أسباب غضب الشارع والتحديات التي تواجهها حكومة عبدالمهدي
في سوق (مريدي) بمدينة الصدر، التقى مقدم البرنامج، هونر أحمد، حسين عبدالظاهر الذي يجمع بعربته التي يجرها حصان، المقتنيات المنزلية المستعملة، ليبيعها لقاء ربح بسيط.
حسين أب لخمسة أولاد، ويكسب في اليوم ما بين 5000 و7000 دينار، وقد نال منه التعب، ويريد أن ينعم بقسط من الراحة، ويقول: "كثير من الشباب عاطلون عن العمل يجب عليك دفع النقود كرشوة حتى يتم تعيينك، حاليا هم يوظفون البنغلادشيين في الوزيرية والأعظمية، يأتي لنا المسؤول أوقات الانتخابات فقط، وبعدها لانرى وجوههم، بلدنا ليس اسمه العراق، اسمه العراك".
من يصدق أن هذا جزء من عاصمة بلد يصدر 3.8 مليون برميل نفط في اليوم، حصة بغداد التي يشكل سكانها 21% من مجموع سكان العراق، من موازنة هذا العام كانت 3.22 ترليون دينار، ثم أضيف إلى هذا المبلغ 170 مليار دينار آخر، لكن من ناحية الخدمات والحالة المعيشية للسكان، فحال أغلب أحياء العاصمة مزرية، ما عدا 4 أو 5 أحياء، النفايات ملقاة في كل مكان، وقسم من الدور مبني على أراضي متجاوز عليها، وإلى جانب الكهرباء، فإن الافتقار إلى الماء والمجاري هي المشكلة الرئيسة لأغلب سكان بغداد.
قبل نحو سنة، تم في هذه المدينة تشكيل حكومة جديدة برئاسة عادل عبدالمهدي، لكن السكان منزعجون، ويرون أنها لا تختلف عن الحكومات السابقة في شيء، لأنها عجزت عن تحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين.
في حديقة ساحة التحرير، حاور هونر أحمد بعض المواطنين، ومنهم محمد داوود الذي يرى أنه تم اختلاق الكثير من المشاكل للحكومة بالقول: "اليد التي صفقت لعادل عبد المهدي هي التي تريده أن يستقيل الآن ،ليسلم الحكومة حتى يترك بصمة جيدة هو يريد العمل، والدليل رفع الصبات، أي واحدة من الحكومات التي قبله لم ترفعها".
كريم حسن، ساخط أكثر من الجميع وهو يقارن الموازنة الضخمة للعراق عموماً وبغداد خصوصاً، بحصة إقليم كوردستان البالغة 12% ويسأل البرلمانيين والسياسيين العراقيين: لماذا تطمعون في موازنة ونفط إقليم كوردستان؟ بينما عجزتم عن بناء مستشفى هنا!
ويقول: "يستهترون على الناس بحجة البعث، وقد هدموا البنى التحتية، انظر إلى أربيل اليوم كيف هي؟ أنفاق، جسور، معلقات، مستشفيات، جامعات، دعنا نقارن، هنالك اعتراضات في البرلمان بسبب حصة الكورد من الموازنة الاتحادية، الكورد يبنون بها في أربيل والسليمانية، أما الجنوب وبغداد يسرقون ويضعون في جيوبهم، هذا هو الفرق، دع الناس يبنون، أريد أن أرى السياسي يبني جامعة، لم أر، عندنا مستشفى بمدينة الصدر هل دخلت لها؟ مستشفى الامام علي سرقوا نصف مبالغها، بقيت عبارة عن هياكل حديدية وطابوق، أين ذهبت أموالها من موازنات 2108 و2019، ويذهبون الى الحج ويلبسون الإحرام ويقولون لبيك يارسول الله، والله ومحمد وعمر بن الخطاب وأبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب والشيخ عبد القادر وأبو حنيفة، منكم براء، إنهم لا يخافون الله ولا يستحون، كلهم بعثية، بعد سقوط صدام أسدلتم لحاكم ولبستم عمائم مزيفة، كلكم دجالون".
كل هذا الاستياء جعل الناس يتمنون نهاية حكومة عبدالمهدي على غرار الحكومات السابقة لها، وقال أحد المواطنين:"نهايتهم اقتربت بإذن الله لإنهم لم يجلبوا سوى العذاب للمواطن العراقي، والمواطن اصبح يسير في نفق مظلم ونهايته مغلقة، وهذه النهاية أغلقها هؤلاء الساسة، ساسة الفشل، هنالك 3 ملايين أرملة تستجدي بعضهن في الطرقات، 5 ملايين يتيم لدينا، ينام بعضهم على الأرصفة بدون مأوى".
بعيداً عن مشكلة الخدمات، فإن المشكلة الأمنية وصراع الدول العظمى وخاصة صراع أمريكا وإيران على أرض العراق يمثل المشكلة الكبرى لهذه الحكومة، المحللون للأوضاع في العراق يرون أن حكومة العبادي كانت عاجزة عن إكمال سنواتها الأربع لولا حرب داعش التي جمعت بين أغلب الأطراف السياسية، والآن وقد بدأ الحديث يدور حول تقييم أداء حكومة عادل عبدالمهدي، بدأ الحديث عن عودة داعش للبروز يطفو إلى السطح.
يقول الناس إنهم مجبرون إما على القبول بحكومة فاسدة بلا خدمات أو لزوم الصمت، فالسنة، الذين تعرض أغلب مناطقهم للحرب والدمار لا يزال 1.7 مليون منهم في المخيمات، ونحو 50 ألفاً مجهولي المصير في السجون، رؤيتهم الآن لكابينة عبدالمهدي الحكومية تختلف عن رؤيتهم عند تشكيلها، ويريدون تكثيف ضغوطهم على الحكومة من خلال تأليف جبهة سنية، لأنهم يعتقدون أنها لم تكن جادة في حل مشاكلهم.
وأشار المتحدث باسم المحور الوطني، ليث الدليمي إلى أنه "عندما يتحقق إنجاز واجب الحكومة، لكن بنفس الوقت عليها معالجة تقصيرها تجاه ابنائها، هناك حقوق يجب أن تعطى لهذه الشريحة من أبناء محافظاتنا على مستوى المهجرين والمعتقلين، على مستوى إعادة البنى التحتية، وعلى مستويات أخرى، أغلب الذي التقينا بهم من نوابنا وقيادات الكتل السنية ضمن تحالفي البناء والإصلاح كلهم غير راضين على أداء الحكومة، والكل يأمل ممارسة الضغط عليها".
وتابع: "إذا وصلنا إلى طريق مسدود مع الحكومة نلجأ إلى كل الخيارات مع شركائنا في سبيل الضغط على الحكومة للمعالجة، وبعض الملفات نعتقد أن عدم معالجتها ستفتح المجال لتدخلات أخرى".
الأطراف الشيعية، كتلك السنية، منقسمة على ثلاث جبهات: المالكي وهادي العامري وقيس الخزعلي، يساندون حكومة عبدالمهدي، التيار الصدري، ومن خلال الصدر نفسه، يطلق بين الحين والحين تهديدات ويمهل الحكومة، أما تيار الحكمة، فقد أعلن معارضته، ويرى أن عبدالمهدي رئيس مجلس وزراء ضعيف، وأنه فشل من جهة تحسين الوضع الأمني والخدمي.
ويقول مسؤول مكتب العلاقات الوطنية والسياسية في تيار الحكمة، محمد الحسيني: "إذا تكلمنا عن خطوة سحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء فهذه الخطوة لم تتوفر لدينا إلى هذه اللحظة، فهي غير موجودة في أدبياتنا، وغير موجودة في بوصلة حراكنا، فمعظم القوى السياسية الموجودة في خانة الموالاة هي قوى داعمة للحكومة، بل قوى تنتظر أن تأخذ حصتها من الدرجات الخاصة التي ستحسم بالشهر العاشر، وعندما تأخذ حصتها تودع الحكومة وتذهب إلى خانة المعارضة".
وأوضح: "إذا تكلمنا على سبيل المثال عن منظومة الأمن والدفاع بجانبيها العسكري والأمني، هناك ضعف كبير في أداء الحكومة في هذا الجانب، وهناك صواريخ تسقط على المنطقة الخضراء، إطلاقات مختلفة لهاونات وصواريخ كاتيوشا من مناطق وسط بغداد، فوضى وانفلات للسلاح وعدم حصره بيد الدولة، هذا على الجانب الامني، والجانب الخدمي الوضع لايبشر بخير أيضاً".
منذ بدايات تشكيل حكومته، استبشر مواطنو كوردستان والأطراف الكوردية أن عبدالمهدي باب خير فتح في وجه الكورد لكن إلى الآن، لم يتم حل المشاكل العالقة بين أربيل وبغداد عملياً، رغم وجود النية لحلها، رغم ذلك، فإن للكورد نظرة مختلفة عن كل الأطراف المختلفة في العراق، ويرون أن عبدالمهدي يستحق فرصة أكبر، ويمكن إجراء تقييم لأدائه عند انتصاف الفترة القانونية لحكومته.
وقال عضو مجلس النواب العراقي عن كتلة الحزب الديمقراطي الكوردستاني، ريبوار هادي: "نعم، نحن من ساند هذه الحكومة، وقد نالت ثقة البرلمان بأصوات الكورد وخاصة الحزب الديمقراطي الكوردستاني، ونحن ككورد نرى وجوب منح فرصة أكبر للحكومة العراقية الحالية، وهذا لا يعني أننا راضون عن أداء هذه الحكومة وليست لنا ملاحظات، فهي لم تتخذ حتى الآن خطوة في موضوع المادة 140 وهي من المواضيع التي تهمنا ككورد، الأطراف الأخرى، الشيعية والسنية، لها ملاحظات على أداء الحكومة، لكن لم تبلغ الأمور حد الحديث عن سحب الثقة من الحكومة أو عدم السماح لها بإكمال الثلاث سنوات المتبقية من عمرها، أعتقد أن بقاء أو عدم بقاء، أو استمرار هذه الحكومة رهن بأدائها في الفترة القادمة".
في خضم كل هذا الصراع الذي تسببت فيه الأطراف السياسية، فإن 40% من سكان العراق عاطلون عن العمل، ونسبة الفقر 22.5%، وحسب تقرير البنك الدولي يبلغ الدخل اليومي للفقراء ما بين 3 و4 دولارات في اليوم.
مسألة مواجهة الفساد صارت الحديث الذي تردده الأطراف السياسية العراقية كلها، لكن المواطنين العراقيين يقولون إنهم يعتبرون متهمين الآن لأن جميع الأطراف برأت أنفسها من الفساد.
وقال أحد المواطنين: "الأحزاب السياسية التي تريد سحب الثقة، هل تمتلك مقاعد في البرلمان؟ نعم عندهم مقاعد، لماذا لايحاسبون نوابهم أصحاب المقاعد؟ مثلا كتلة سائرون كم مقعد لديها، كثيرة، لماذا لا يحاسبون نوابهم؟ تيار الحكمة نفس الشيء، الدعوة تقول انا لا أسرق، سائرون تقول أنا لا أسرق أيضاً، فمن الذي يسرق؟ الشعب؟، نخضع إلى تنويم مغناطيسي يلهينا عنهم، كانقطاع المياه، هنا لانفكر بالحكومة، بل نفكر بالماء وكيف نسقي عوائلنا وكيف لنا أن نستحم ونغتسل، بعدها تُطفئ الكهرباء علينا، الكهرباء من 2003 لليوم صرفت عليها ميارات الدولارات".
مسألة الفساد والوضع الأمني والخوف من عودة داعش للبروز، الفقر والبطالة، غياب الخدمات، الصراع بين أمريكا وإيران على أرض العراق، الخلافات العميقة بين الأطراف السياسية، هي أبرز المشاكل التي تجعل مستقبل السنوات الثلاث المتبقيات من عمر كابينة عبدالمهدي مجهولاً.
روداو
