• Wednesday, 01 July 2026
logo

لعبة النفط وتأثيرها على السلام في المنطقة

لعبة النفط وتأثيرها على السلام في المنطقة
غادرت الشركات الأمريكية العملاقة البصرة، و توجهت صوب كردستان العراق التي تنتج يوميا 200 ألف برميل من النفط الخام . أما كردستان العراق فتتعقّب طيب اردوغان بالأخص. إذاً، هل تملك أنقرة خطة خاصة للتعامل مع الإدارة الكردية، في ظل تطور العلاقات الإقتصادية و التجارية و من ضمنها النفط ؟.

أربيل

لقد زرت كردستان العراق لأول مرة في 1974، كمراسل لصحيفة جمهورييت. حيث مكثت في أربيل بعد عبورنا لكركوك على متن مروحية روسية.

في تلك المرحلة كان الكرد والنظام البعثي الذي كان يحكم العراق، يوقعون على معاهدة تقضي بمنح الحكم الذاتي للكرد. ولكن فشلت المعاهدة فيما بعد. و بدأت مرحلة العصيان الكردي الدموي والحروب والمعارك. وزرت أربيل في المرة الثانية في عام 1992، إثر إنتهاء حرب الخليج الذي أنهى إحتلال الكويت من قبل صدام حسين، و كانت الطائرات الأمريكية تحمي الشعب الكردي من بطش صدام حسين من قاعدة إنجريلك في أضنة.

كان المشهد مؤلماً جدا في حينها. حيث أنه و خلال بقائنا في اربيل، مكثت في فندق شيرين بالاس و كنا نستخدم الشراشف بدلا من المناشف، و كان فطورنا عبارة عن قطعة خبز يابسة و قطع صغيرة متحجرة من الجبن مع كأس شاي. في كل المدينة كان هناك محلين إثنين يقدمان خدمات الفاكس. و جميع الأشجار الموجودة على المرتفعات القريبة كانت مقطوعة لغرض التدفئة، في ظل فقدان الوقود.

كان هذا قبل عشرين عاما من الآن. أما اليوم و أنا في اربيل، أصعد إلى الطابق السادس عشر، حيث غرفتي في فندق ديوان، و عند رؤيتي أعلانا على جدار المصعد عن وجود طائرة نقل خاصة، قلت لنفسي..من أين إلى أين؟.

مدينة ..أم موقع عمل؟

نستطيع أن نسمي هذا، إقتراب كرد العراق شيئا فشئيا من " الدولة" من جهة، و من جهة أخرى بإمكاننا القول أنها نتيجة " لأموال النفط" التي بدأت بالتدفق منذ أربع سنوات. نعم أنه أموال النفط.

تحولت أربيل تماما إلى موقع للعمل. جميع الأطراف تعج بمواقع العمل. و بالقرب من فندق ديوان و و روتانا هناك مشاريع لإنشاء سلسلة من الفنادق العالمية مثل كامبنسكي، و ماريوت، و حياة، و شيراتون، و هيلتون و ديدمان.

وهناك شركات نفط أمريكية كبيرة تعمل حاليا في كردستان العراق، مثل إيكسون، و موبيل، و جفرون، و ماراثون، و مورفي، و هونت أويل، و هوليود، و هيس، وشركة جنرال إكسبلورشن بارتنرس التابعة لشبكة الإستخبارات الأمريكية.

القواعد الإقتصادية

في لقائي الخاص مع رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني في الأسبوع الماضي، قال:

"الشركات الأمريكية تأتي إلى هنا لإيمانهم بالمستقبل. هذه إشارة جيدة. نحن لا نريد قواعد عسكرية في كردستان، بل نريد قواعد إقتصادية".

ففي كردستان ينتج الآن 200 ألف برميل من النفط الخام يوميا. و سوف ترتفع النسبة إلى 250 ألف برميل يوميا في المستقبل القريب. أما إنتاج تركيا اليومي من النفط الخام فيصل إلى 70 ألف برميل، و إستهلاكها اليومي تصل إلى 700 ألف برميل.

بالنظر إلى أرقام الإنتاج و الإستهلاك فقط، نستطيع أن نستنتج مدى أهمية التعاون المشترك بين الطرفين من هذه الناحية، و بالأخص بالنسبة لتركيا، التي تبيع أغلى بنزين في العالم.

لقد دخلت شركتي بت أويل و الطاقة العامة النفطيين التركيين إلى شمال العراق في العام 2002. وتم إفتتاح البئر الأول في خريف 2005. أما الشركات النفطية العالمية الأخرى فدخلت شمال العراق لأول مرة في 2005.

سياسة الدولة التركية

هناك ذهنية حاكمة في سياسة الدولة التركية، تدّعي ب ( أننا سنساهم في غنى البارزاني). حيث أخبرني أحد تجار النفط الأتراك، و الذي أمضى فترة طويلة من عمره في كردستان العراق قائلا: "إمتنعت مؤسسة النفط الوطنية التركية من الدخول إلى كردستان العراق، بسبب عدم إعتراف تركيا بشكل رسمي بحكومة كردستان العراق. لقد مرت بنا مواقف كوميدية. حيث أرسلت لنا أمريكا بضائع إلى موقع عملنا هنا، ولكن تم حجزهم في مرفأ مرسين التجاري، لسبب وحيد و هو أنه كتب على البضاعة إسم كردستان، لذا تم نقل البضائع إلى ملاطيا و هناك تم إزالة كلمة كردستان، و من ثم تم إرسال البضاعة إلينا من جديد عبر مرسين. بعد ذلك تم تجاوز هذه الذهنية قليلا، حيث أفتتحت القنصلية التركية بأربيل، في شهر آذار العام 2010.

وكان لسوء العلاقات بين نوري المالكي في بغداد ورجب طيب أردوغان في أنقرة، تاثيراً سلبياً على إستخدام خط كركوك – جيهان النفطي. لذا تم نقل النفط عن طريق الصهاريج و عبر المناطق الكردية. ومن جهة أخرى هناك أعمال جارية من أجل إنشاء خط نقل جديد للنفط و الغاز الطبيعي.

يقول تاجر النفط التركي في أربيل:" إن عملية نقل النفط الخام عن طريق الصهاريج يتم بشكل بطيء جدا. لقد إرتفعت نسبة العبور من (5) صهاريج إلى (30) صهريجا، ولكن ما تزال العملية بطيئة. لذا تم البدء بإنشاء خط لنقل النفط الخام بين شمال العراق وتركيا، يتسع ل (1) مليون برميل يوميا، على إمتداد (225) كم. حيث تم إنهاء (70) كم منه حتى الآن. إنه خط لنقل النفط الخفيف. وهناك مشروعين آخرين، أحدهم لإنشاء خط لنقل النفط الثقيل و يمتد ل (122) كم ، والخط الآخر لنقل الغاز الطبيعي( تحصل تركيا على الغاز الطبيعي من روسيا بنسبة 55% ، و من إيران تحصل على نسبة 21% .

وأضاف: " بدون شك أن هذه المشاريع التي تفيد تركيا والحكومة الكردية، وتساعد الكرد للحصول على المزيد من الإستقلالية المادية عن بغداد، تزعج كل من طهران وبغداد".

إن تطور العلاقات الإقتصادية والتجارية بين تركيا وكردستان العراق، ومن ضمنها التعاون في مجال النفط، لا تزعج بعض الدول في المنطقة فقط، بل تتعداها لتشمل دولا أخرى. وعند طرحي لسؤال بشأن من تكون هذه الدول الأخرى، أجابني أحد المسؤولين الكرد و رفض أن أذكر إسمه قائلا:" قد تكون امريكا مثلا".

ولكن في كل الأحوال، يعتبر تطوير العلاقات التركية مع كردستان العراق، سياسة حكيمة و تصب في مصلحة الطرفين.

حسب البيانات الرسمية، تصل حجم الإستثمارات التركية في كردستان العراق إلى (8) مليار دولار. أما حسب البيانات غير الرسمية فتتجاوز (10) مليار دولار.

ويعيش حاليا حوالي (30) ألف عامل تركي في كردستان العراق، يعمل غالبيتهم في قطاع الإعمار. و هناك أكثر من (1000) شركة تركية فعالة. و تعبر يوميا من بوابة خابور الحدودية أكثر من (2000) مركبة تجارية، إلى جانب (600-700) سيارة خاصة.

لماذا أذكر كل هذه الأرقام؟

و لماذا أقف عند هذه الأمور؟

هناك سبب وحيد وراء ذلك:

إنه السلام!.

السلام و الإستقرار

أن من شأن السلام وحده أن يسعد جميع الشعوب التي تعيش على ارض هذه المنطقة. عندما يعم السلام في جبال هذه المنطقة، سوف يعيش الجميع في ظل الرفاه و الغنى.

الأنظار تتجه نحو تركيا

الكرد في المنطقة يتعقبون تركيا. و بالأخص هم يتعقبون طيب اردوغان، لأنهم يعلمون جيدا أنه في حال تم إيجاد حل سلمي للقضية الكردية من قبل أنقرة، سوف لن تعم السلام في تركيا فقط، بل ستساهم في تعميم السلام و الإستقرار في المنطقة بأجملها.

ولكن هل لدى أنقرة خطة بهذا الشأن؟ خطة نهائية؟ هل هناك خطة ترفع من شأن تركيا؟.

حاولت أن ألخص أفكاري في (6) مقالات، أستقيتهم من فترة بقائي لمدة أسبوع في كردستان العراق. و خلال تلك الفترة لم تبرح ذهني كلمة السلام.

لأن هذه الأرض الجميلة، ما تزال بعيدة الشبع من التراجيديا.
Top