إقليم كوردستان بحاجة إلى تنويع مصادر الطاقة
لتوفير الطاقة، وخاصة الكهربائية، اعتمد البشر خلال أكثر من قرن على مصادر كالفحم والنفط والغاز الطبيعي، وكانت هذه المصادر من الأسباب الرئيسة لتلوث البيئة وحدوث التغيرات المناخية. تأثيرات استخدام هذا النوع من الوقود المعروف بوقود (فوسيل) على البيئة واسعة لدرجة أن مؤتمر الطاقة العالمي لهذه السنة دعا إلى التقليل من استخدام هذا الوقود والحد منه.
وتشير البحوث العلمية إلى أن استخدام وقود فوسيل لإنتاج الطاقة الكهربائية هو المصدر الرئيس لإنتاج غاز ثنائي أوكسيد الكاربون الذي يعد السبب الرئيس لحدوث التغيرات المناخية وارتفاع درجة حرارة الأرض.
اتفاق باريس
وقعت 196 دولة وجهة دولية في 2015 اتفاقاً في باريس للعمل الجاد على السيطرة على الغازات الضارة التي تنفث في الجو باستمرار، للحؤول دون ارتفاع درجة حرارة الأرض درجتين سيليزيتين أخريين حيث يتوقع العلماء أن يؤدي ذلك الارتفاع إلى مخاطر كبرى كذوبان الجليد في القطبين الشمالي والجنوبي وارتفاع منسوب مياه المحيطات وغرق بعض المدن ومئات الأضرار الأخرى. المفارقة العجيبة في اتفاق باريس تكمن في أن الدول بحاجة إلى إنتاج الكهرباء، بل أن حاجتها إلى الكهرباء ترتفع مع ارتفاع عدد السكان والنمو الاقتصادي المستمرين. فكيف تعمل على تقليل الغازات الضارة في حين أن انبعاثها مرتبط بعلاقة طردية مع النمو الصناعي والاقتصادي. الجواب هو من خلال استخدام مصادر أنظف للطاقة. الانتقال إلى استخدام مصادر لا تلوث البيئة أو تلوثها بدرجة أقل هو واحد من تبعات اتفاق باريس البيئي الذي وصفه مجلس الطاقة العالمي بـ"الثورة الكبرى".
الثورة الكبرى في مجال الطاقة
استخدام وقود فوسيل (الفحم والنفط والغاز) يمثل 78% من أسباب ارتفاع درجة حرارة الأرض، وهذه النسبة ترتفع سنوياً نتيجة للزيادة في استخدام هذا النوع من الوقود. ليس التحول عن استخدام وقود فوسيل بالأمر اليسير فتغيير نظام الطاقة العالمي الحالي سيؤدي إلى تغيير كبير في جميع مجالات الحياة، لأن كل مجالات الحياة مرتبط بالطاقة. لهذا وصف خبراء مجلس الطاقة العالمي هذه الفترة بالتغيير الكبير، ويقولون إن مرحلة التحول عن مصادر وقود فوسيل إلى مصادر أنظف ستبدأ في العام 2040، وأكبر تحد في هذه المرحلة يكمن في كيفية تغيير البنية التحتية الحالية للطاقة المصمم على أساس استخدام وقود فوسيل، إلى بنية تعتمد على وقود من نوع جديد، وهذا سيلقي ثقلاً كبيراً على الصناعات وكبريات الشركات المنتجة للطاقة التي يجب أن تستعد للمرحلة الانتقالية وتغير من اتجاه استثماراتها.
الطاقة المتجددة
مصادر الطاقة التي لا تعتمد على وقود فوسيل، كالرياح والطاقة الشمسية وأمواج البحر وأنواع الوقود الأخضر الأخرى كالوقود الهيدروجيني تعرف بمصادر الطاقة المتجددة. كانت تكلفة إنتاج الطاقة من هذه المصادر حتى السنوات الأخيرة تعادل أضعاف تكلفة إنتاج الطاقة باستخدام وقود فوسيل، لكن بفضل التكنولوجيا والابتكارات المستمرة في هذا المجال، أصبح إنتاج الطاقة الكهربائية باستخدام مصادر الطاقة المتجددة قادراً على منافسة الانتاج باستخدام وقود فوسيل. تشير الدراسات إلى أن تكلفة 75% من الطاقة الكهربائية المنتجة عن طريق حرق الفحم، أمست أكثر من تكلفة إنتاج الكهرباء باستخدام المصادر المتجددة. لذا فإن هناك أملاً كبيراً في انتهاء استخدام الفحم، ليس في أمريكا وحدها بل في دول العالم الأخرى، لتحل محله المصادر الجديدة للطاقة.
تقول التقارير العلمية إن استخدام الطاقة المتجددة ليس مجرد عمل يهدف إلى حماية البيئة، بل هو تجارة مربحة أيضاً، حيث يتوقع أن تنخفض تكلفة إنتاج الكهرباء من المصادر الجديدة أكثر في 2020. تتراوح كلفة إنتاج كيلوواط واحد من الكهرباء في الساعة الواحد، باستخدام وقود فوسيل، بين 5 و17 سنتاً، لكن أحدث التخمينات يقدر تكلفة إنتاج هذه الكمية من الكهرباء في 2020 وباستخدام المصادر الجديدة بما بين 3 و10 سنتات.
لكن هناك مشاكل تواجه إنتاج الكهرباء باستخدام مصادر الطاقة المتجددة، ومن بينها تذبذبها بسبب تحول فصول السنة، وهذا ما يجعل عملية نقل وتوزيع الكهرباء غير يسيرة. إلا أن الشركات الصناعية العاملة في هذا المجال تسعى إلى ابتكار طرق لخزن هذه الطاقة واستخدامها في الفصول التي تشح فيها مصادرها، ومنها الخلط بين الطاقة النظيفة والطاقة العادية وفوسيل.
أهمية الغاز الطبيعي
الغاز الطبيعي الذي هو واحد من أنواع وقود فوسيل، موضع اهتمام بيئياً مقارنة بالفحم والنفط، لأنه أقل تلويثاً للبيئة. حيث أن استخدامه في إنتاج الطاقة الكهربائية ينتج غازات ضارة أقل من استخدام النفط بنسبة 20% وأقل من استخدام الفحم بنسبة 50%، وهذا يبين أهمية الغاز الطبيعي، ويقول مجلس الطاقة العالمي إنه يجب استخدام الغاز الطبيعي بدلاً عن النفط والفحم في المرحلة الانتقالية. هنا، وبما أن إقليم كوردستان غني بالغاز الطبيعي، فإنه إلى جانب توفير الحاجة المحلية من الطاقة الكهربائية والصناعة، يستطيع أن يعين الدول الأخرى.
دور التكنولوجيا
بدأت المرحلة الانتقالية للطاقة فعلاً، ولم يعد النفط والغاز والفحم المواد الثمينة والستراتيجية الوحيدة التي تستخدمها الدول في إنتاج الكهرباء. بل أصبحت تستغل الرياح والشمس وأمواج البحار والأنهار والمحيطات والعديد من المصادر التي لا حصر لها لإنتاج الكهرباء اللازمة، وهذا التغير السريع نتج عن كون تكنولوجيا إنتاج الكهرباء من المصادر الجديدة أرخص وستزداد رخصاً في مستقبل قريب جداً.
بدأت كبريات الشركات العالمية من الآن استثمارات ضخمة في الطاقة المتجددة. حتى المصارف والصناديق الكبرى التي كانت لها استثمارات ضخمة في النفط والغاز، بدأت استمارات ضخمة في المصادر المتجددة، وكان عقد مؤتمر الطاقة العالمي في بلد نفطي كالإمارات التي تنتج أكثر من مليوني برميل من النفط يومياً، يعني أن على الدول النفطية أيضاً الاستعداد لمواجهة هذه الحقيقة. لهذا فقد بدأت غالبية دول الخليج الغنية بالنفط استثمارات كبيرة في هذا المجال وأصبحت في مقدمة دول العالم من حيث حجم مشاريع الاستثمار في الطاقة المتجددة.
لذا ينبغي أن ينظر إقليم كوردستان بجدية أكبر إلى هذا الموضوع وينوع مصادر الطاقة، مثلما قال لنا المدير التنفيذي لشركة كيواتي الفنلندية، كريستو بونيو، إن إقليم كوردستان يتمتع بشمس جيدة وفيه جبال عالية وبستطيع الإفادة جيداً من الطاقة الشمسية والرياح شرط أن يعد خطة جيدة لهذا الغرض ويراعي التغيرات التي تطرأ في هذا المجال.
روداو
