عفرين في مواجهة تهديدات الحرب والدمار
وجاءت العملية بعد أسبوع حافل بالتصريحات النارية المعادية لعفرين من قبل المسؤولين الأتراك. كانت الإدارة الأمريكية حتى أسبوع من بدء العملية الأخيرة تتحدث عن تسليح "الشركاء الكورد"، لكنها باتت الآن تتحدث بتحفظ عن الوضع. فقد صرح مسؤول في البنتاغون لم يكشف عن هويته لوكالة رويترز البريطانية "نطالب جميع الأطراف بأن تنأى بنفسها عن تأزيم الوضع والتركيز على المهمة الأساس المتمثلة بالقضاء على داعش". ومن جانبها أعلنت هيذر ناويرت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية، خلال المؤتمر الصحفي للوزارة "نطالب – لا شك أننا نقصد تركيا – بعدم اتخاذ مثل هذه الخطوات".
وأكدت المتحدثة باسم الخارجية على أن التركيز يجب أن يكون منحصراً على الحرب على داعش. تصريحات الخارجية الأمريكية والبنتاغون تميط اللثام عن حقيقة خلو الجعبة الأمريكية من أية خطط لمرحلة ما بعد داعش من جهة، ومن الجهة الأخرى تكشف عن أن أمريكا لم يعد لها موطئ قدم في معظم مناطق الشرق الأوسط ولم تعد قادرة على توجيه الأحداث، وتشبه تصريحات الإدارة الأمريكية الأخيرة التصريحات التي كانت تطلقها عند هجمات 16 أكتوبر على كركوك عندما اتخذت موقف المتفرج من الأحداث.
وكشف مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية أن الوزير ريكس تيلرسن قد اتصل بنظيريه التركي والروسي، لكن المصدر لم يذكر تفاصيل تلك الاتصالات. وقد كانت القوات الكوردية في كوردستان سوريا، محل خلاف بين أنقرة وواشنطن في السنوات الثلاثة الأخيرة. وكانت أمريكا تصف القوات الكوردية السورية بأنها أكبر شريك لها في الحرب البرية ضد داعش في سوريا، أما تركيا فكانت تعتبر تلك القوات امتداداً لحزب العمال الكوردستاني.
في مقال له، يشير سام هيلر من مركز أبحاث (سَتة) إلى أن أمريكا لا تدعم وحدات حماية الشعب في عفرين لأن تلك المنطقة "خالية من أي عنصر مسلح من داعش"، وقد اقتصرت المساعي الأمريكية في سوريا خلال السنوات الثلاثة الأخيرة على دحر داعش وأناطت ملف الحل الشامل للأزمة السورية بروسيا وتركيا وإيران ونأت بنفسها عن التدخل في المناطق التي لا تدخل ضمن مناطق القوات الموالية لأمريكا حتى أن عفرين لم تكن من بين المناطق التي أعلن قائد القوات الأمريكية عن تشكيل قوة لحماية حدودها.
وكان يعتقد فيما مضى أن وجود القوات الروسية في عفرين سيحول دون قيام تركيا بنقل عملياتها العسكرية إلى عمق عفرين. وقد اجتمع كبار القادة العسكريين الأتراك والروس مؤخراً في موسكو. وبعد الاجتماع بيومين أعلنت وزارة الدفاع الروسية أنها ستقوم بنقل قوات المراقبة التابعة لها إلى العجار وتل رفعت التي تعتبر مناطق آمنة. وكان وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، قد نفى في وقت سابق أن تكون قواتها قد انسحبت من عفرين.
وصرح كريم هاس، استاذ العلاقات الروسية التركية في جامعة موسكو، لجريدة (نيويورك تايمز) الأمريكية أن "المشاهد تخبرنا بأن المصالح التركية والروسية بدأت تتغير"، ويرى هاس أن روسيا لا تريد التورط في حرب مستمرة منذ مائة عام بين تركيا والكورد، كما أنها لا تريد مساعدة تركيا فيها، إذا ما واجهت تركيا أزمة في عفرين. ويقول هاس: "روسيا ليست في سوريا من أجل حل المشكلة الكوردية".
وأعلن رامي عبدالرحمن، مسؤول المرصد السوري لحقوق الإنسان لوكالة أسوشييتد بريس الأمريكية أن تركيا أعدت للعملية قوة قوامها عشرة آلاف شخص. كما أعلن مسؤول واحدة من الفصائل المسلحة التابعة لتركيا أن الآلاف من أولئك المسلحين تحشدوا في أعزاز ومئات منهم في أتمة جنوب عفرين للمشاركة في الهجوم عليها.
وتحمل عملية "غصن الزيتون" في ثناياها مخاطر كبيرة على تركيا، حيث أن لدى وحدات حماية الشعب ما بين ثمانية إلى عشرة آلاف مقاتل في عفرين يحملون خبرة ثلاث سنوات من القتال ضد داعش والجماعات الإسلامية المتشددة الأخرى، كما ستزيد المعارك في عفرين من تصعيد التوترات بين حزب العمال الكوردستاني وتركيا في الداخل التركي.
ومن المنتظر أن تسفر العملية التركية والتي تشارك فيها المعارضة السورية استنكار الأمم المتحدة لأن عشرات آلاف من اللاجئين من مناطق سوريا المختلفة متواجدون في عفرين، وكانت أعداد من هؤلاء قد لجأت إلى عفرين الشهر الماضي هرباً من معارك إدلب الطاحنة بين الحكومة والمعارضة السوريتين. ويعيش في عفرين الآن 800 ألف مدني.
ويرى آرون ستاين، الباحث في الشؤون السياسية والأمنية السورية في مجلس أتلانتيك أن من بين المشاكل التي يعاني منها المحللون "أنه ليس ثم أحد يعرف نوايا تركيا إلى الآن". ويتوقع ستاين أن "يتخذ سكان عفرين موقفاً من قوات المعارضة المدعومة تركياً".
وفي تصريح لجريدة (واشنطن بوست) الأمريكية قال ستاين إن الجهود الروسية والأمريكية الرامية إلى التقريب بين القوى الكوردية والحكومة السورية قد تكون واحدة من أسباب الهجمة التركية، حيث يرى ستاين أن "هذا ما لا ترتاح له تركيا، وتريد التعبير عن سخطها بهذه الطريقة".
ويعتقد عدد من المحللين الموالين للمعارضة السورية أن المعارضة قد أخطأت عندما تحولت إلى جزء من المطامع التركية، حيث يقول أشهر هؤلاء وهو حسن حسن من معهد تشسم هاوس البريطاني الذي قال في تغريدة له "هذه أغبى حرب عقيمة تشارك فيها المعارضة. فإضافة إلى أن المعارضة ليست لها مصالح فيها، ستلحق بنفسها الكثير من الضرر" المتمثل في تغيير النظام والسلطة السياسية في سوريا.
خلال السنتين الأخيرتين نأت تركيا بنفسها عن القيام بعمليات عسكرية في المناطق الكوردية في سوريا، وربما كان ذلك نتيجة تفاهم بين واشنطن وأنقرة لأن قوات سوريا الديمقراطية كانت القوة المقاتلة الوحيدة على الأرض في الحرب ضد داعش. وحسب تقرير لمركز (ستراتفور) فإن تركيا كانت تنتظر انسحاب أمريكا من المناطق الكوردية وتوقف مساعداتها للقوات الكوردية بعد هزيمة داعش، ومن جهة أخرى كانت تركيا تريد استخدام نفوذها داخل المعارضة كورقة تضغط بها على روسيا للسماح لها بالهجوم على المناطق الكوردية.
الأوضاع القائمة في المنطقة حالياً تشبه إلى حد بعيد الأوضاع التي كانت سائدة في أواخر العام 2016 عندما كانت قوات المعارضة تتصدى للقوات الموالية للحكومة في شرقي حلب، وكانت تركيا مستعدة للتخلي عن المعارضة مقابل السماح بعملية درع الفرات واحتلال جرابلس. وكان هدف عملية درع الفرات عزل عفرين عن الكانتونين الآخرين في كوردستان سوريا. فهل تخلت تركيا هذه المرة أيضاً عن المعارضة السورية في إدلب لقاء السماح لها بالهجوم على عفرين؟ سؤال ستغير الإجابة عليه مكانة ومصير المعارضة في الحرب الأهلية السورية.
