتعامل السلفيون أو الأصوليون بهذا الشكل مع الأسلام فإنهم بهذا يتجاهلون تأريخ تطور الأسلام، الأرهابيون لايعيدونا الى القرن السابع الميلادي فحسب، بل يجعلون من القرآن غطاء لتغطية اعمالهم و منحها الشرعية.
