• Friday, 03 July 2026
logo

الرئيس بارزاني: لقد دُفع شعبنا الى القناعة بأن الآخر لايريد استمرار الشراكة

الرئيس بارزاني: لقد دُفع شعبنا الى القناعة بأن الآخر لايريد استمرار الشراكة
قال الرئيس بارزاني في رسالة الى ملتقى الديمقراطية وحق تقرير المصير المنعقد في السليمانية والذي شارك فيه نخبة من الكتاب والمثقفين الكورد والعرب العراقيين ومن الدول الأخرى" أن تجربة التعايش التي أعقبت الإطاحة بالدكتاتورية في نيسان عام ٢٠٠٣ كانت إنتقالة نوعية ، وفرصة إستثنائية لامتحان التجربة وآفاقها. وراهنّا على نجاحها، وإندفعنا دون تحفظ للمشاركة النشيطة بكل ما كنا نمتلك لاعادة بناء عراق ديمقراطي اتحادي مدني على قاعدة الشراكة والتوافق الوطني . ويكفي تضحية ، ما تخلينا عنه من وضعٍ كوردستاني قائمٍ شُبه مستقلٍ ان لم يكن في واقع الامر مستقلاً.

وجاء في نص الرسالة:



الحضور الكريم

السيدات والسادة …

يسعدني أن تسنح لي فرصة مخاطبة هذه النخبة المتميزة من المثقفين والمفكرين العرب والعراقيين، الذين يحتكمون الى العقل والمنطق والقيم الانسانية النبيلة حين يتعلق الامر بمصائر الشعوب والأمم، ويسترجعون الى الذاكرة كقِيمة مضافة رصيد التجربة التاريخية لشعوبهم وما تقدمه من إضاءة لحاضرهم ومستقبلهم. ولابد لي أن أُكَبِّر فيهم روح التضامن الأخوي مع شعبنا الكوردستاني وتطلعاته المشروعة، لمجرد مشاركتهم في هذا الملتقى، ومساهمتهم في إثراء الحوار وتبادل الرأي حول مانراه حقنا في تقرير مصيرنا بالوسائل السياسية - السلمية، وبالاستناد الى السنن والشرائع الاممية والدينية وما يجسد القيم الانسانية في أنبل صورها.



وأنا هنا لا أريد أن أسهب في عرضٍ تاريخيٍ لكفاح شعبنا وتضحياته عبر أكثر من قرن. فتلك مسيرةٍ لم تمضِ دون مشاركةٍ ومعايشةٍ وتعاطفٍ منكم، ومن القوى الديمقراطية والتقدمية والاوساط الوطنية والقومية التي كانت شهود حقٍ وتعاطفٍ وإسناد. بل وكثرة منهم كانوا " وقد يكون البعض منهم حاضراً بينكم "، الى جانبنا في أشد المراحل قسوةً وتضحية وعطاءً. وأخص منهم بالذكر الأخوات والاخوة العراقيين من العرب العراقيين الذين حملوا السلاح معنا وقدموا شهداء وتضحيات غالية في كفاحهم ذاك. وأكاد أسترجع اليوم صور بطولات المتظاهرين العراقيين في شوارع بغداد والمحافظات وهم يهتفون بشعارات التضامن والاخوة العربية الكوردية والنضال المشترك في سبيل الديمقراطية للعراق وتقرير المصير للشعب الكوردي، ويتّحَدّون الدكتاتوريات المتعاقبة التي كانت تضطهد شعبهم وتزج خيرة بناته وأبنائه في السجون والمعتقلات في نفس الوقت الذي يوجهون فيه طائراتهم ودباباتهم وأسلحتهم الكيمياوية لابادة شعبنا الكوردستاني. لكنني وأنا استرجع تلك المراحل السوداء الدموية التي خلّفت المحن والجراح والخسائر في الارواح والثروات، أسترجع معها الفشل الذريع الذي مُنِيت به كل تلك المحاولات الاجرامية التي ارادت إطفاء جذوة كفاحنا لبلوغ أهدافنا. كما منيت بالخيبة ما ارادته من تصفية حركة الشعب العراقي في سبيل الحرية والتقدم الاجتماعي والديمقراطي.



إن شعبنا أختار طواعية العيش المشترك مع اشقائه العراقيين مُتطلعاً الأخذ بالاعتبار الاستجابة لحقوقه القومية في إطار عراقٍ موحَدٍ ديمقراطي. وبهذا التوجه صاغ شعاراته في إطار الديمقراطية للعراق، مطوراً الجانب القومي من الشعار وفقاً لمدى تطور الحالة السياسية ونضوج الحركة الوطنية، واستعداد الحكومات المتعاقبة لمطامح العراقيين باعتبارها تجسيداً لخلق بيئة تعايشٍ مشتركٍ.



وكانت تجربة التعايش التي أعقبت الإطاحة بالدكتاتورية في نيسان عام ٢٠٠٣ إنتقالة نوعية، وفرصة إستثنائية لامتحان التجربة وآفاقها. وراهنّا على نجاحها، وإندفعنا دون تحفظ للمشاركة النشيطة بكل ما كنا نمتلك لاعادة بناء عراق ديمقراطي اتحادي مدني على قاعدة الشراكة والتوافق الوطني. ويكفي تضحية، ما تخلينا عنه من وضعٍ كوردستاني قائمٍ شُبه مستقلٍ ان لم يكن في واقع الامر مستقلاً. ولم نَقدِم من منطلق حسن النية بالشركاء على اي خطوة في استرجاع المناطق التي استقطعها صدام بجرة قلمٍ ملوثٍ بالحقد الشوفيني بهدف التغيير الديموغرافي للمناطق الكوردستانية في اطار سياسة التعريب والتبعيث سيئة الصيت. ولم ندخل مدينة كركوك مع انها كانت مفتوحة أمامنا يومذاك. كل ذلك رغبة في اشاعة جوٍ من الثقة المتبادلة، وارساء الاسس الوطيدة لتعزيز الاخوة بين جميع مكونات العراق الجديد وفتح صفحة مضيئة من التسامح والتعايش والسلم الاهلي .



لكن التجربة في هذا المنعطف التاريخي أسقطها هذه المرة من لا يريد عراقاً ديمقراطياً ، بل عمل بكل الوسائل لإجهاض اي عملية لاستكمال بناء الدولة الاتحادية المنشودة ، مشدوداً الى ذات الافكار والقيم والاسس التي كان عليه نظام البعث الشمولي ، . وعليكم ايتها الاخوات أيها الاخوة إسترجاع مسيرة ولايتين كان على رأسها السيد المالكي . وتوقفوا الان أمام نتائج تلك السياسة وعواقبها على شعبنا الكوردستاني ، بل والعراقي. فقد إنفرد بقطع ميزانية الاقليم ، ورواتب موظفيه . وأعلن اعتماد الاغلبية السياسية بديلاً عن الشراكة والتوافق، ودعا الى نظام رئاسي في مجتمع منقسم للقضاء على اي فرصة لتكريس قيم المواطنة الحرة المتساوية. ولم تفلح كل ما بذلناه من جهدٍ مخلص لتطبيق الدستور على مافيه من ثغرات ، ولا في الوصول الى تطبيق القوانين والقرارات المتلكئة عمداً وعن سابق اصرار .

لقد دُفع شعبنا الى القناعة بأن الآخر لايريد استمرار الشراكة، التي يستحيل أن تستمر في بيئة رافضة، تُنتج وتُعيد إنتاج الازمات وتشيع اجواء الكراهية. وبات الشحن والتعبئة ضد الكورد وكوردستان يتخذ منحىً شوفينياً تُعيد للذاكرة الشعبية ما كان يبثه جهاز البعث الشوفيني. وصرنا نسمع من وسائل الاعلام وعلى السنة القيادات العليا والنواب، ما مفاده، أن الكورد عالة على العراق يعتاشون على ثرواتنا .! وعشرات المقولات الاستفزازية التي تحاول تناول كرامة شعبنا والحط من أقدار مواطنينا.

في مثل هذه الاجواء العدائية التحريضية ، وفِي ظل وضع سياسيٍ لا أمل فيه للوصول الى تفاهمٍ حول ايجاد حلول للمشاكل بيننا والحكومة الاتحادية، ومع استمرار قطع ارزاق مواطنينا وحرمان الاقليم من حصته في الموازنة، لم نجد أمامنا سوى خيار طرح الاستفتاء على شعبنا لقول كلمته حول تقرير مصيره واختيار طريق تطوره اللاحق. وقلنا منذ البداية وكررنا في كل مرة ، أن الاستفتاء ليس هدفاً وإنما وسيلة حضارية للوصول الى الهدف. وإن ما يتقرر في الاستفتاء لايعني الانتقال فوراً الى الدولة أو الصيغة التي يحددها الشعب لكيانه القومي، بل أن ذلك يتطلب متابعة حوارٍ بناءٍ موصول مع العراق ومع الجيران والمجتمع الدولي.



بل أكثر من ذلك ، لم نغلق الباب أمام تأجيل الاستفتاء اذا كان الاعتراض عليه يتعلق بعدم ملاءمة التوقيت، شرط أن يُقَدَم لشعبنا البديل والضمان المقبول الذي يُلبّي ويستجيب لمطلبنا في تقرير المصير. وما زلنا على إستعدادٍ للاستجابة لتغيير توقيت الاستفتاء شرط البديل الضامن وليس بقصد التسويف.



ونحن نؤكد الآن أمامكم أننا منفتحون لإجراء حوارٍ بناءٍ ممتد إذا شعرنا بجدية الطرف الأخر وإستعداده للتجاوب مع حقنا في إختيار سبيل تطورنا. كما نؤكد أيضاً أننا سنتمسك بتعاوننا في المستقبل في الحرب ضد داعش ، وفِي كل المجالات التي توطد العلاقة مع العراق وندعم حكومة الاخ الدكتور حيدر العبادي. وسنحرص على اعتماد لغة الحوار والوسائل السلمية لمعالجة كل اشكالية تواجهنا، ونرفض ونستنكر التصرفات المشبوهة التي تُعرّض بأشقائنا العرب والعراقيين عموماً ونشجب الاساءة للعلم العراقي وغير ذلك من الاساليب والوسائل الدخيلة المتعارضة مع قيم شعبنا وتقاليده .



ان مواجهتنا بلغة اللاءات والتلويح بالتهديد ، لا تدل على جدية في البحث عن مخارج وحلول ، بل تعبر عن نوايا مبيتة لا تنطوي على فعلٍ ايجابي للخروج من الازمة .



إن وفدنا سيذهب ثانية الى بغداد لمتابعة الحوار ، فاذا كانت النوايا صادقة فلنسمع مقترحاً بديلاً قابلا للنقاش. ونحن مستعدون لمناقشة كل الافكار والبدائل المنطلقة على ان صيغة التعاقد السياسي الراهنة لم تعد إطاراً مقبولاً للعيش المشترك .
Top